إيران والعجز عن ابتلاع العراق

العراق يظلّ بالنسبة إلى إيران الجائزة الكبرى التي حلمت دائما بها وما زالت تحلم بها. بفضله استطاعت توفير حياة جديدة لمشروعها التوسّعي الذي توقّف في العام 1988 عندما اضطر آية الله الخميني إلى "تجرّع كأس السمّ" ووقف الحرب مع العراق.
الأحد 2021/03/28
عراضة مسلّحة للميليشيات الموالية لإيران في بغداد

مرّة أخرى تحاول إيران التأكيد أن العراق لن يفلت منها وأنّ لا عودة إلى ما قبل العام 2003 عندما سلمتها إدارة جورج بوش الابن أحد أهمّ البلدان العربيّة على صحن من فضّة. كان عليها إنزال ميليشيا عراقية تابعة لها إلى شوارع بغداد قبل أيّام من أجل ترهيب كبار المسؤولين العراقيين. لم تنجح في ذلك. يعود الفشل الإيراني إلى وجود وطنيّة عراقية تكوّنت مع الوقت واستعادت حيويتها بفضل المكوّن الشيعي العربي أوّلا.

مرّة أخرى يلعب النظام الإيراني لعبة السعي إلى السيطرة على العراق من منطلق أن مستقبله في هذا البلد وليس في مكان آخر. هذا ما يفسّر تلك الاستماتة الإيرانية من أجل بقاء العراق دولة خاضعة لـ”الجمهورية الإسلاميّة” عبر ميليشياتها المذهبيّة. لم تكن هناك من انطلاقة جديدة للمشروع التوسّعي الإيراني إلّا من العراق الذي دخلته الميليشيات العراقية التابعة لإيران على دبّابة أميركية مع سقوط بغداد في التاسع من نيسان – أبريل 2003.

يظلّ العراق بالنسبة إلى “الجمهورية الإسلاميّة” الجائزة الكبرى التي حلمت دائما بها وما زالت تحلم بها. بفضل العراق استطاعت إيران توفير حياة جديدة لمشروعها التوسّعي الذي توقّف في العام 1988 عندما اضطر آية الله الخميني إلى “تجرّع كأس السمّ” ووقف الحرب مع العراق. تحقّق شبه انتصار عراقي وقتذاك. بينما ساهم في تحقيق شبه الانتصار في حرب مكلفة بالرجال والعتاد والأموال تصدّي العراق لعملية “تصدير الثورة الإيرانية”. أرادت إيران اجتياح العراق من منطلق أنّه كان يشكّل هدفا سهلا. تبيّن من خلال حرب السنوات الثماني أن سقوط العراق ليس بالسهولة التي يتصورّها النظام الإيراني الجديد الذي قام بعد سقوط الشاه.

فوق ذلك كلّه، تأكّد مع مرور الوقت أن النظام في إيران لا يعرف الكثير عن العراق. يستطيع هذا النظام الاستفادة من كلّ الأخطاء التي ارتكبها النظام السابق الذي كان على رأسه صدّام حسين بعقله الريفي وثقافته البعثية المتواضعة، وهي أصلا ثقافة تبسيطية تمنعه من فهم المعادلات الدوليّة والإقليمية. ما لا يستطيعه النظام في إيران هو استيعاب ما على المحكّ في العراق وأنّ الوضع فيه أكثر تعقيدا مما يتصورّه نظام يمتلك الدهاء والحنكة والمعرفة في كيفية الاستثمار في الغرائز المذهبيّة لكنّه لا يمتلك نموذجا قابلا للحياة يستطيع تقديمه إلى محيطه وما هو أبعد من هذا المحيط.

ترفض إيران في 2021 الاعتراف بأنّ العراق هو العراق وإيران هي إيران وأنّ الحدود بين البلدين وجدت لتبقى. ليست العراضة المسلّحة التي قامت بها في شوارع بغداد قبل أيّام عناصر تنتمي إلى ما يسمّى “ربع الله” مجرّد تمرّد منعزل عن سياسة إيرانية تستهدف منع العراق من أن يكون سيّدا لقراره.

ثمّة هدفان لهذه العراضة التي تبرّأ منها حتّى رجل دين يمارس السياسة كان محسوبا على إيران مثل مقتدى الصدر. يتمثّل الهدف الأوّل في إجبار رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي على إطلاق نحو مئة معتقل ينتمون إلى ميليشيات أوقفهم الأمن العراقي على دفعات في قضايا مرتبطة بتنفيذ اعتداءات على أهداف أميركية وغير أميركية.

