إيران وحماس.. علاقات منفعة تعلو على الاختلاف الطائفي

دأبت إيران على اعتماد الجمعة الأخيرة من رمضان يوما عالميا للقدس، ولئن لم يعد مفيدا التذكير بأن الحدث كان منذ إعلانه متاجرة إيرانية بالقضية الفلسطينية، بدليل أن إطلاق الخميني للشعار تزامن مع توقيع وزير الدفاع الإيراني لصفقة سلاح من إسرائيل، فإن المناسبة تحولت إلى فرصة للتعرف على أدوات إيران في المنطقة وتحيينها. حركة حماس وعلى اختلافها المذهبي مع إيران إلا أنها ترتبط معها بشبكة قديمة من العلاقات، عادت مجددا إلى حيويتها بتضافر عاملين: تصعيد قيادة عسكرية في الانتخابات الأخيرة لحماس، وبحث إيران عن تجديد تحالفاتها بعد ترهل رهاناتها القديمة.
الجمعة 2017/06/23
صلات قديمة راسخة

بعد أقل من ثلاث سنوات على تأسيس حركة حماس، كان اتصالها الأول المعلن مع إيران عام 1990، في مؤتمر أقامته طهران لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وقد مثل حماس فيه القيادي المؤسس فيها خليل القوقا، ثم تطورت العلاقات مع المؤتمر الثاني الذي كان في عام 1991، وقد تُوِّجت هذه العلاقة بفتح مكتب تمثيلي دائم لحماس في إيران.

متانة علاقات إيران بحماس كشفها مصدر فلسطيني في تونس عام 1993، وكانت عبارة عن وثيقة بين حماس وإيران، تعترف فيها الأخيرة بوحدانية وشرعية تمثيل حماس للشعب الفلسطيني. بعد ذلك بثلاث سنوات، صرح عماد العلمي (ممثل حماس في طهران آنذاك) بأن حماس تعتبر إيران حليفاً استراتيجياً، مع تذييل الحديث، كالعادة، بأن هذه العلاقة لا تخل بتوازن العلاقات بين حماس والأطراف العربية على حدّ وصفه.

وصل تقارب حماس مع إيران إلى حد التغني بها، وليس أدل على ذلك مما قاله رئيس مكتبها السياسي السابق خالد مشعل، خلال لقائه نجل الإمام الخميني بالقاهرة عام 2007، ونشرته عدة وكالات أنباء وصحف إيرانية ونصه “إن حماس هي الابن الروحي للإمام الخميني”، وربما ليس من قبيل المصادفة أن يسبق كلام مشعل بأشهر عدة، تأسيس مجلس أعلى للشيعة في فلسطين، والذي يقول مؤسسه محمد غوانمة في حوار مع موقع “دنيا الوطن” الفلسطيني إنه “أسس المجلس الشيعي في فلسطين بعد أن تبنت إيران حماس، وتعمل إيران على مساعدة الشعب الفلسطيني، ويتعرض حزب الله في لبنان لمؤامرة فوجدنا أن الوقت مناسب”.

لكن، وبعد تصاعد الخطاب الطائفي في المنطقة العربية، وتفاقم الأزمة في سوريا ومحاولات حماس التقارب مع دول الخليج بعد خروجها من سوريا، فقد حظرت حماس حركة “الصابرين” الشيعية في غزة منذ منتصف عام 2015، ولم تعلن حماس رسميا عن اتخاذ خطوة كهذه، لكن يبدو أنها أوعزت بهذه المهمة لإعلامها، فقد نشر الموقع الإخواني “عربي 21” ما نصه “قال إعلاميون في قطاع غزة إن الحكومة الفلسطينية في القطاع، قرّرت حل وحظر حركة الصابرين الشيعية، ووقف ومنع جميع أنشطة الحركة التابعة لإيران”.

حماس تجني من إيران أموالا وتدريبا وأسلحة، وإيران توظف حماس في سبيل تحصين موقعها في المعادلة السياسية

وكان بالإمكان إجراء اتصال هاتفي مع أي من قيادات حركة حماس، للتحقق من هذا القول في حال كانت لدى الموقع نية لذلك أصلا، لكنْ واضح أن نشر الخبر بهذه الطريقة فيه مواربة لتجنب الصدام المباشر مع إيران من جانب، ولكسب الرأي العام المؤيد لحماس من جانب آخر، خصوصا ما جاء في هذه التكملة “ويأتي قرار حل حركة الصابرين بعد مطالبات العديد من أهالي القطاع، الذين اعتبروا أن الحركة هي بوابة التشيع في قطاع غزة”.

فمن هم الأهالي في قطاع غزة المقصودون بالنص أعلاه؟ وكم عددهم؟ ومن يمثلون؟… إلخ. كما أن موقع “عربي 21” معني أيضا بأن يستغل علاقة حركة الجهاد الإسلامي بإيران، في محاولة لاستقطاب أكبر عدد من جمهور المتدينين، وليس من قبيل الصدفة أن يذكر الموقع “وأسس هشام سالم حركة الصابرين قبل قرابة العامين، بعد انشقاقه عن حركة الجهاد الإسلامي، واعتقلته حركة حماس لفترة محدودة دون إبداء سبب ذلك”.

