إيران والتهديد الطائفي لدول الخليج

الهلال الشيعي الذي تسعى إيران للتأسيس له في منطقة الخليج العربي يعتمد على الأذرع التي زرعتها سلطات طهران المتعاقبة منذ ثورة الخميني وجعلتها تابعة لها ومنها حزب الله في لبنان ومثيله حزب الله الحجاز وقد توارث رجال الدين مقولات تصدير الثورة للهيمنة على العالم العربي من خلال تطويع المذهب وتابعيه وبث الفرقة بين مكونات المجتمعات الخليجية السنية، ما يبرز الدور الإيراني في اللعب على الاختلافات العقائدية بغية تشييع المنطقة.
الاثنين 2015/05/25
تشييع الخليج العربي أداة إيرانية للهيمنة الإقليمية عبر طائفية مذهبية

دبي- ما حدث في اليمن، من صعود كارثيّ للحوثيين، وتهديدهم للدولة اليمنية بالتقسيم انطلاقا من صعدة، وتهديدهم للجيش السعوديّ، يعيد دول الخليج إلى مربع الصفر مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث لم يتخذوا سياسة حكيمة تجاه المسألة اليمنية التي تركت للإهمال، مقابل الدور الأميركيّ والإيرانيّ المتنامي في هذا البلد، الذي يهدّد ضياعه لصالح طهران، بتحويل جميع دول المنطقة إلى قوى دولية إقليمية على حساب دول الخليج العربي.

أما الدور الإيراني المستفز للخليج في سوريا، فقد خرج من اعتبار سوريا تشهد تحولا في سياق الربيع العربي، إلى مخطط إيرانيّ جيوستراتيجيّ للسيطرة على الدولة السورية، ويتضح ذلك بشكل جليّ في دور حزب الله اللبنانيّ، في دعم الجيش السوريّ ضدّ المعارضة، ومحاولة دمشق الادعاء بأنّها هي من سيقضي على تنظيم “داعش” في المنطقة، ومساعدة الغرب على القضاء عليه، مستغلة التقارب الذي عمل على تحقيقه الرئيس الإيراني روحاني مع الرئيس الأميركيّ باراك أوباما، لإعادة تطبيع الدور السوريّ في المنطقة.

هذا ويشهد العالم العربيّ اليوم الانتقال من الحرب على تنظيم القاعدة إلى الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، الذي استفاد من النتيجة الكارثية لحصيلة الربيع العربي في سوريا، وتنامي الفكر الأصوليّ والجهاديّ في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، حيث أنّ تنظيم “داعش” هو نتيجة لرغبة أكثر من 34 طرفا دوليا في لعب دور داخل سوريا – على حدّ قول القانونيّ الدوليّ هيثم مناع- من بينها مخابرات الدول الخليجية، في محاولة اكتشاف التهديدات المحتملة على هذه الدول من داخل العراق وسوريا، وبهذا نكون قد عدنا إلى المربع الأول مرة أخرى، حيث يعيد التاريخ نفسه – كما يقول المؤرخان تودروف وتوينبي- ويتأسّس تنظيم “داعش” على خطى تنظيم القاعدة نفسها، بل أخطر منه في التكتيكات والأهداف والعمليات والتنظيم.

تدرك دول الخليج العربي أن الدور الإيراني يقوم على شغلها بالقضية الشيعية، انطلاقا من العراق وسوريا ولبنان واليمن

يقول الرئيس الباكستانيّ الأسبق برويز مشرّف في مذكراته: إنّ نسج العلاقة بين الدين والجهاد في جبال باكستان قد حوّل بلده إلى هدف للغرب، ويعني ذلك اليوم أنّ أيّ بلد شهد ربيعا عربيا فاشلا سيتحول -أيضا- إلى هدف لدى الدول الغربية، التي لم تكن تحلم في يوم من الأيام بدخول سوريا واليمن وتونس ومصر، دون إذن حكومات هذه الدول القوية أمنيا في السابق، المخترقة حاليا بسبب أوضاعها الأمنية المتدهورة.

يدير الغرب تحالفا دوليا لمحاربة تنظيم “داعش”، وتعتبر الدول الخليجية ركنا رئيسا في هذا التحالف، والملاحظ أنّ الدور الأميركيّ في هذه الحرب، يعكس ترّدد واشنطن بين إرادتي السيطرة على الشرق الأوسط أو قيادة المنطقة إلى الحرب على الإرهاب، حيث يتيح الخيار الأول قوة أكبر تحتاج إلى موارد أكبر، فيما قد تنتج عن الخيار الثاني استفادة قوى إقليمية أخرى مثل إيران أو تركيا أو روسيا من “احتمال خلق مستنقع جديد للجيش الأميركي في المنطقة”.

