إيران وخارطة الطريق إلى مكة

الأربعاء 2017/11/22

تتجه كثير من دول العالم وتسعى ببرامج عملية وإنمائية وبجهود جبارة في البحوث العلمية والتقصي عن الطاقات والتخصصات لدى الأفراد والمجموعات الحالمة إلى تغيير علاقة المدن بمحيطها الجغرافي، وبما يقترب من اكتشاف قراءة مختلفة تماماً عن دور المستقبل في حاضرنا كرؤى مصالحة مع بيئة تجاورنا وطالما كانت مبعث قلق لأنها بيئة طاردة للعيش أو للتأقلم معها.

رمال الصحراء يتم تدويرها ومعالجتها لتكون صالحة للزراعة وبأعلى مقاييس الجودة بما تطرحه من أجواء مصالحة مع الرياح وتثبيت التربة وبتفاصيل وتفرعات في الاقتصاد والرخاء، والمدن الساحلية المعرّضة للأعاصير وتغيّرات المناخ تنشط لمواجهة غدها وما يمكن أن تتعرض له من مخاطر تصل إلى حد زوالها في المدى غير البعيد، وكذلك محاولات العلماء تدشين عصر جديد من زيادة الغلال في مساحة الأرض المحدودة كإضافة طوابق لسنابل القمح وبطرق مبتكرة دون تبذير في المياه، أي إننا أمام مصالحة واقعية وإنسانية حتى مع الحياة في الرماد ليكون طائر العنقاء ليس مجرد أسطورة بل هو وعد والتزام قطعته البشرية على نفسها في نهضة الأجيال بصلة حركتها وتتابعها.

على الضفة الأخرى من عالمنا تناقضات صارخة في السياسة الدولية ابتلعت الإنسانية والقوانين والتشريعات السماوية والوضعية، وانساقت خلف نصها الخاص وقراءتها الخاصة في بسط النفوذ أو نوع العلاقة مع الدول أو الكتل الجغرافية والاقتصادية.

روسيا والفيتو المتكرر في مجلس الأمن حوّلت كل تحليلاتها ومبادراتها ومفاوضاتها وضماناتها إلى دعم متهوّر لنظام حاكم في سوريا ارتكب المجازر والإبادات والتهجير.

روسيا تدافع عن دورها في إبادة الشعب السوري وتحمي التمدد الميليشياوي الإيراني في سوريا والمنطقة، وتعتبر ذلك من صلب استراتيجيتها في المناورة مع حلف الناتو رغم أنها ترتبط باتفاق مع الحلف ولديها من يمثّلها من قادتها في التشاور وإبداء الرأي حول المواقف والتحركات العسكرية أو الاستشارية.

ما رأيناه في مجلس الأمن مدعاة للحرج على معيار السلوك الفردي لمن يمثل وظيفته كسفير لبلاده، لكنها التوجهات في تنفيذ الأوامر ضمن سياسة ومناهج وخطط لمحاور لا تلتفت لموت الأبرياء أو مصير شعب كالشعب السوري.

الانغلاق الروسي تعميم لبيان سياسي فحواه عدم تمرير أي قرار أممي حتى لو كان في حيّز الإجراءات الشكلية وعمل اللجان الدولية المختصة للتثبت من انتهاكات أصبحت بديهيات قمع وإذلال وعقوبات جماعية، ترقى بكل يقين إلى جرائم حرب يحاسب عليها القانون الدولي.

عمليّا وضعت روسيا المتاريس لتقاتل في مجلس الأمن الدولي وتحارب للقضاء على أي مشروع قرار يتعلق بإدانة النظام السوري أو الإرهاب الإيراني.

لذا كان تصريح الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبوالغيط بعد البيان الختامي لاجتماع وزراء الخارجية العرب الطارئ يعبر عن أمنيات ورغبات وانتظار باحتمال أن تغير إيران من نهجها نحو سياسة حسن الجوار والاحترام المتبادل، والتي استدركها فورا بوصفها سياسة قوّضت علاقة إيران مع العرب بدعمها للميليشيات والتدخل السافر بشؤون الدول العربية.

أبوالغيط أضاف أن البيان قد يتحوّل إلى قرارات دولية، بمعنى إن الأمم المتحدة ينبغي أن يكون لها دور في ردع الأطماع الإيرانية وتحديداً في مجلس الأمن.

واضح أن اجتماع وزراء الخارجية العرب كان ضمن سقف التوقعات ولا يتجاوز الحد الأدنى من لغة الإجماع على إدانة وشجب الممارسات العدوانية وآخرها تهديد الصاروخ الباليستي الإيراني الصنع لمدينة الرياض.

التحفظات اللبنانية والعراقية مبررة وتأتي في سياق لا يمكن إنكاره باعتبارهما دولتين مختطفتين ومحتلتين من قبل إيران وحرسها الثوري وميليشياتها، كليّا أو تقريبا.

فالنظام السياسي في العراق أو لبنان واقعيّا لا يفترض أن يتم التعامل معهما كجزء من المنظومة العربية حاليا، رغم عروبة شعبيهما كحقيقة مطلقة تقاوم وتناضل في استرداد وانتزاع إرادة تاريخها ومصيرها من قبضة الهيمنة الإيرانية.

