إيران وصلها التنبيه، وماذا بعد؟

قالت مجلة شؤون خارجية (فورين بوليسي) الأميركية إن البيت الأبيض يبحث فرض المزيد من الضغط على إيران بتشديد العقوبات ضدها، وتبني تفسيرات أكثر صرامة للاتفاق النووي بينها والقوى الكبرى. والرغبة في تشديد العقوبات على إيران لا تقتصر على البيت الأبيض فقط، بل تشمل مجلسي الكونغرس والحزبين الجمهوري والديمقراطي وباحثين ومستشارين في مؤسسات بحثية واستراتيجية أميركية انتقدوا بدورهم في تقارير وتحليلات عديدة تأخر الإدارة الأميركية في تفعيل القرارات المعنية بمعاقبة إيران إلى حد الآن.
الخميس 2017/05/11
كسينجر يقدم خبرة السنوات الطويلة للتلميذ ترامب

واشنطن – تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، منذ حملته الانتخابية، بمعالجة سياسات إيران المقوضة للاستقرار في الشرق الأوسط. لكن، بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على تولي ترامب الرئاسة لم تتجسد إلى الآن أي خطوة فعلية تؤكد الانتقال من مرحلة التنبيه إلى مرحلة الفعل.

ويتساءل توم كيازا، الباحث في مركز التقدم الأميركي، “إيران ‘نبهناها’ وماذا بعد؟ ما هي خطة إدارة ترامب لكبح إيران؟”.

يجيب كيازا على هذه الأسئلة التي يطرحها أيضا خبراء ومتابعون كثر، في تحليل نشر على موقع مؤسسة التقدم الأميركي البحثية، مشيرا إلى ضرورة اتخاذ بعض الإجراءات على الفور.

يرى الخبراء الأميركيون أن إدارة ترامب تعوزها، إلى حد الآن، استراتيجية شاملة للتعامل بشكل ناجع مع إيران في الوقت الذي يسجل فيه تقدم في المعركة ضد الدولة الإسلامية؛ فيما يؤكد توم كيازا أن المرحلة الراهنة وما تحملها من مخاطر يمكن أن تساهم في تشظي نظام الدولة في الشرق الأوسط وتفتح المجال إلى المزيد من بروز الفاعلين خارج الدولة. والحل المناسب يكمن في استراتيجية “اعمل مع الشركاء”.

الحوار الخليجي الأميركي

أطلق الرئيس جورج و. بوش الحوار الأمني الخليجي الذي يتمثل هدفه في الدفع نحو المزيد من التعاون بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي. ويرى توم كيازا أنه بالمثل يجب أن يكون التعاون الإقليمي المستمر هدفا أوليا عند إدارة ترامب فيما يتعلق بسياستها تجاه إيران.

وقد تكون لهذه الإدارة سلسلة من الظروف المواتية يمكن أن تساعدها في تحقيق اندماج أعمق في الخليج، بما في ذلك التفاؤل الحذر في البلدان الخليجية والتجربة الحديثة مع العمليات العسكرية متعددة الأطراف. ويجب أن يتمثل الهدف الرئيسي في تكوين تحالف عسكري متماسك بين الدول الخليجية.

كليفورد دي ماي: صفقات بوينغ وآيرباص الإيرانية يجب ألا تذهب بعيدا

وبصفة خاصة، يجب أن تعمل الإدارة مع شركائها لإرساء دفاع صاروخي مندمج ودفاع سيبراني ناجع وعمليات بحرية مشتركة. كذلك يمكن أن يساعد تعميق التحالف العسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي والإدارة الأميركية على تحقيق أهدافها في أماكن أخرى.

مثلا تضمّن الحوار حول الأمن الخليجي الأصلي الذي أطلقه الرئيس بوش تعهّد بلدان الخليج بمعاضدة الأمن وإعادة الإعمار في العراق، وعندما يهزم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق ستزيد الحاجة إلى هذا الدعم.

ومن المرجح أن يكون الشركاء الخليجيون أكثر استعدادا لمساعدة الولايات المتحدة في تأمين استقرار العراق ما بعد داعش وإعادة الإعمار والمصالحة إذا تعاونت الإدارة أولا مع هذه البلدان على صياغة رؤية تجاه إيران متفق عليها من الطرفين.

