إيران وأوباما ومفاوضات "الربح للجميع"

الخميس 2015/02/26

إشارات جديدة يطلقها الرئيس الإيراني حسن روحاني للغرب، تدلل على عمق الحاجة الإيرانية لإقامة شراكة استراتيجية متوازنة معه. ففي اجتماع “الاقتصاد المقاوم” في طهران شدد روحاني على ضرورة العمل مع الغرب وفق مبدأ “الربح للجميع”، وهو ما يجب أن يحدد مجمل العلاقات الإيرانية مع العالم على حد قوله، وليس فقط بملف المفاوضات النووية، محاولا إبراز المفاتن الجيوسياسية والإستراتيجية، التي تتمتع بها بلاده، وهي التي تربط شرق آسيا بـ”الخليج الفارسي” وشرق البحر المتوسط، بالتالي أهمية مكانية وإستراتيجية تجعل إيران في قلب العالم يصعب الاستغناء عنها كما تحدث.

تستند إيران، على منجزات الهيمنة الإقليمية التي حققتها، خصوصا بعد تمكنها من السيطرة على صنعاء عبر ميليشيا الحوثيين، ورفع مستوى نفوذها في سوريا لدرجة القائد العسكري المباشر الممسك بالأرض والقرار، ويبقى العراق الحلقة الأبرز في سلسلة القوة الإيرانية الضاغطة، وعلى علاقة مباشرة في الحرب على تنظيم “داعش”، بالإضافة لتحكمها بلبنان عبر حزب الله. إذ تبدو طهران مطمئنة لقوة أوراقها ومغرياتها، وقدرتها على تحقيق الجذب الدولي باتجاهها، بغية الاعتراف بها شريكا قادرا على تبادل ممتعات العلاقات الدولية المتوازنة مع الدول الكبرى.

تُظهر الولايات المتحدة الأميركية “ممانعتها” هذه المرة، حيث لوح وزير خارجيتها جون كيري مؤخرا، بإمكانية انسحاب بلاده من المفاوضات النووية، قبل أسابيع قليلة من انتهاء مهلة الاتفاق، وذلك في حال الشعور بأن إيران لا تبذل جهدا كافيا لإثبات الطابع السلمي لبرنامجها النووي.

يبرز تلويح الجانب الأميركي بالانسحاب، بعد سلسلة إشارات إيجابية سابقة كان قد تبادلها مع الإيرانيين، بخصوص التوصل لاتفاق ينهي الملف، ويضمن للجمهورية الإسلامية مستقبل إقليمي جيد، كما بشّر باراك أوباما الإيرانيين قبل أكثر من شهر، قابله الجانب الإيراني، وعلى لسان حسن روحاني حينها في خطاب له، بإبداء استعداد إيران التخلي عن بعض المبادئ في سبيل كسر العزلة الدولية، وما يظهر بوضوح اليوم، أن تلك المبادئ لم تعد ترضي الجانب الأميركي “الممانع”، وأن تبدّلا قد أصاب الاعتبارات الأميركية وهو ما ينذر بالمزيد من الإطالة والتعقيد.

محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيرانية، وفي تصريح له بعد جولة مفاوضات جنيف المكثفة التي جرت قبل أيام، اعتبر أن الطريق لا يزال طويلا، وأنه من البديهي عدم التوصل لأي اتفاق حول أي ملف ما لم يتم التوصل لاتفاق يشمل جميع الملفات على حد قوله.

فالمبادئ التي أبدت طهران الاستغناء عنها في سبيل كسر عزلتها مع الغرب، لم تعد ترضي الجانب الأميركي. ويظهر أنها ليست متعلقة بطموح إيران بإنتاج قنبلة نووية بالدرجة الأولى كما ساد الظن، ولو كان هذا هو المعلن.

فالطموح الإيراني الحقيقي هو تأبيد تواجدها في مناطق سيطرتها وتوسيعها، وهو ما يؤرق الجانب الأميركي أكثر من أي طموح آخر، تلك السيطرة التي باتت واقعا يفرض مساراته المتشابكة على الأرض، ويهدد نفوذ واشنطن والأمن الإقليمي لحلفائها، خصوصا بعد سيطرة عملاء طهران الحوثيين على اليمن. وتعقد الوضع العراقي وإمساك إيران أكثر بالوضع السوري كما ذكرنا، بينما موضوع إنتاج القنبلة النووية، يخضع للكثير من المعيقات الداخلية والخارجية والاقتصادية والعلمية، يدركها الأميركيون قبل الإيرانيين، ويدرك الإيرانيون كما الأميركيين أيضا، خطورة تجاوز العتبة السلمية لمشروعهم النووي، فتصنيع القنبلة يعني عزلة نهائية على الطريقة الكورية الشمالية، تتجنبها إيران وهي الغارقة بكوارثها الاقتصادية، ومرشحة لكوارث اجتماعية خطيرة تنذر بها أوضاعها الداخلية شديدة الحساسية التي قد تفاقمها العزلة.

كما أن الجانب الأميركي يتجنب عزل إيران بشكل كامل، وهذا ما تقوله سياسة الرئيس باراك أوباما منذ توليه سدة الرئاسة، فما سيعنيه أي انقطاع نهائي لأفق العلاقات مع إيران، هو فسح المجال لتمدد نفوذ القوى العالمية المنافسة، وبالأخص روسيا والصين، وبالتالي مزيدا من التراجع الأميركي في المنطقة.

هنا تظهر مسألة سلمية البرنامج النووي من عدمها، مجرد عنوان عريض لقاعة اجتماعات تحتضن التفاوض على جملة ملفات استراتيجية، ستحدد ممكنات ومستويات “الربح المتبادل” بين الطرفين وفق مبدأ “الربح للجميع” الذي لا تمانعه إدارة أوباما من حيث المبدأ كما تقول مجمل سياساته حيال إيران، إلا أن الهدف الأساس من هذه “الممانعة” الأميركية هو إطالة وقت المفاوضات النهائية، لحين التمكن من إحداث تبدلات نوعية على الأرض، تتعلق بحسر التمدد الإيراني خصوصا في اليمن وسوريا، مع إمكانية الاعتراف لها بدور ما في العراق، ومن هنا يمكن القول أن جولة المفاوضات المرتقبة في حزيران المقبل، والتي وصفت بالحاسمة، لن تكون كذلك قبل تبدل المجريات على الأرض، والتي تتجه نحو المزيد من التصعيد.


كاتب عراقي

9