جامعة الدول العربية هي في جوهرها جامعة للقلوب العربية، ومن هواه غير عربي كيف له أن يكون عربياً أو يمثل دولة بعمق العراق أو لبنان، ولسنا مضطرين لسرد انتماءات وأهواء وزيريْ خارجية العراق منذ الاحتلال الأميركي في أبريل 2003، أو الدور الإيراني الميليشياوي ضد عروبة لبنان الذي يتبنّاه وزير خارجية لبنان الحالي.

مؤتمر جامعة الدول العربية أصبح خلفنا أما أمامنا فهو المشروع الإيراني بأبعاده وهيمنته. العرب لن يقفوا مكتوفي الأيدي وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، على حد قول وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وتلك إجابة بخط مستقيم تمثّل أقصر مسافة لرد عربي شجاع ومسؤول يتناسب وحجم مهازل وحماقات نظام الملالي في طهران وسياساته المتخلفة.

لأن كيل العرب طفح وفاض صبرهم على جرائم الاحتلال الإيراني وتمدده في أرضهم، لذلك عليهم قراءة المشروع الإيراني كخريطة طريق لتنظيم إرهابي اعتقل تاريخ ومآثر الشعوب الإيرانية في سلطة فكرية متطرفة لا أحد يدانيها إلا تنظيم الدولة الإسلامية في الترويج لثقافة الموت لأسباب عقائدية صرفة تنسجم مع ما تنفذه عبر حرسها الثوري الخاص بحماية صادرات ثورة الخميني، وهي من مضمون التسمية تتوجه إلى احتلال الأضرحة والقبور حتى خارج حدودها الجغرافية الوطنية، لأنها تراها خاضعة لمشروعها المذهبي والقومي لولاية الفقيه كمنصات طائفية أنتجت سلسلة من الاحتلالات والإرهاب.

الحرب مع العراق لم تتأخر إلا سنة واحدة بعد مجيء الخميني إلى السلطة في سنة 1979؛ لأن الرغبة أكبر من الحكمة والقوانين الدولية ومبادئ حسن الجوار؛ لذلك كان معظم المقاتلين الإيرانيين يذهبون ضحايا لمفاتيح جنة الخميني الذين يفتتح بأجسادهم حقول الألغام وهم من الشباب والفتيان المعصوبة رؤوسهم بشعار “مسافر كربلاء” وهو النسخة الأصلية للمشروع المذهبي الطائفي العنصري الإيراني الذي يُجيز لإيران السيطرة على الأضرحة في كربلاء والنجف وبغداد، أما مثال سامراء فهو خلاصة بما جرى فيها وبنتائجها لما يدور من أهداف في عقلية النظام الإيراني. دمشق كانت قفزة نوعية لمشروعهم استغلت ضريح السيدة زينب للعبث بالأرض السورية، وحجة لتحشيد الميليشيات والمرتزقة؛ في لبنان كذلك كانت الأضرحة واجهة لمشروعهم السياسي.

المقابر تتحدث عن نفسها في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان، فهي تتوسع لاحتواء الأبرياء البسطاء، ومقبرة السلام في النجف وبشهادة بعض العقلاء الذين طفح بهم كيل الموت في سبيل المشروع الإيراني، وهم من أبناء مرجعية ولاية الفقيه، أصبحت بلا حدود ومفتوحة باتجاه الصحراء.

العرب ما عادوا بحاجة إلى التذكير أن فيلق القدس هو فيلق الطريق إلى احتلال مكة. هذا هدفهم المعلن وسبق أن قصفوا مكة بصاروخ باليستي عن طريق ميليشيات الحوثي وبسلاح إيراني، وهي صواريخ تجاوزت 80 صاروخا من بينها الصاروخ الأخير على الرياض.

قادة الميليشيات في العراق يتندرون في ما بينهم ويتعمّدون التوثيق والنشر على أن الواجب الأقدس لحشدهم الشعبي هو هدفهم الأكبر في رحلة مشروعهم نحو احتلال السعودية.

المشروع الإيراني هو مشروع المقابر وتمددها ويتعكز على الأضرحة وحمايتها، ويخلع تسميات القداسة على فصائله الميليشياوية المسلحة، ويستعين بالخرافات والتجهيل لضمان تدفّق المقاتلين ترغيبا وترهيبا وبأساليب مختلفة لتطويعهم في مشروع بدأ بمفاتيح الجنة لاحتلال العراق.

لا جدوى من مناجزة الحق بانتظار أن تغيّر إيران من سياساتها التوسعية في المنطقة. غادرت المنطقة مرحلة الكلام مع إيران منذ عقود كما غادر مجلس الأمن بعد 11 فيتو روسيّا قدرته على اتخاذ القرارات الملزمة لحفظ السلام في العالم أو ردع الطغاة عن جرائمهم بحق الشعوب والإنسانية لمجرد حماية نظام الحاكم السوري.

كل دولة عربية عليها أن تحذر من خطاب التصالح مع النظام الإيراني بحجة الوئام وأمن المحيط الإقليمي. مقولة لا حرب مع إيران لا علاقة لها بالحرب ضد المحتل الإيراني وميليشياته على الأرض العربية.

كاتب عراقي

8