إيران والقاعدة محور مشترك في بث الفوضى من العراق إلى سوريا

الاثنين 2014/05/19
القاعدة تخدم المصالح الإيرانية في بقاء النظام السوري قائما وفي بث الفوضى في العراق

لندن – تناول مركز المزماة للدراسات والبحوث الاستراتيجية بالدلائل والبراهين علاقة تنظيم القاعدة بالنظام في إيران انطلاقا مما حمله الخطاب الأخير للمتحدث باسم ما يعرف بتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام “داعش”، الموجه إلى زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

عاد الحديث مؤخرا عن العلاقات الخفية التي تربط القاعدة بإيران، بعد الخطاب الأخير للمدعو أبي محمد العدناني المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، والذي شن فيه هجوما عنيفا على زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، في خطوة غير مسبوقة.

وأشار العدناني في خطابه إلى أن “داعش” لم توجه أية ضربة في إيران وذلك بطلب وتوجيهات من القاعدة، وهو ما يؤكد صحة التقارير التي كانت تتحدث عن الروابط التي تجمع إيران بتنظيم القاعدة، واستخدامها كورقة في نزاعها مع الدول الأخرى وخاصة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، لتنفيذ سياساتها، وهو ما كان موضع تحليل في دراسة لمركز المزماة للبحوث والدراسات.


القاعدة وإيران


يرى المراقبون أن الحديث الذي جاء به العدناني يأتي في سياق تكتيكي للعلاقة بين إيران والقاعدة التي تمر بمراحلها النهائية كتنظيم عالمي بقيادة مركزية، لتنتقل إلى مرحلة تتناسب والتركيبة المعقدة للنظام الدولي القائم على التواطؤ والتعاون الإقليمي بينها وبين تركيا، الذي تبلور في الحرب السورية، حيث عملت إيران على تصنيع واختراق الجماعات المسلحة، بعد أن سهلت تركيا عبورها الآمن إلى الأراضي السورية.

ويشير التحليل لمركز المزماة إلى أن المتجدد في حديث أبي محمد العدناني، يضع علاقة إيران بالقاعدة في سياق يتناسب والدور الإيراني في إقليمها، لاسيما الصراع في سوريا، الذي أصبح محورا مركزيا لورقة التفاوض الإيراني، الأمر الذي يجعل من تصريح أبي محمد العدناني، يأتي في إطار احتمالين لا يخرجان عن طبيعة السياسة الإيرانية في صناعة العنف والفوضى، كسبيل وحيد للضغط على جميع القوى، بما في ذلك حلفائها.

الاحتمال الأول: لا يعدو حديث العدناني، مجرد استنساخ جديد لصناعة استخبارية إيرانية جديدة، تصب في إطار إقناع الرأي العام بعدم تبعية الدولة الإسلامية في العراق والشام لإيران، لاسيما بعد ممارسات “داعش” التي نسبت في مجملها إلى إيران، ودورها المركزي في الصراع في سوريا، الذي أصبح واجهة للصراعات الدولية والإقليمية.

الاحتمال الثاني: لا يخرج هذا الاحتمال عن الدور الإيراني في دعم تنظيم القاعدة تارة، واختراقه تارة أخرى، إلى الحد الذي أصبحت فيه فروع القاعدة المصنوعة في إيران، تتفوق في سياساتها ودعمها اللوجستي على تنظيم القاعدة المركزي، مما يعني بداية النهاية لتنظيم القاعدة كتنظيم عالمي، وتحول جماعاته إلى مجموعات بأجندات متعددة، وأيديولوجيات مختلفة، وتمويلات لا قبل لعناصر التنظيم بمعرفتها أو إدراكها، الأمر الذي أصبح معه التنظيم مجرد ظاهرة مستهلكة، لتحل محلها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بما لها من دور يتركز اليوم في قلب الصراع الدولي والإقليمي، سوريا، التي تحولت إلى ساحة لحرب عالمية ثالثة في إطار صراع موازين القوى الدولية.