وبالفعل عن طريق زيادة في المساهمة، ومن ثم تأثير الفاعلين الإقليميين الآخرين باستثناء إيران، فإنه باستطاعة الولايات المتحدة المساهمة في مجهود لضمان بروز العراق قوة مستقلة وبناءة في ميزان القوى في المنطقة.

وكان وزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر قال إن رئاسة ترامب يمكن أن تمثل "فرصة غير عادية" للسياسة الخارجية الأميركية.

يتمثل المكوّن الثاني في خطة كبح إيران كما يقترحها توم كيازا في الهجوم الذكي. ويفسر قائلا إنه في الوقت الذي تعد فيه الإدارة الأميركية سياسة ردة فعلها تجاه إيران من الأهمية بمكان أن تدير عملا موازنا دقيقا، إذ يجب أن تكون هذه المقاربة عدوانية بالقدر الكافي لردع إيران، لكن يجب أن تكون كذلك حذرة بالقدر الكافي حتى لا تهدد بالتصعيد وتضر ببقاء الاتفاق النووي.

المنطقة غير مستقرة وإيران في بداية تحول متوتر وحساس في القيادة، ومن ثم فإن القيام بتحركات غير مدروسة جيدا يمكن بكل سهولة أن تخرج عن السيطرة مع تغير الديناميكيات السياسية في طهران. وفي هذا السياق يرى كيازا أن قرار الإدارة الأميركية فرض عقوبات موجهة في بداية العام على إثر اختبارات الصواريخ الإيرانية هي مثال إيجابي، فكلما كانت هذه الإجراءات أكثر توجيها وتركيزا كان من الأرجح أن تحقق أهدافها.

وقالت مجلة شؤون خارجية (فورين بوليسي) الأميركية إن البيت الأبيض يبحث فرض المزيد من الضغط على إيران بتشديد العقوبات عليها، وتبني تفسيرات أكثر صرامة للاتفاق النووي بينها والقوى الكبرى. ونقلت المجلة عن مسؤول كبير بإدارة ترامب أن البيت الأبيض يميل إلى إعمال الأدوات التي بحوزته بالمزيد من الصرامة، ومن بين ما هو متاح من خيارات توسيع العقوبات لتشمل كيانات اقتصادية إيرانية أكبر مرتبطة بقوات الحرس الثوري الإيراني.

ويؤكد توم كيازا على أهمية ألّا تكون الإدارة مقيدة بشكل مفرط بالاتفاق النووي، عند تقييم التحرك ضد دعم إيران للتنظيمات الإرهابية أو سياساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة. يجب عزل الاتفاق النووي، والذي يؤيد حلفاء واشنطن أن لا مجال الآن لتمزيقه، عن المخاوف الأخرى، ويجب أن يكون التزام الإدارة بالاتفاق واضحا وقويا، ويجب أن يكون تطبيقه صارما، ويجب أن يكون احترامه مضمونا.

ولا يعني الاتفاق أن واشنطن يجب أن تكون مترددة أمام دعم إيران لتنظيمات مثل حزب الله وحماس والحوثيين والميليشيات العراقية وبعض الجماعات في البحرين. يجب ألا يعيق الخوف من الإضرار بالاتفاق النووي الخطة الأميركية لمواجهة إيران. وربما يكون التصرف الأخير من قبل الإدارة ضد ممول كبير لحزب الله مؤشرا على الإقرار بأنه من الممكن مجابهة أفعال إيران الضارة، وفي ذات الوقت المحافظة على الاتفاق النووي.

البيت الأبيض يبحث فرض المزيد من الضغط على إيران بتشديد العقوبات عليها، وتبني تفسيرات أكثر صرامة للاتفاق النووي

ويشاطره الرأي كليفورد دي ماي من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات حيث كتب بدوره مؤكدا أنه عندما يتعلق الأمر بإيران لا يجب أن يكون الرئيس ترامب ومستشاروه تحت أي أوهام. وقد قال وزير الدفاع جيمس ماتيس “حيثما تنظر إذا كانت هناك مشكلة في المنطقة ستجد إيران”. وأكد وزير الخارجية راكس تيلرسون في اليوم نفسه بالقول “إيران هي الراعية الأولى للإرهاب في العالم”.

