إيران والرقص على دماء الشعوب

الأربعاء 2013/09/18
العاجز عن ردم الهوة مع أبناء جلدته سيعجز عن توطيد العلاقات مع الدول العربية

هدمت الدولة الفارسيّة كافة جسور الترابط بينها وبين الشعوب غير الفارسيّة.. وعشرات السنين من هيمنة الأقليّة الفارسيّة على مقدّرات الشعوب الأخرى وإتباع سياسة التنكيل بها، لن تمحى بتعيين المسؤولين المنسلخين من جلدتهم بعد أن تبرأت منهم شعوبهم.

ومثال ذلك تعيين محافظ آذريّبايجانيّ لطهران ومكافأته لما قدّمه من خدمات جليلة للدولة الفارسيّة على حساب دماء الشعب الآذربايجاني المُراق على يد سلطات طهران، أو تنصيب "علي شَمْخانِي" رئيساً لمجلس الأمن القومي الفارسي، بعد قضائه سنوات من الخدمة كوزير للدفاع وقائد للقوات البحريّة ومستشارا عسكرياً في أحضان الدولة الفارسيّة.

ورغم أن "شمخاني" ينحدر من أصول عربيّة أحوازيّة، إلا أن الشعب الأحوازي يعتبره مجرّد عميل رخيص ومُجرم، لتكريسه جميع طاقاته في خدمة الاِحتلال الأجنبي الفارسي الذي جرّده من هويّته وإنسانيّته وكرامته، وأكد ذلك الممثل الشرعي للشعب العربي الأحوازي المتمثل بـ"المنظمة الوطنيّة لتحرير الأحواز" (حزم) بإصدارها بلاغاً صحفيّاً يؤكد "البراءة من شمخاني وإنكاره لأصله العربي الأحوازي واِنصهاره في بوتقة الاِحتلال الفارسي المشبّع بالأفكار الشوفينيّة والعنصريّة تجاه كل ما هو عربي".

ومنظمة "حزم" المتكوّمة من ستّة من كبار الفصائل وعدد من الشخصيّات الوطنيّة الأحوازيّة، وُلِدَتْ جميعها من رَحم الشعب العربي الأحوازي، أعلنت في بيانها عن "السقوط الأخلاقي لشمخاني"، وبيّنت أن "الدولة الفارسيّة تستخدمه كواجهة لخدمة مصالحها والتوغل في احتلالها دولة الأحواز العربيّة والجزر الإماراتيّة وهيمنتها على العراق وتماديها في سوريا وتمرير جرائمها في كلا البلدين".

وبمجرّد الإعلان عن تنصيب "شمخاني" رئيساً لمجلس الأمن القومي الفارسي من قبل "حسن روحاني"، أوعزت طهران لبعض الصحف الناطقة بالعربيّة والموالية لها لتعلن أن "قدوم شمخاني يُعد رسالة صلح إيرانيّة واضحة للسعوديّة وخطوة هامّة لتحسين العلاقات مع الدول العربيّة عموماً ودول الخليج العربي خصوصاً"، خاصّة وأن "شمخاني" يُعد وزير الدفاع الإيراني الوحيد الذي زار السعوديّة إبان رئاسة "خاتمي"، فوقّع على معاهدة التعاون الأمني بين الرياض وطهران.

وفي حين بيّنت إيران أن "شمخاني يحظى بمكانة خاصّة لدى الشعب العربي الأحوازي"، إلا أن "هذا الشعب قد أنهال عليه بالحجر والأحذية حين أرسلته طهران لمخاطبة الأحوازيين وتهدئة اِنتفاضة الإرادة الأحوازيّة عام 2005، فَجَرّ الأخير أذيال الخزي والعار عائداً لأسياده في طهران، وفقاً للمنظمة الوطنيّة لتحرير الأحواز".

ولا شك أن العاجز عن ردم الهوة بينه وبين أبناء جلدته -بعد تغييرها من العربيّة إلى الفارسيّة-، سيعجز حتماً عن توطيد العلاقات مع الدول العربيّة، علماً أن "شمخاني" قد هدّد بتحويل الخليج العربي إلى بحر من الدم في حال تجرأت الدول العربيّة على الحرب ضد إيران لاِستعادة الجزر الإماراتيّة الثلاث.

ومن الصعب نجاح سياسة تغيير الوجوه المتّبعة من قبل الدولة الفارسيّة، في تغيير ما أفسده الأسلاف، وقد لا تحقّق آمال "روحاني" للخروج ببلاده من عزلتها الدوليّة والإقليميّة، فلو كانت الدولة الفارسيّة صادقة في نواياها كما تدّعي، لاستجابت إلى تطلعات الشعوب غير الفارسيّة والكف عن سحق إرادتها ومطالبها بالحريّة والحق في تقرير المصير.. آنذاك قد تستطيع طهران بناء جسور الثقة وتحسين العلاقات مع الجيران. بينما واقع الحال يؤكد أن نسف طهران لكافة الجسور بينها وبين الشعوب العربيّة والآذربايجانيّة والبلوشيّة والكرديّة والتركمانيّة.