تقول وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت “تدور المعركة الفلسفية في المملكة العربية السعودية حول نوع البلد، الذي يرغب فيه شعبها، هل يريدون بلدا منعزلا تحكمه التقاليد المحافظة، أم بلدا حديثا متديّنا، منفتحا على العالم؟”. لا يزال العامل الديني أهمّ مدخل للتأثير على السعودية ودول الخليج من الداخل.

ويجب أن تدرك الدول الخليجية أنّ عدم توافقها في اعتماد سياسة جماعية موحدة تجاه ظاهرة التطرف الديني، سيعني استمرار لعب الأطراف الأجنبية لأدوار مضرّة بمصالحها.

تقول روسيا عن دورها في محاربة الإرهاب الإسلامي، الذي حاربته في أفغانستان ولا تزال تحاربه في الشيشان: إنّه يقوم على فكرة “التحالف البنّاء” مع الأميركيين.

ويبدو أنّ دول الخليج تتقاطع مع الدور الروسي في الحرب على الإرهاب، وهو ممارسة حرب بنّاءة لا تسمح للإرهابيين بالإضرار بالمصالح الغربية، وتأجيل مناقشة القضاء النهائيّ على الجماعات الإرهابية إلى ما بعد “وأد الربيع العربيّ”، والتخلّص من الدور الإيرانيّ المقلق، وتهدئة الجبهة السورية، وإقرار سلام مؤقت بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
فرضت التحولات الإقليمية التي عرفها العالم العربيّ منذ بداية سنة 2011 أوضاعا إقليمية جديدة، نتيجة انسداد تجارب الديمقراطية التمثيلية المطوقة أمنيا في تونس ومصر، ونتيجة لذلك، كان على دول الخليج العربيّ، أن تراقب الأوضاع الإقليمية، وانعكاسات فرص تنامي حركات الإسلام السياسيّ في المنطقة.
التحولات الإقليمية التي عرفها العالم العربيّ منذ بداية سنة 2011 فرضت أوضاعا إقليمية جديدة، نتيجة انسداد تجارب الديمقراطية التمثيلية المطوقة أمنيا في تونس ومصر

لا تعرف الدول الخليجية الديمقراطية النيابية بشكل واضح؛ إذ أنّ تقاليد الديمقراطية لا تتمثّل في أحزاب سياسية تعترف بها السلطة، ويقتصر الأمر على ديوانيات تقليدية تختصر الحوار السياسيّ المجتمعيّ داخل الأسر، ومن المدهش أنّ التحوّل الذي شهدته قطر نفسها، لم يثنِ الأمير الجديد في قطر، عن دعم ربيع أفريقي، في بوركينافاسو وأفريقيا الوسطى ومالي، على الرغم من فشله في العالم العربي، خصوصا في سوريا التي تتحول يوما بعد يوم إلى دولة “فاشلة”، يتصور نظامها البعثي “شيعي” الخلفية، أنّه انتصر في حرب، يوجد بها أكثر من ثلاثين لاعبا إقليميا يلعب أدوارا خطيرة تهدّد جميع دول المنطقة، وتتحكم في مصيرها المستقبلي ميليشيات عسكرية يتجاوز تعدادها 70 فيلقا ومنظمة عسكرية أشهرها الجيش السوري الحر.

انتقل الخليج العربي من الراعي الأقوى للقضية الفلسطينية في تاريخ الصراع العربي – الإسرائيلي، إلى أحد أكبر المتجاهلين لها نتيجة التهديدات الإقليمية المرتبطة بشكل أو بآخر بالقضية الفلسطينية نفسها، فبالنسبة إلى الدور الإيرانيّ الذي يزعم أنّه دور “مقاومة” يناهض إرادة “دور الانبطاح الخليجيّ”، فهو يخفي حقيقة استخدام طهران للفصائل الفلسطينية ولحزب الله في لبنان لشغل إسرائيل عن أيّ مواجهة عسكرية محتملة ضدّ إيران، مقابل تهديد دول الخليج وانشغالها بمشاكلها الداخلية حتى يتاح لطهران لعب أدوار إقليمية مؤثّرة، تتيح لها التفاوض مع واشنطن، وتقليص مساحة التفاهمات الخليجية الأميركية في المقابل، وتدرك دول الخليج العربيّ أنّ هذا الدور الإيرانيّ يقوم على شغلها بالقضية الشيعية داخلها، انطلاقا من العراق وسوريا ولبنان، التي تشكّل “الهلال الشيعيّ” كما يسمّيه العاهل الأردنيّ الملك عبدالله، والرئيس المصريّ المخلوع محمد حسني مبارك، حيث تحوّل الصراع الفلسطينيّ – الإسرائيلي إلى “حصان طروادة”، لتهيئة تفاوض إقليمي: أميركي – روسي – إيراني – تركي – أوروبي، يستثني الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

خلاصة من بحث بوحنية قوي “السياسة الخارجية الموحدة في إطار التهديدات الأمنية”، ضمن الكتاب 100 (أبريل 2015) “الفرص والتحديات في دول الخليج العربي” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13