وأضاف أن نظام طهران “مسؤول عن احتداد عدة صراعات وتقويض المصالح الأميركية في بلدان مثل سوريا واليمن والعراق ولبنان، وتستمر في دعم الهجمات ضد إسرائيل. إذا تركت إيران دون رقابة ستكون قادرة على سلوك نفس الدرب الذي سلكته كوريا الشمالية وتأخذ العالم معها”.

صفقات بوينغ وآيرباص

بينما تحدث توم كيازا عن العقوبات في المطلق ووجه نصائحه نحو الحوار مع الحلفاء، ففي مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات ركز كليفرود دي ماي، على مثال واضح في ما يتعلق بالخطوات العاجلة التي يجب على الإدارة الأميركية أن تتخذها في خطبتها الرادعة لإيران؛ مشيرا إلى “صفقات بوينغ وآيرباص الإيرانية يجب ألا تذهب بعيدا”.

قال كليفورد دي ماي إن زميله في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إيمانويل أوتولنغي، دأب منذ مدة على تقفي رحلات الخطوط الجوية الإيرانية بين طهران ودمشق. وأحصى 768 رحلة منها منذ 16 يناير 2016، وهو اليوم الذي تم فيه تفعيل الاتفاق النووي مع إيران. ومن بين هذه الرحلات كانت 129 رحلة على شركة إيران للطيران.

يعتقد أوتولنغي أن عددا قليلا من هذه الرحلات، إن وجدت أصلا، يقل سياحا مغرمين بمشاهدة الطبيعة والتسوق والذهاب إلى المطاعم الفاخرة.

ويرى بدل ذلك أنها تقوم بتزويد المعدات العسكرية والمقاتلين لدعم قوات بشار الأسد وقوات حزب الله، الميليشيا اللبنانية بالوكالة لفائدة إيران وتم استخدامها للمساعدة في الدفاع عن نظام الأسد.

وكانت الخزانة الأميركية أدرجت في القائمة السوداء في سنة 2011 شركة إيران للطيران من أجل تقديم الدعم المادي والخدمات للحرس الثوري الإيراني. ولاحظت الخزانة بصفة خاصة أن الخطوط الجوية الإيرانية كانت تنقل “مكونات صواريخ أو مقذوفات إلى سوريا”. ثم فجأة قبل أكثر من سنة بقليل تم حذف الخطوط الجوية الإيرانية من القائمة، وامتنع الناطقون الرسميون للإدارة عن تفسير السبب واكتفوا بالقول إنهم كانوا يتصرفون بمقتضى خطة العمل الشاملة المشتركة.

السعي إلى تكوين تحالف عسكري متماسك بين الدول الخليجية

ويعلق إليكم كليفورد دي ماي على هذا بقوله “إليكم تخمين مثقف: أضاف الرئيس أوباما تحلية (وهي واحدة فقط من بين الكثير من المحليات) إلى اتفاق رآه ضروريا لإرثه”.

وفي شهادة أمام الكونغرس في شهر أبريل الماضي قال أوتولنغي إنه من منظور إيراني لا يمكن للتوقيت أن يكون أفضل من ذلك: فتلك كانت النقطة التي أصبح فيها قطاع الطيران “حيويا لجهود طهران الحربية في المسرح السوري”.

ويوصي أوتولنغي أن تقوم إدارة ترامب، على الأقل الآن، “بتعليق التراخيص لصفقات الطائرات بينما تقوم بمراجعة شاملة لدورها في الإمدادات الجوية إلى سوريا”.

ويؤكد كليفورد دي ماي في مقاله، الذي نشرته مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات وأيضا صحيفة واشنطن تايمز، أن الأجهزة الاستخباراتية الأميركية لديها الوسيلة لتحدد ماذا كان يتنقل بين إيران وسوريا. وإذا كانت هذه الرحلات الجوية عسكرية بدلا من أن تكون تجارية ومدنية.

وفي الأسبوع نفسه الذي استعمل فيه الأسد أسلحة كيميائية لقتل 70 شخصا في شمال غرب سوريا، أمضت ثالث أكبر شركة طيران إيرانية اسمها آسمان صفقة تقدر بثلاثة مليارات دولار لشراء طائرات بوينغ من طراز 30 بي737 ماكس. لكن هناك مشكلة: المدير التنفيذي لهذه الشركة، حسين علائي، كان على مدى عقود عضوا ساميا في الحرس الثوري الإيراني الذي مازال خاضعا للعقوبات الأميركية.