أمّا الهدف الثاني، فهو يعكس رغبة إيرانية في بقاء العراق معزولا عربيا والحؤول دون استضافته لقمّة ثلاثية ستجمع قريبا بين مصطفى الكاظمي والرئيس عبدالفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني. لم يعد مقبولا إيرانيا أن تكون بغداد عاصمة تعقد فيها لقاءات عربيّة. مفروض في العراق أن يسير في الخط الذي ترسمه له طهران. هذا ما رفضه رئيس الوزراء العراقي الذي بعث برسالة واضحة إلى المعنيين في طهران بأنّه يرفض الرضوخ لما تطلبه ميليشيا مذهبيّة من جهة وأن يكون مجرّد منفّذ لأوامر يصدرها “المرشد” الإيراني علي خامنئي من جهة أخرى.

ليس سرّا أن الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الوزراء ليسا معاديين لإيران، لكن الكردي (رئيس الجمهورية) والشيعي العربي (رئيس الوزراء) يثبتان مجدّدا أنّهما عراقيان أوّلا وأن عليهما السعي إلى تلبية مطالب العراقيين والاستجابة لطموحاتهم في بلد يحتاج النظام فيه إلى إعادة تشكيل كاملة في ضوء التجارب الفاشلة التي مرّ فيها منذ العام 2003.

ما كشفته التجارب التي تلاحقت منذ سقوط النظام السابق أن الأمل غير مفقود باستعادة العراق وضع الدولة السيّدة من جهة وأن الثنائي برهم صالح – مصطفى الكاظمي ما زال يقاوم من جهة أخرى. يقاوم الثنائي من أجل التأسيس لعراق جديد لا يكون مجرّد تابع لإيران، لكنّه ليس بلدا معاديا لها في الوقت ذاته.

الأكيد أن هناك عوامل داخليّة عدّة وتعقيدات كثيرة تعمل ضدّ إعادة تأهيل العراق المستمرّ في انفتاحه على دول الخليج العربي. يدلّ على التوجه نحو الانفتاح الاتصال الأخير بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز ومصطفى الكاظمي والدعوة التي وجّها العاهل السعودي إلى رئيس الوزراء العراقي من أجل زيارة الرياض.

واضح أن العراق مستهدف إيرانيا. واضح أكثر أن “الجمهورية الإسلامية” تسعى إلى عزله عربيّا ومنعه من متابعة الحوار الإستراتيجي مع الإدارة الأميركية. ما ليس واضحا رهان إيران على أن في استطاعتها أن تحكم العراق عبر ميليشياتها وأن “الحشد الشعبي” في العراق يمكن أن يلعب دور “الحرس الثوري” في “الجمهورية الإسلاميّة”.

العراق لقمة تعجز إيران عن ابتلاعها. سيبقى السؤال المطروح في المدى المنظور في ضوء نجاح العراق في إثبات أنّه يتجه إلى أن يكون دولة طبيعية، هل من سبيل لجعل إيران تستوعب أن عليها الاهتمام بشؤونها الداخلية قبل أيّ شيء آخر؟

أثبت العراق أنّه يسعى إلى أن يكون دولة طبيعية. استقبل البابا فرنسيس قبل نحو ثلاثة أسابيع. زار رأس الكنيسة الكاثوليكية مناطق عراقيّة مختلفة. أكّدت زيارته أن المجتمع العراقي، على الرغم من كلّ ما تعرّض له من هزات داخلية وتمزيق لنسيجه منذ الانقلاب العسكري المشؤوم في 14 تموز- يوليو 1958، ما زال يحتفظ ببعض السمات الحضارية.

يفترض في إيران الاستفادة من بقايا مثل هذه السمات الحضارية في المجتمع العراقي بدل العمل على القضاء عليها عبر ميليشياتها والفكر الذي تحمله. مثل هذا التصرّف قد يخدم النظام فيها أكثر بكثير مما يخدمه السعي إلى الهيمنة على العراق. هل تريد أن تكون إيران دولة طبيعية أم لا، أو بالأصحّ هل تستطيع ذلك؟ أم تعتقد أن لا مستقبل لنظامها إذا لم يستمرّ في ممارسة لعبة الهروب إلى خارج حدوده… إلى العراق أوّلا!

5