لا تخفي التقارير العلاقة بين إيران والقاعدة التي بدأت تتكشف في عام 2011 عندما قامت الحكومة الإيرانية بإرسال وفد إلى أفغانستان، للتوسط بضمان السفر الآمن لقيادات القاعدة وعائلاتهم إلى إيران، حيث عملت على نقل العديد من مقاتلي القاعدة بينهم قيادات من الصف الأول من تنظيم القاعدة، قبل أن تنجح في تأسيس فرع خاص بها في طهران عام 2002 لدعم التنظيم في أفغانستان وباكستان.

تحاول إيران إعادة السيناريو العراقي في سوريا بهدف إضعاف عناصر الثورة السورية

وكان حرس الثورة الإيرانية الجهة المسؤولة عن المجلس التأسيسي للقاعدة في إيران، ويشير خبراء إلى أنه عقب الاجتياح الأميركي لأفغانستان عام 2001 لم يفر عناصر القاعدة وعائلاتهم إلى باكستان فقط، بل هرب المئات من أعضاء التنظيم وأسرهم إلى إيران.

وفي علاقة تبادلية في المصالح، حصل عناصر القاعدة من خلالها على حرية التحرك التي تخولهم جمع التبرعات والاتصال بالخلية المركزية في باكستان وتنظيمات أخرى تابعة للقاعدة في دول أخرى، ويلفت الخبراء، إلى أن السلطات الإيرانية كانت قد سمحت لمقاتلي القاعدة بعبور الأراضي الإيرانية، وهو ما أكده الرئيس السابق لإدارة مكافحة الإرهاب في المخابرات البريطانية ريتشارد باريت، الذي قال: “كانت هناك تحركات كثيرة بين العراق وباكستان ولا أستطيع أن أتصور أن الإيرانيين لا يعلمون بها”.


القاعدة في العراق


تشير المعطيات القائمة في المشهد العراقي، وحسب شهادات ساستها والعديد من الخبراء، إلى ضلوع إيران في تكريس حالة من الفوضى وعدم الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، فقد شهدت المرحلة التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق، تصاعدا غير مسبوق للدور الإيراني في الشرق الأوسط، وأدى التمكين الإيراني في العراق، إلى بروز أحزاب وتنظيمات سياسية ودينية متضاربة الغايات والاتجاهات، أفرزت حالة من الفوضى.

وكان التمكين للقوى الشيعية واضحا بالتوازي مع الدعم الإيراني للقاعدة، كوسيلة وحيدة لإضعاف جميع الأطراف في الساحة العراقية، وقد تأكد ذلك في استمرار إيران لاستضافتها قياديي القاعدة في طهران، حتى في المراحل التي أعلن فيها فرع القاعدة المنضوي تحت إمرة أبي مصعب الزرقاوي ( الدولة الإسلامية في العراق)، حربا لا هوادة فيها ضد الشيعة في العراق، وما تبعه من تداعيات طالت السنة والشيعة العراقيين على حد سواء، كغاية طالما اشتغلت عليها إيران في إشاعة الفوضى من خلال ضرب العرب فيما بينهم.

أدى ذلك إلى إرباك السياسة الأميركية، كما حال دون رؤية واضحة لها، تمكنها من تنفيذ أية سياسة تجاه العراق وجيرانه، بما فيها إيران، وفي هذا الخصوص يقول “جوزيف فلتر”، الباحث في شؤون الأمن القومي في معهد هوفر ” إن الوقت لم يعد مناسبا لإتباع سياسات عدوانية مع إيران بسبب الإدراك الأميركي لقوة الدور الإيراني في العراق وتدخلها الواضح في شؤونه الداخلية”.