وأكّدت المصادر الأحوازيّة أن الاِحتلال الفارسي أصدر أحكام الإعدام ضد أسيرين أحوازيين كما أفادت مصادر آذربايجانيّة قيام الدولة الفارسيّة بإعدام ستة معتقلين في السجن المركزي لمدينة أوروميّة الآذربايجانيّة، بينما أعلنت "منظمة جيش العدل" البلوشيّة عزمها مواصلة المقاومة للتخلّص من مظالم الاِحتلال الأجنبي الفارسي، أما الدولة الفارسيّة فتنظر لجميع القوى الوطنيّة الممثلة لهذه الشعوب على أنها إرهابيّة فتبيح قتلها ومطاردتها والنيل منها، تماماً مثلما أعلنت مؤخراً قتل عدد من أعضاء "حزب الحياة الحرّة" الكوردستاني في الإقليم ضمن جغرافية ما تسمّى بإيران.

ولا ريب أن إثبات حُسن النوايا، يتطلّب قيام الدولة الفارسيّة بسلسلة تدابير وإجراءات ملموسة وكفيلة بإيجاد الحلول العمليّة لإزالة العقبات المُعَكِّرة للعلاقات بينها وبين الشعوب الأخرى. وكثيرة هي العقبات بين الدولة الفارسيّة وجيرانها، إذ أكّد وزراء خارجيّة "مجلس تعاون دول الخليج العربي" في اِجتماعه 128 على التمسّك بحق دولة الإمارات بملكيّتها لجزرها الثلاث المًحتلة من قبل إيران عام 1971، ومن جهتها أدانت الخارجيّة الإيرانيّة بشدّة البيان الصادر عن المجلس، وفي ذات الوقت حثّ الأمير "تركي الفيصل ابن عبد العزيز" سفير السعوديّة بلندن "أبناء عمومته الأحوازيين على تكثيف نشاطهم"، ولا شك أن مثل هذه التصريحات ستثير حفيظة إيران المستنفرة أصلاً ضد العرب.

أمّا العلاقات الإيرانيّة التركيّة فتمرّ في أسوأ حالاتها نتيجة لموقف تركيا الداعم للثورة السوريّة ووقوف طهران في الجبهة المعادية بدعمها لبشار.. وعمليّة تحسين العلاقات فيما بين الجارين تبدو معقدّة جداً مع تنامي النزاعات الطائفيّة الإقليميّة وسعي كلاً من "أنقرة" و"الدوحة" زعامة المعادلة الإخوانيّة وإنجاحها وبالتالي فرضها على أنها المعادلة الأقوى في المنطقة، بينما تنظر طهران إلى المعادلة الإخوانيّة منافساً لمعادلتها الشيعيّة ومشروعها التوسّعي.

وكثيراً ما استاءت إيران لاِحتضان تركيا مؤتمراً للقوى الوطنيّة الآذربايجانيّة الداعية لاِستقلال الإقليم عن الهيمنة الإيرانيّة وإلحاقه بجمهورية آذربايجان الكبرى، كما اتهمت طهران، أنقرة بدعم مؤتمر آخر لنفس القوى في "باكو" وبحضور المسؤولين الأتراك. وفي عدّة مناسبات أعلنت تركيا عن إلقاءها القبض على شبكات تجسّس تعمل لمصلحة الحرس الثوري الإيراني، قامت بجمع معلومات حول المقرّات والمراكز العسكريّة التركّية، إضافة إلى تنفيذ طهران عدّة تفجيرات في مناطق مختلفة بتركيا وفقاً لأنقرة.

العلاقة بين إيران وجارتها جمهوريّة آذربايجان أيضا متوترة حيث ألقت هي الأخرى القبض على جواسيس إيرانيين خطّطوا لتنفيذ أعمال تخريبيّة، كما لم تتوقف عمليّة التراشق الكلامي بين البلدين ممّا ساهم في صب النار على الزيت وبلغت إلى حد اِستدعاء سفرائهما للتشاور.

ولا تتمتع طهران بعلاقات حسنة مع حكومة إقليم كردستان شماليّ العراق حيث شهدت توتراً غير مسبوق بعد لجوء "طارق الهاشمي" نائب "المالكي" لكردستان ومن ثم تركيا، إضافة إلى قصف الحرس الثوري الإيراني عدّة قرى كرديّة شمالي العراق بحجّة ملاحقة عناصر "حزب الحياة الحرّة" الكردستاني، وقيام إيران بدعم جماعات من "حزب العمّال الكردستاني" وتمويلهما مالياً ولوجستياً لتنفيذ أعمال تخريبيّة شمال العراق عند اِقتضاء الأمر.

ولا يخرج الشعب البلوشي عن قاعدة الاِضطهاد القومي والديني على يد الدولة الفارسيّة، وتنظر القوى الوطنيّة البلوشيّة إلى هذه الدولة على أنها محتلاً أجنبيّاً فأجازت لنفسها حق مقارعتها ومقاومتها لنيل الحق في تقرير المصير وفقاً للمادتين الأولى والخامسة والخمسون من ميثاق الأمم المتحدة.

وبسلوكيّاتها المعادية للشعوب، حشرت الدولة الفارسيّة نفسها في عزلة تامّة، وبسلوكياتها وسّعت الهوّة بينها وبين الشعوب الأخرى، وحتى عملية التغيير السياسي التي وقعت في البلاد لا ينتظر منها شيء لأنه مجرد قناع ترتديه الدولة الفارسيّة لتمرير سياساتها التوسعيّة والرقص على دماء الشعوب.

12