إيران والإخوان.. توأمان لا يفترقان

ما يجمع بين إيران وتنظيم الإخوان المسلمين أكثر ممّا يفرّق، سواء من حيث النشأة وملابسات التأسيس، أو من حيث الطرح الأيديولوجي والتكتيك والأهداف، وذلك رغم التباعد الظاهر في الأطروحات والتحالفات، لكنّ قراءة أحداث ما يجري في المنطقة، تثبت التقاء واضحا في المصالح بين السياستين.
الجمعة 2016/08/26
لقاءات لم تنقطع بين إيران وقيادات الإخوان في كل زمان ومكان

نشأة إيران والإخوان تعود إلى حقبة زمنيّة واحدة، فبداية الربع الأوّل من القرن العشرين شهدت ولادة الدولة الإيرانيّة بعد احتلالها دولة الأحواز العربيّة عام 1925 وإقليم بلوشستان عام 1928 وكذلك أقاليم آذربيجان وتركمنستان وكردستان في نفس الفترة الزمنيّة، وبعد إتمام احتلالها للأقاليم المذكورة وبمساعدة بريطانيّة لا محدودة، أطلق عليها تسمية “إيران” عام 1936 بعد أن كانت تسمّى بفارس أو الدولة الفارسيّة.

وبعد نيلها اسم الدولة الإيرانيّة بعامين فقط، تأسّس توأمها المتمثل بحركة الإخوان المسلمين في مصر على يد “حسن البنّا” عام 1938 الذي استقبل “الخميني” بنفس السنة في المقرّ العام لجماعة الإخوان، وتؤكّد ذلك الوثيقة السريّة التي فصح عنها القيادي المنشق عن جماعة الأخوان ثروت الخرباوي.

وتوالت زيارات إخوان “الفرس” إلى إخوان “العرب”، وتمّت بموجب دعوات وترتيبات، لا تقتصر على تنظيم الزيارات بل تشمل التنسيق في ما بين الطرفين على مستوى الأهداف والمنهج الفكري وسياسة التوسّع، ونشر الخلايا السريّة لكلا الطرفين في الوطن العربي خصوصا وفي عدد من الدول الإسلاميّة والعالم بشكل عام.

وشارك الإيراني محمّد تقي القمي في اجتماعات التقريب بين المذاهب بمعيّة حسن البنّا، وبدعوة من الإخوان، توجّه مؤسّس تنظيم فدائيي الإسلام المسلّح، مُجتبى نوّاب صفوي، إلى مصر عام 1954، فقوبل بمنتهى الحفاوة والحماس رغم ماضيه الحافل بالاغتيالات التي شملت كلا من الكاتب والمؤرّخ الإيراني أحمد كسروي ورئيس الوزراء عبدالحسين هجير وكذلك رئيس الوزراء حاجي علي رَزْمْ آرا.

واختلطت أيديولوجيّة الإخوان بأيديولوجيّة إيران فتشابكت المفاهيم بينهما وانهالت مراسلات الود بين حسن البنّا وإخوان إيران، وأهدى سيّد قطب المرشّح الأبرز لزعامة الإخوان بعد مقتل البنّا، مقالاته إلى المرجع الشيعي الإيراني آية الله كاشاني، وتوطّدت العلاقة بين الرجلين، خاصّة بعد انتصار ثورة الشعوب ضمن جغرافية إيران عام 1979 وتولّي الخميني سدّة الحكم في البلاد، أو بالأحرى سرقته للثورة وتضحيات الشعوب، وامتهانهما سرقة الثورات يعد وجه الشبه الأبرز بينهما، تماما مثلما خطف الإخوان ثورات ما يسمّى بالربيع العربي في مصر، وبذلوا جهودا حثيثة للقيام بعمل مماثل في سوريا واليمن وليبيا.
زيارات إخوان (الفرس) إلى إخوان (العرب)، تمت بموجب يشمل التنسيق على مستوى الأهداف والمنهج الفكري وسياسة التوسع

ويلتقي الإخوان وإيران (الشيعة) في مفهوم الولاء، فالولاء عندهما مختلف ولا يأخذ معاناة الشعوب والوطنيّة بعين الاعتبار، إذ يدينون بالولاء للأشخاص قبل الأوطان، ومثال على ذلك جرائم الميليشيات الطائفيّة الإيرانيّة في العراق التي تقتل العراقيين وتفتك بالوطن، وتنقض عليه لإرضاء المرشد المتربّع على عرش الطائفيّة في طهران، تماما مثلما تقتل الميليشيات الإيرانيّة ذاتها السوريين بذريعة الدفاع عن المقدّسات كمرقد السيّدة زينب حيث يقال إنّها دُفنت في دمشق، ويؤوّل كلاهما الدين الإسلامي وفقا للمفاهيم التي تنسجم ومشروعه التوسّعي.