وعلى هذا الأساس، أصبحت هناك صلات وثيقة بين الاستخبارات الإيرانية وبين قيادة القاعدة في العراق، تمثلت في الدور الذي لعبه قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في تأمين دخول مقاتلي القاعدة عبر الأراضي الإيرانية قادمين من أفغانستان وباكستان إلى المدن العراقية، وهو ما أقرت به مجموعات خاصة تابعة للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، التي اعترفت بأنها قنوات اتصال وتنسيق مع جماعات أخرى من القاعدة، ولذلك أبلغت الاستخبارات الأميركية قيادة الصحوات مرارا بأن القيادة الإيرانية فتحت حدودها لعناصر القاعدة في السنوات السابقة.

حسن الشمري: "داعش هربت سجناء القاعدة من بغداد بهدف تقوية النظام السوري"

منذ بداية الأزمة في سوريا، عملت إيران على اختراق الجماعات المسلحة، في محاولة منها لتكرار تجربتها في العراق ولبنان، وفي هذا الخصوص، اتهمت قيادات في الجيش الحر الحرس الثوري الإيراني بدعم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” التابعة، التي عملت على تعقيد الصراع وإدخاله في حالة من الفوضى في محاولة إيرانية لإضعاف وتدمير الدولة السورية، كوسيلة لتحويلها إلى مجرد ورقة ضغط إيرانية في علاقاتها الدولية والإقليمية.


الصراع في سوريا


تحاول إيران أن تعيد السيناريو العراقي في سوريا، حيث سياسة التواطؤ الإيراني المعهودة، بهدف إضعاف عناصر الثورة السورية وذلك بتقوية جناح المتشددين في جبهة النصرة، الذين لا ترتاح إليهم بقية فصائل المعارضة، وبالتالي تقويض المعارضة ككل، حسب ما خلصت إليه دراسة مركز المزماة.

وعلى هذا الأساس، عملت إيران على اختراق هؤلاء المتشددين ودعمهم، وفي هذا السياق، أظهرت قوائم العقوبات المالية لوزارة الخزانة الأميركية مدى الدعم الإيراني لتنظيم داعش، حيث تبين أن الكثير من المؤسسات والشركات والأشخاص الإيرانيين، كانوا يقومون بنقل الأسلحة والمقاتلين لتنظيم القاعدة في سوريا (فرع داعش)، وبعلم السلطات الإيرانية، بالإضافة إلى الدور اللوجستي والاستشاري الذي تعترف إيران به في إدارة الحرب السورية، حيث تتباهى القيادات الإيرانية، بدورها الذي تعتبره ناجحا في وصول الكارثة السورية إلى ما هي عليه اليوم.

الدور الإيراني المشبوه في دعم التنظيمات المتشددة في سوريا كان قد أكده أيضا تصريح وزير العدل العراقي حسن الشمري في يناير 2014 قائلاً: “إن عناصر كبيرة في داعش سهلت هروب سجناء تنظيم القاعدة من سجني “أبو غريب” و”التاجي” من بغداد في يوليو الماضي، وإن “الغرض من تسهيل عملية الهروب هذه كان تقوية النظام السوري من خلال تقوية تنظيم “داعش”، وتخويف الولايات المتحدة من أن البديل القادم لنظام بشار الأسد هو ذلك التنظيم”.

وتابع الشمري قائلاً: “إن قوات حماية السجنين انسحبت قبيل اقتحام عناصر القاعدة لهما وإطلاق رفاقهم” وأوضح: “إن تسهيل عملية الهروب جاءت قبل اتخاذ الكونغرس الأميركي قرارا بإعطاء التخويل للرئيس الأميركي باراك أوباما بتوجيه ضربة عسكرية إلى سوريا في حينه والتي تم إلغاؤها لاحقا”.

وتخلص دراسة المزماة إلى أن ما كشفه العدناني عن الصلة الخفية ما بين القاعدة وإيران، يؤكد ما قاله وزير العدل العراقي في دعم حكومة بغداد المرتبطة بإيران في إسناد القاعدة وداعش، وهذا يعني في نهاية المطاف أن داعش والقاعدة ليستا أكثر من دوائر مرتبطة بالنظام الإيراني في تنفيذ المشروع الفوضوي الجديد في المنطقة العربية.

7