ما من شك في أن نتائج انتخابات المكتب السياسي لحماس منتصف فبراير 2016، مثلت مفاجأة في أوساط الباحثين والمختصين، ومن يتصفح محركات البحث سيكتشف دون عناء كبير حجم التحليلات التي أطلقها المختصون، في محاولة لتوقع مستقبل علاقة حركة حماس بإيران، خصوصا بعد تغير ما يقرب من 60 بالمئة من الوجوه القيادية للمكتب السياسي لحماس، لكن مجمل هذه التحليلات تتقاطع في مسألة أن انتخاب يحيى السنوار قائدا لحماس في قطاع غزة، يمثل نقطة تحول وانعطافة في علاقات حماس بإيران، المتوترة أساسا خلال السنوات الخمس الماضية، وأن هذا التحول أصبح قاب قوسين أو أدنى، خصوصا بعد فشل محاولات حركة حماس التقرب من دول الخليج العربي.

وطالما كانت التحليلات المتداولة في خلافات حماس بالداخل والخارج، أو الجناحين السياسي والعسكري، تتركز في جانب منها على العلاقة مع إيران، وبحسب الكاتب اللبناني محمد قواص، فإن قيادة خالد مشغل كانت ميالة للتحالف مع تركيا وقطر على حساب العلاقة مع إيران، فيما حافظت قيادة كتائب عزالدين القسام على علاقات متينة مع إيران. ويذهب قواص بعيدا في تحليل مستقبل علاقة إيران بحماس، رابطاً انتخاب السنوار بتوتر العلاقات الأميركية- الإيرانية، التي قد تنحو منحى صداميا، الأمر الذي قد يهدد النفوذ الإيراني في المنطقة، وبناء عليه، قد تحتاج طهران إلى تدعيم أوراقها الإقليمية، ولا سيما داخل مناطق التماس مع إسرائيل: لبنان وغزة.

أفرزت انتخابات حماس، بالإضافة إلى يحيى السنوار رئيساً للمكتب السياسي في حركة حماس بقطاع غزة، الأسير المحرر روحي مشتهى، وخليل الحية ومحمود الزهار وصلاح البردويل ومروان عيسى وفتحي حماد وياسر حرب وجواد أبوشمالة وأحمد الكرد، وعطا الله أبوالسبح وأبوعبيدة الجماصي وإسماعيل برهوم.

تصاعد الرأي العام الفلسطيني والعربي ضد تدخلات إيران في سوريا، دفع بحماس إلى مراقبة الأنشطة الشيعية في قطاع غزة، والتضييق عليها

انتخاب السنوار كان مفاجأة للمتابعين للشأن الحمساوي، خصوصا أن الأخير خرج من سجون الاحتلال عام 2011 في صفقة تبادل الأسرى، كما أنه لأول مرة تنتخب حماس قائدا لها بخلفية عسكرية، فإسماعيل هنية وعبدالعزيز الرنتيسي والمؤسس أحمد ياسين، جميعهم من التيار المدني الدعوي لحركة حماس.

تكشف تصريحات لحماس، حتى قبل انتخاب السنوار، نية الحركة إعادة تمتين العلاقات مع إيران، خصوصا بعد فشل محاولاتها التقرب من دول الخليج، ومن ذلك ما صرح به القيادي الحمساوي خليل الحية في أكتوبر 2016، أن حركته تسعى لطي الخلافات مع إيران بمعزل عن المسألة الطائفية، وهو ما اعتبر مؤشرا على أن علاقات الجناح العسكري لحماس لم تتأثر بالتوترات السياسية والإعلامية، وهو مؤشر إضافي على أن هذه العلاقات غالبا ما ستتطور أكثر تحت قيادة يحيى السنوار.

ممثل حماس لدى إيران خالد القدومي، يكشف هو الآخر في مقابلة مع موقع “المونيتور” في فبراير 2017 عن وجود تطورات إيجابية جديدة في علاقة حماس مع إيران، خصوصا بعد انتخابات حماس الأخيرة، كاشفا عن وجود اتصالات لحماس بالعديد من الجهات الرسمية في إيران، كالحرس الثوري ووزارة الخارجية ومكتب المرشد.

علاقة حماس بإيران هي علاقة منفعة متبادلة، فحماس تجني منها أموالا وتدريبا وأسلحة، وإيران توظف دعمها لحماس في سبيل تحصين موقعها في المعادلة السياسية بالمنطقة، ومحاولة كسب الرأي العام الجماهيري، وحتى في فترات سابقة استطاعت إيران أن توظف دعمها اللامحدود لحماس والجهاد الإسلامي وحزب الله خدمة لنشر التشيع في المنطقة، وقد وصلت ذروة ذلك كله بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، والتي ارتفعت فيها أسهم حزب الله، وشهدت حركة حماس نفسها حالات تشيع في قواعدها.

وتدرك حماس حقيقة هذه المنفعة التبادلية، بدليل أنها سمحت في فترة ما قبل الأزمة السورية بتشكيل جماعات وجمعيات شيعية في قطاع غزة، إلا أن تصاعد الرأي العام الفلسطيني والعربي ضد تدخلات إيران في سوريا، دفع بحماس إلى مراقبة الأنشطة الشيعية في قطاع غزة، والتضييق عليها وملاحقة عناصرها.

خلاصة بحث محمد أبوالرب “إيران وحماس.. ما بعد انتخابات المكتب السياسي”، ضمن الكتاب 124 (مايو 2017) “إيران والإخوان الشيعة القطبيون” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث بدبي.

13