وبدافع الولاء للأشخاص قبل الأوطان، فإنّ رجل الأعمال ومفوّض العلاقات الدوليّة لجماعة الأخوان يوسف ندا، وعبر شركاته، قام بترتيب صفقات الأسلحة المتدفقة من أوكرانيا لإيران إبان الحرب الإيرانية العراقيّة (1980-1988) وشيّد أكبر المؤسّسات الماليّة والصناعيّة في إيران مثل “نسيج مازندران” و”بنك تقوى” و”مصنع الصلب والحديد” في أصفهان.

وفي حين يؤكّد الإسلام على الوحدة في ما بين المسلمين، فإننا نجد الإخوان وإيران معا يقسّمان المسلمين إلى فرق ومجاميع تسهم في إضعافه لا تعزيزه وتقويته، فوزير خارجية إيران الأسبق والمستشار الأعلى لخامنئي، علي أكبر ولايتي يقول “الإخوان المسلمون هم الأقرب لإيران عقائديا قياسا بكافّة المجموعات الإسلاميّة الأخرى”، وأكّد ولايتي الدعم الإيراني غير المحدود لجماعة الإخوان.

وتعمل إيران والإخوان خلافا لأهدافهما المعلنة، ففي حين يتفق الاثنان على ضرورة حماية الحقوق والحريّات الدينيّة والمذهبيّة والقوميّة، تعدم إيران أهل السنّة والجماعة من البلوش والأكراد والأحوازيين، وتقمع الأقليّات بشدّة وتكبّل الحريّات الأساسيّة بشكل عام، وتستخف بجميع القوميّات غير الفارسيّة، بينما تمجّد القوميّة الفارسيّة دون سواها، وبالمقابل فإن الإخوان وخاصّة جماعة يوسف ندا، متهمون بالتورّط في محاولة اغتيال الزعيم المصري جمال عبدالناصر، رغم توجّهه القومي، واغتيال الرئيس أنور السادات بواسطة خالد الإسلامبولي الذي تسمّي إيران أحد أكبر شوارع طهران باسمه.

ويأخذ الاثنان من الهدف المعلن والمتمثل بمحاربة الفقر والحرمان ذريعة لاستمالة الفقراء وكسب ولائهم، إمّا للمذهب الشيعي وإما لجماعة الإخوان عوضا عن مساعدتهم، أمّا الاهتمام بالمساجد والمدارس الدينيّة، وحماية المؤسّسات الثقافيّة والذي يأخذ منه الإخوان وإيران هدفا لهما، فيعني عند الإيرانيين نشر الحسينيّات والمزارات والمدارس الحوزويّة، ليس ضمن جغرافية ما يسمى بإيران فحسب، بل في العديد من الدول العربيّة والإسلاميّة والأفريقيّة والآسيويّة.

رغم أنّ الموقف الإيراني يبدو مختلفا كليّا عن الموقف التركي حيال الثورة السوريّة، إلّا أنّ هذا الاختلاف الكبير في المواقف، لن يؤدّي إلى أيّ صدام بين البلدين الجارين المتهمين بتهريب نفط داعش

ولا ريب أنّ هذه المدارس والمؤسّسات التي تسمّى جزافا بالثقافيّة، تشكّل بؤرة لتربية وتدريب الخلايا السريّة والإرهابيّة، إذ أنّ جذور أشهر الشخصيّات والمنظومات الإرهابيّة التي تستهدف الدول العربيّة والإسلاميّة ومن ثمّ دول العالم، تعود بالأساس إمّا إلى إيران وإما إلى الإخوان.

فخلفيّة كل من أسامة بن لادن وعبدالله عزّام هي إخوانيّة، واستثناء تنظيم القاعدة لإيران من عملياته الإرهابيّة لا يمكن أن يكون صدفة كما لا يعود بالأساس إلى قوّة جهاز الاستخبارات الإيراني بقدر ما يفسّر مدى العلاقة بين التنظيم وإيران، مثلما هي الحال بالنسبة إلى تنظيم داعش الإرهابي الذي تنتشر مراكزه ومقرّاته في قم وطهران ومشهد، والمعروف أنّ الكثيرين من عناصر تنظيم داعش قد تدرّبوا أساسا في معسكرات تنظيم القاعدة الإخواني، ويقع أحد أكبر هذه المعسكرات قرب مدينة زاهدان البلوشيّة المحتلة من إيران.

ورغم أنّ الموقف الإيراني يبدو مختلفا كليّا عن الموقف التركي حيال الثورة السوريّة، إلّا أنّ هذا الاختلاف الكبير في المواقف، لن يؤدّي إلى أيّ صدام بين البلدين الجارين المتهمين بتهريب نفط داعش، وفتح الممرّات الآمنة لعناصر التنظيم، فتركيا تعدّ الراعي الأكبر للمحور الإخواني، تماما مثلما تتزعّم إيران المحور الشيعي في المنطقة، وأخيرا توّجت العلاقة بالانفتاح غير المسبوق.

13