إيران والسعودية والورقة السورية

الأربعاء 2014/05/21

تتصرّف إيران مع دول المنطقة ومع الولايات المتحدة من منطلق أنّها ربحت الحرب في سوريا. ربحت الحرب التي يشنّها النظام على شعبه. هل مثل هذا التصرّف سليم أو هل هناك ما يبرّره؟

الأكيد أن من السابق لأوانه الحسم بأن إيران ربحت في سوريا، وأن في استطاعتها مطالبة المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج والمنطقة بالتفاوض معها من هذا المنطلق، من منطلق أنّ بشّار الأسد باق في السلطة، وأنّ أيّ بحث في مستقبل سوريا لا يمكن أن يتمّ من دون مشاركة النظام وبشّار نفسه فيه.

بغضّ النظر عن كلّ ما قيل ويقال عن أنّ إيران وضعت خطة لإنهاء الأزمة السورية. وبغض النظر عن واقع متمثّل في أنّها صارت لاعبا أساسيا، بل اللاعب الأساسي في هذا البلد، خصوصا في ضوء تحوّل بشار الأسد إلى مجرد أداة تديرها طهران ولم يعد هناك أي فارق بينه وبين “حزب الله” في لبنان، يظلّ أن هناك تحفّظات معيّنة لا بدّ من أخذها في الاعتبار. في مقدّمة هذه التحفظّات يوجد جانب طائفي ومذهبي في الحرب الدائرة في سوريا. هناك بلد فيه أكثرية سنّية ترفض، بأي شكل، البقاء في أسر عائلة تنتمي إلى مذهب معيّن، وذلك مهما حاولت هذه العائلة التلطي بشعارات حزب البعث والمتاجرة بما يسمّى “المقاومة” و”الممانعة” حتّى آخر لبناني وفلسطيني.

بكلام أوضح، ونظرا إلى أنّه يجب تسمية الأشياء بأسمائها تفاديا لمزيد من إضاعة الوقت، هناك نسبة نحو خمسة وسبعين بالمئة من السنّة في سوريا. التركيبة السكّانية معقّدة وبسيطة في الوقت ذاته. هناك طوائف ومذاهب وقوميات عدّة في سوريا. لكنّ الأكثرية سنّية في حين لا تتجاوز نسبة العلويين بين السكّان الإثني عشر بالمئة. هؤلاء السنّة يرفضون أصلا وبكلّ بساطة، بأكثريتهم الساحقة، بقاء الحكم العلوي، فكيف عندما يتعلّق الأمر بعائلة معيّنة من هذه الطائفة احتكرت لنفسها السلطة والثروة منذ العام 2000 عندما خلف بشّار الأسد والده؟

كان حافظ الأسد يمتلك كمية لا بأس بها من الدهاء. عرف باكرا أنّ من الصعب على علوي حكم سوريا من دون تحالفات معيّنة مع قسم من السنّة. لذلك لجأ منذ البداية إلى الاستعانة بسنّة الأطراف، بعدما قضى على أي نفوذ لسنّة المدن الذين كان يكرههم كرها شديدا. تولّي حافظ الأسد، بشكل تدريجي، قبل توليه مقاليد السلطة كلّها في العام 1970 من القرن الماضي تصفية كل وجود لكبار الضباط السنّة في المؤسسة العسكرية. استهدف على نحو خاص الضباط المنتمين إلى المدن الكبرى، أي دمشق وحلب وحمص وحماة. استعان في المقابل بضبّاط من سنّة الريف مثل مصطفى طلاس وحكمت الشهابي وناجي جميل وكثيرين غيرهم، في حين كانت السلطة الفعلية في يد الضباط العلويين الموالين له. هؤلاء الضباط العلويون الذين تنكّر بشّار الأسد لمعظمهم هم الذين حموا عرش حافظ الأسد عندما سعى شقيقه رفعت إلى خلافته باكرا في العام 1983 و1984.

مع وصول بشّار الأسد إلى السلطة، وإقامته تحالفا هشّا مع مجموعات معيّنة غير علوية لا وجود لأي تأثير لها على صعيد القرار السياسي أو الأمني، وحتّى الاقتصادي، ملأت إيران الفراغ. فعلت ذلك بطريقة مباشرة أحيانا، وعبر أداتها اللبنانية أي “حزب الله” في أحيان أخرى.

في كلّ الأحوال، أدركت إيران باكرا نقاط الضعف لدى رئيس النظام السوري. احتوت النظام تدريجيا. بات النظام السوري تحت رحمتها كلّيا في لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من فبراير من العام 2005 واضطراره إلى سحب قواته وعناصره الأمنية من الأراضي اللبنانية في السادس والعشرين من أبريل من تلك السنة. لولا “حزب الله” وما يمثله إيرانيا، لما عاد للنظام السوري وجود يذكر في لبنان.

مع اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، صار الوجود الإيراني في سوريا نفسها طاغيا. ما كان لبشّار الأسد أي أمل في الصمود في وجه الشعب السوري لولا الدعم الإيراني. كان هذا الدعم على كلّ المستويات وفي كلّ المجالات. في النهاية، لا مفرّ من الاعتراف بأنّ معظم الانتصارات التي حقّقها بشّار الأسد على السوريين، كانت بفضل إيران وميليشيا “حزب الله” التابعة لها، والميليشيات الشيعية العراقية التي تقاتل في غير مكان من سوريا. إيران هي التي فتحت حدود العراق ليتدفق منه المال والرجال والسلاح خدمة للنظام وإيران. وفوق ذلك كلّه، إيران التي أرسلت “حزب الله” إلى سوريا، هي التي تدفع فاتورة السلاح الذي يحصل عليه النظام من روسيا، التي لا تتردّد في استخدام الفيتو في مجلس الأمن متى دعت الحاجة إلى ذلك حماية للنظام السوري.

استطاعت إيران منع سقوط النظام السوري. هذا أمر لا يمكن تجاهله. ولكن هل يكفي ذلك كي تعتبر طهران أنّ سوريا صارت ملكا لها، وصولا إلى حدّ لعبها الدور المحوري في التوصّل، أخيرا، إلى اتفاق خرج بموجبه الثوّار من أحياء معيّنة من حمص بإشراف الأمم المتحدة؟

من حقّ إيران أن تعتدّ بما حقّقته في سوريا. لكنّ ذلك ليس كافيا للذهاب إلى حدّ الاعتقاد أنّ البلد صار في جيبها.

لم تقل ثورة الشعب السوري بعد كلماتها الأخيرة، وهي ترفض إيران تماما كما ترفض النظام. المؤسف أن الثورة أخذت منحى طائفيا ومذهبيا لا سبيل لتجاهله بأيّ شكل. المؤسف أكثر من ذلك وجود من يعتقد أنّ سوريا مجرّد ورقة في مفاوضات بين طهران من جهة، والرياض أو واشنطن من جهة أخرى، في لعبة لا تزال في بدايتها.

من الصعب تخلّي إيران عن بشّار الأسد الذي تخلّى من أجلها عن كل العلاقات العربية لسوريا. ولكن ما هو أصعب من ذلك أن تكسب إيران رهانها السوري. هذا أمر مستبعد لسبب في غاية البساطة عائد إلى أن شعبا بأكثريته الساحقة لا يريدها. لو كان في الإمكان القضاء على الشعب السوري لما كانت ثورته مستمرّة منذ ما يزيد على ثلاث سنوات، على الرغم من كلّ ما تتعرّض له من ظلم وطعن في الظهر من الداخل والخارج في الوقت ذاته.


إعلامي لبناني

8