إيران واللعبة المزدوجة

الاثنين 2013/12/02

ماذا يعني الإصرار على عقد مؤتمر جنيف2 إن لم يكن هناك إمكانية لتطبيق استحقاقاته؟ أم أن القضية لا تعدو كونها مجرد تكتيكات سياسية الهدف منها الإيحاء بوجود تحرك عالمي لحل الأزمة في سوريا؟

ثمة تناقض فاضح تنطوي عليه حركة الدبلوماسية الدولية تجاه سوريا، لم يعد الأمر قابلاً للإخفاء، ولم تعد تنفع كل تكتيكات المناورة التي تتبعها بعض الأطراف ذات العلاقة بالشأن السوري، وعلى رأسها أميركا، التي تمارس سياسة اصطياد الفرص في مياه الشرق الأوسط العكرة، وقد باتت مكشوفة طبيعة اللعبة التي تمارسها واشنطن تجاه بعض الأطراف، حيث تعرض عليهم فرصة ممارسة أدوار معينة مقابل ابتزازا تلك الأطراف وإلهائهم عن الأهداف الحقيقية لواشنطن في المنطقة والعالم.

وإذ يبدو أن روسيا وإيران في طريقهما لابتلاع الطعم، والدخول في اللعبة الجديدة المصممة على مقاسات أميركية، وذلك من أجل استنفاذ جهودهما في ملفات معقدة وشائكة، بالتوازي مع مساعي أميركا لإعادة تموضعها الاستراتيجي في مناطق تنطوي على فرص اقتصادية وإستراتيجية واعدة من شأنها ترميم القوة الاقتصادية الأميركية المتأزمة والمهددة بالمنافسة من بعض القوى الصاعدة، وهو الأمر الذي يثبّت أميركا كقوة اقتصادية أساسية في عالم المستقبل.

في ظل هذه المناخات ثمة مخاطر باتت تحيق بالقضية السورية، وباتت ملامحها واضحة ولم يعد بالإمكان إخفاؤها أو السكوت عنها، حيث تقضي السياسة الأميركية بهذا الخصوص تطبيع العلاقات مع إيران والسيطرة على نفطها بعد أن أنهكتها العقوبات الاقتصادية وحولتها إلى طرف سهل يمكن تشفيته في المفاوضات عبر إغرائها بفتح قنوات يظهر خلالها الأميركيون بأنهم يؤيدون سياساتها الإقليمية، أو أقله لا يعارضونها، وخاصة عبر سعيها إلى تشكيل هلال شيعي من طهران إلى سوريا ولبنان.

ما يعزز هذا التحليل، أن سوريا بالحسابات الأميركية لا تمتلك أية ميزة مهمة، لا اقتصاديا ولا اجتماعيا، فهي بلاد لا نفط فيها ولا ثروات باطنية، وليس لدى شعبها انبهار بالنموذج الحياتي الأميركي، كما أنها كانت على الدوام، ومنذ تشكلها ككيان سياسي ذات أيديولوجية معادية لأميركا، ليس بالمعنى الممانع المائع الذي ابتدعه نظام «الأسدين»، بل من منطلقات قومية وإنسانية كرستها سنوات العداء مع إسرائيل التي لم تنقطع رغم التهدئة الأسدية الطويلة.

هذه الحقيقة تؤكدها التوجهات الأميركية في مفاوضاتها مع إيران، إذ تسعى واشنطن إلى نزع قدرة إيران على إنتاج السلاح النووي، رغم أن قدرة إيران على بلوغ العتبة النووية أمر مشكوك فيه، وهي تبذل في هذا السبيل كل جهودها، لكنها تمارس سياسة النعامة في مسألة الحرب الواضحة التي تشنها إيران على الأرض السورية، فلم تكتف إيران بالاعتماد على أذرعها كحزب الله وكتائب أبي الفضل العباس، بل ثبت وباعتراف مسؤولين في النظام الإيراني، حجم الانخراط والتورط الإيراني في الداخل السوري ومن خلال قوات النخبة التي يمثلها الحرس الثوري الإيراني.

المشكلة في الاندفاع الإيراني تجاه سوريا أنه نتاج مزيج من العناصر والعوامل المذهبية والتاريخية، حتى أنه يشبه الأسباب التي وقفت وراء احتلال اليهود لفلسطين، ناهيك عن إتباعه ذات النهج في تثبيت الاحتلال، سواء عبر تهجير السكان الأصليين أو عمليات التجنيس التي يمارسها النظام لآلاف من المواطنين الشيعة غير السوريين.

لم تعد قضية إيران في سوريا قضية دفاع عن نظام حليف، القضية تتجاوز هذا الأمر، كما أن المسألة إذا أخذت بهذا المعنى فهي لا تستحق كل تلك الخسائر التي تتكبدها إيران وحلفاؤها في المنطقة، فما دامت عملية جنيف سوف تنتج حكومة انتقالية ترتب لتغيير سياسي يطيح بالنظام الحالي، فلماذا تغامر طهران بكل هذه الإمكانيات وتغامر بخسارة الشعب السوري، وتدفع وكيلها في لبنان حسن نصر الله إلى استفزاز السوريين واستعدائهم، ذلك لاشك غباء سياسي من شأن تصديقه النوم في عسل الأوهام القاتلة.

إيران تراهن بكل قوتها على تثبيت سيطرتها على سوريا، وهي مستعدة لإبداء مرونة في ملفها النووي مقابل ترك يدها ممدودة في سوريا، والواضح أنها رصدت في سبيل تحقيق ذلك إمكانيات كبيرة، وتعتبر هذا الأمر درة إستراتيجياتها، ذلك لأنه سيضمن لها تطويق الخليج العربي وإسقاطه في مرحلة لاحقة، ووضع تركيا بين فكي كماشة ودفعها للانكفاء وإعادة التوجه غرباً.


كاتب سوري

9