في تقرير منفصل قدمت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات سيرة حسن علائي، مشيرة إلى أن علائي شغل منذ سنة 1979 مناصب عليا في المؤسسة العسكرية للحرس الثوري الإيراني حيث التحق بالحرس الثوري مباشرة بعد الثورة الإيرانية ووصل بسرعة إلى منصب قائد قوات الحرس الثوري في محافظتين في الشمال الغربي من البلاد. وفي الثمانينات قاد حامية كربلاء في الجبهة الجنوبية أثناء الحرب الإيرانية العراقية.

وفي سنة 1985، عينه المرشد الأعلى آنذاك آية الله الخميني قائدا لبحرية الحرس الثوري المحدثة حديثا، وتحت قيادته شرعت في استعمال المراكب السريعة والألغام لاستهداف السفن التجارية والعسكرية خلال ما يسمى بحرب الناقلات مع العراق.

وفي سنة 1987 أثناء حرب الناقلات حذّر بأنه تم “رسم خطط لاستعمال كل قدرات إيران العسكرية لتدمير الأسطول الأميركي وحل قضية الخليج مرة واحدة”. ولم تنته الأمور على تلك الشاكلة، لكن لم يكن ذلك بسبب غياب المحاولة إذ استهدفت قوات البحرية التابعة للحرس الثوري تحت قيادته سفنا تجارية وسفنا حربية على ملك أميركي، وفي إحدى المناسبات أصيب بحارة أميركيون.

وكانت المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة مكلفة بالنسبة إلى إيران، لكن علائي صعد إلى مناصب أعلى.

الشركاء الخليجيون سيكونون أكثر استعدادا لمساعدة واشنطن في تأمين استقرار العراق ما بعد داعش إذا تعاونت معهم على صياغة رؤية تجاه إيران

وبعد نهاية الحرب أصبح رئيسا لمجلس هيئة الأركان المشتركة التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهو ثالث أعلى منصب في هذا الجهاز العسكري في ذلك الوقت.

ومنذ التسعينات أصبح مديرا لمنظمة صناعات الطيران الإيرانية. وفي سنة 2013 أضافت وزارة الخزانة الأميركية هذه المنظمة إلى قائمة الموسومين بشكل خاص طبقا للأمر التنفيذي عدد 13382 الذي يستهدف ناشري أسلحة الدمار الشامل وأنظمة استخدامها.

كما تدير المنظمة كيانات موسومة أخرى مثل الصناعات الإيرانية لصنع الطائرات وتتعاون عن كثب مع منظمة الفضاء الجوي الإيرانية، هي الأخرى خاضعة للعقوبات الأميركية، وهي الكيان المكلف ببرنامج الصواريخ البالستية لدى طهران.

وبصفته نائب وزير الدفاع ومدير منظمة صناعات الطيران الإيرانية، من المرجح أن يكون علائي قد أشرف على برامج وزارة الدفاع بما في ذلك تطوير الدفاع الجوي وبرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية. ومنذ مغادرة الخدمة بصفته قائدا في الحرس الثوري الإيراني بقي محاضرا في الدراسات الاستراتيجية في جامعة الإمام حسين الخاضعة للعقوبات الأميركية، وهي مساوية لجامعة الدفاع الوطني الأميركية.

انتماء علائي سابقا للحرس الثوري الإيراني ليس دليلا على أن شركة آسمان لديها علاقة حاليا مع المنظمة، لكن ذلك يثير أسئلة عن إمكانية أن يكون الأمر كذلك. زيادة على ذلك هذه الأسئلة مقلقة على ضوء سجل إيران في قطاع الطيران المدني.

ويعلق كليفورد دي ماي على الصفقة قائلا إن لن يكون مدراء بوينغ وآيرباص وأصحاب الأسهم واللوبيات الخاصة بهما سعداء بما قلته أعلاه، لكن عليهم أن يطرحوا على أنفسهم السؤال التالي: هل يريدون فعلا أن يسجل التاريخ بأنهم ساعدوا شركة إيران للطيران في تمكين الأسد من تنفيذ القتل الجماعي لرجال ونساء وأطفال أبرياء؟

6