إيران والربيع العربي… اللاعب واللعبة

الأحد 2015/04/12
إيران تنشر أفكار ها على طريقة دس السم في العسل

لعل الملمح الأساس في المعركة التي يخوضها العرب اليوم ضدّ المقاتلين الحوثيين في اليمن هو الحيلولة دون إمكانية قطف ثمرة الربيع العربي من قبل إيران؛ ذلك أن هذه الأخيرة توجد اليوم في منعطف حاسم لجهة تمددها خارج المربع الإيراني وبعض الجيوب التي تعتبرها حتى الآن تابعة لها في بعض بلدان المنطقة، بيد أنها فشلت ـ حتى يومنا هذا ـ في أن تصنع حليفا أيديولوجيا لها كامل الأهلية في هذه المنطقة، أي بلدا مكتمل السيادة السياسية والعسكرية.

وقد ظنت إيران، ومعها محللون عرب وأميركيون، أن التجربة العراقية وفّرت نوعا من الامتداد الشيعي في العمق العربي، إلا أن التحولات الجذرية الجارية في المنطقة العربية دفعت هذه التجربة إلى نوع من الإفلاس.

ظلت إيران تلعب ورقة الجماعات الإسلامية في العالم العربي منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، وقد نهجت في هذا الإطار استراتيجية متعددة الأذرع من أجل جذب الإسلاميين العرب إلى حظيرتها وتحويلهم إلى وكلاء غير مباشرين للثورة الإيرانية. أدرك الخميني، في السنوات الأولى للثورة الشيعية، أن هناك قضية تجمع العرب وتفرقهم في ذات الوقت، هي القضية الفلسطينية؛ ولكن القضية الفلسطينية استُهلكت كثيرا من قبل الأيديولوجيا القومية في العالم العربي، وشكلت تعلة سياسية لتبرير الانقلابات العسكرية، ثم هي بالتالي قضية وطنية ترتبط بالأرض، أي أن طابعها القومي غالب على طابعها الديني، لذا لجأت إيران إلى توظيف الشق الديني من تلك القضية، المرتبط بملف القدس الشريف، بوصفه مركز المشاعر الدينية، ليس فحسب لدى العرب الواقعين على الجنوب منها، بل أيضا لدى مختلف الشعوب المسلمة في الشمال، حيث تريد إيران أن يكون عمقها الاستراتيجي آسيويا. ولكي تضع إيران نفسها في قلب الأحداث الدولية، اجترح الخميني يوما عالميا للاحتفال باغتصاب القدس الشريف، لكي يكون مناسبة يحتفل بها جميع المسلمين في أقطار العالم.

الاستراتيجية الإيرانية متعددة الأذرع تهدف إلى جذب الإسلاميين العرب إلى حظيرتها وتحويلهم إلى وكلاء غير مباشرين للثورة الإيرانية

لم تلعب إيران الورقة الشيعية دائما، خلافا لما يعتقده الكثيرون، فهي تفهم جيدا أن المذاهب لا تقبل الجفاف، حيث تُعرض عارية على الناس وعلى المكشوف، بل عملت على توظيف المداخل السياسية متباينة الأهداف للتغطية على النزوع الشيعي. وهكذا استخدمت مفاهيم توحي بأنها مفاهيم مجردة من دون خلفية أيديولوجية أو مذهبية، بهدف زرعها في الجهاز المفاهيمي للجماعات الإسلامية العربية وغير العربية.

مثّل مفهوم “الاستكبار العالمي”، الذي رفعته إيران في وجه الولايات المتحدة، واحدا من المفاهيم الرئيسة التي وظفتها من أجل نيل الحظوة لدى الجماعات الإسلامية، وكذا الحركات السياسية اليسارية في العالم العربي، في ظرفية دولية تميزت بالتقاطب الدولي.

بيد أنه من المؤكد أن ذلك المفهوم كان ـ في جوهره ـ محاولة لمعاكسة العالم العربي ومعه جزء من العالم الإسلامي، الذي كان يخوض في المستنقع الأفغاني حربا ضروسا طويلة النفس ضد الاحتلال السوفييتي.

فقد حرصت إيران على أن تميز سياستها منذ البداية عن السياسة العربية. وبالرغم من أن الموقف من الولايات المتحدة آنذاك كان مبنيا على موقف هذه الأخيرة من الثورة الإيرانية، والتوتر الذي حصل بين البلدين في حادث السفارة الأميركية الشهير في طهران، إلا أن حكومة الولي الفقيه سعت إلى الإيحاء بأنها توجد في الضفة المقابلة للعرب، فإذا كان هؤلاء يخوضون حربا ضد الاتحاد السوفييتي، لا بد أن يذهب ريع الانتصار فيها إلى رصيد واشنطن، فإنها ـ هي ـ تعتبر أن الخطر الشيوعي ليس مهما، بقدر ما هو مهم التصدي للسياسة الأميركية.

إيران تفشل في أن تصنع حليفا أيديولوجيا لها كامل الأهلية في هذه المنطقة، أي بلدا مكتمل السيادة السياسية والعسكرية

خلال أحداث الربيع العربي، قبل خمس سنوات، وجدت إيران ضالتها في مفهوم آخر هو “التغيير” أو “الثورة”. لقد وفرت تلك الأحداث رافعة لم تكن طهران تحلم بها طيلة العقود الثلاثة الماضية، إذ فتحت قائمة من السيناريوهات البديلة التي صارت ممكنة بفضل تلك الأحداث التي قلبت العالم العربي رأسا على عقب، الأمر الذي وجدت فيه إيران فرصة سانحة للتسلل عبرها والإسهام في التحكم في واحد أو أكثر من تلك السيناريوهات المفترضة.

مع صعود أسهم الإسلام السياسي في أحداث الربيع العربي، قبل أن تحصل المفاجآت في ما بعد، فهمت إيران أن منطق الأحداث يسير في اتجاه تأييد الجهاز المفاهيمي الذي أرسته بشكل تدريجي طيلة العقود التي خلت؛ فمفاهيم الثورة والتغيير والانقلاب والسلطة الدينية وحاكمية الفقهاء، وأولا وقبل شيء مفهوم الإسلام السياسي نفسه، هي بالنسبة إلى إيران مفاهيم خارجة من معطف الثورة الإيرانية، وهي ـ بالتالي ـ مصدق من مصاديق السياسة التي قادتها تجاه الإسلاميين العرب منذ إعلان الثورة في نهاية السبعينات من القرن الفائت، لذلك لم يكن مستغربا أن تبدأ القنوات التلفزية الإيرانية ـ خلال الأسابيع الأولى لاندلاع أحداث الربيع في تونس وبعد ذلك ـ على بث برامج وثائقية تتعلق بأحداث الأسابيع الأخيرة في إيران الشاه، قبل تفجر الثورة وخروج المواطنين الإيرانيين إلى الشوارع، ثم هرب الشاه خارج إيران؛ وإعادة بث برامج وثائقية عن الأيام الأولى للخميني في السلطة، وخطبه الأولى ضد السلطة الإيرانية المنهارة؛ فقد كان في ذلك إيحاء واضح إلى أن اليوم الجديد للعرب شبيه بالأمس التليد لإيران، كما كان في ذلك إيحاء واضح ـ أيضا ـ إلى أن مسار الأحداث يسير في اتجاه رفع حلفائها المفترضين ـ وهم الإسلاميون العرب ـ إلى السلطة في بلدانهم، قبل أن تسقط توقعاتها.

6