إيران ومحاولات اقتطاع الشيعة العرب من محيطهم الطبيعي

تسعى طهران إلى استخدام الشيعة العرب ورقة ضغط للسيطرة السياسية على عدد من الدول العربية، وتحويلهم إلى أقلية مذهبية تتبع وتنتمي إلى إيران أولا وأخيرا، مهما تضاربت المصالح مع أوطانهم العربية الأم.
الاثنين 2016/04/18
حين تصبح الطائفة وطنا

يذكّر بعض الذين يستخدمون ـ عن قصد أو سهوـ عبارة “الشيعة العرب” بدل “العرب الشيعة” في معرض حديثهم عمّا يجري في المنطقة بمصطلح “الأفغان العرب” الذي راج أواخر القرن الماضي.

لم تكن الأوساط الإعلامية تستقبل كلمة “شيعة” بهذا التنبّه وهذه الحساسية التي تتجاوز دلالتها المذهبية إلاّ بعد النظر والقراءة في حيثيات السياسة الإيرانية التي ترسم خطوطها وتتمدّد على أساس طائفي واضح للعيان في منطقة الخليج والشرق الأوسط عموما.

تحاول طهران ومن خلال تدخلاتها في البلدان العربية التي تحتوي مجتمعاتها على مكوّنات شيعية إعلان هؤلاء “رعايا إيرانيين” بالإكراه أو ما يشبه “الرهينة السياسية”، فتسعى إلى تفكيك نسيج هذه البلدان الثقافي والتاريخي عبر تجنيد منابر إعـلامية، وإرساء مؤسسات تربوية واجتماعية موازية لسلطة الدولة التي تعمل على إضعافها، هذا بالإضافة إلى خلق جيوب ضاغطة وأذرع عسكرية تظهر على شكل أحزاب تمارس “الفتوّة السياسية” في البرلمانات والحكومات كما في الحالتين اللبنانية والعراقية أو حتى عبر المداخلات الاستفزازية لنوّاب موالين لها كما حدث في البحرين والكويت على سبيل المثال لا الحصر.

تظهر ممارسات هؤلاء الذين “تشيّعوا” لإيران قبل تشيّعهم لمذهب آل البيت في تدخّل حزب الله وقتاله في سوريا بالإضافة إلى استمرار انتقال الميليشيات التي جندتها إيران من العراق إلى سوريا تنفيذا لأوامر قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بحجّة حماية المراقد الشيعية.. هذه المراقد التي لم تمسّ بأذى منذ نشأتها بل ظلت محلّ احترام وتبرّك من طرف أهل السنّة، علاوة على التورّط الإيراني في مساندة تمرّد الحوثيين في اليمن وبصماتها الواضحة في البحرين عبر “حزب الله” آخر، ممّا يقيم الحجّة والبرهان على رغبتها في التمدّد أكثر، خصوصا بعد تصريحات مسؤوليها بأنها “باتت تسيطر على أربع دول عربية”.

تريد إيران أن تجعل من كلمة الشيعي العراقي أو اللبناني أو البحريني كلمة توحي بأنّ الولاء للطائفة يجب أن يسبق الانتماء لبلادهم، فيصبح مفهوم الوطن عندئذ مسألة ثانويّة ومجرّد مسقط رأس صنعته الضرورة والمصادفة، فلا قيمة لفكرة العيش المشترك والسلم الأهلي أمام تضرّر المصلحة الإيرانية.

يسعى نظام طهران إلى إضعاف علاقة العرب الشيعة بموطنهم الأصلي عبر افتعال الاحتضان والرعاية من جهة، ومن خلال بث الفرقة مع مواطنيهم السنّة من جهة أخرى، والذين صوّرتهم إيران كداعمين للدواعش وكارهين للرموز الشيعية، وهي تريد من وراء كل ذلك أن تجعل من الطائفة “وطنا بديلا” للعرب الشيعة على أمل إلحاقه إلى “وطن أكبر” اسمه إيران.

نظام طهران يسعى إلى إضعاف علاقة العرب الشيعة بموطنهم الأصلي عبر افتعال الاحتضان والرعاية

لعلّ أوّل من تضرّر من السياسة الإيرانية وتدخلاتها باسم حماية “الطائفة” هم العرب الشيعة أنفسهم والمتدينون منهم على وجه الخصوص، ذلك أنّ غير المسيّسين من شيوخ الشيعة والكثير من أقطاب حوزتها من لا يجدون أي مبرّر ولا أي مقاربة عقائدية بين ما تمارسه طهران وبين أسس وتعاليم المذهب الشيعي الذي يحظى بالاحترام والتقدير من أهل السنّة والجماعة، بل وقد ساهم التدخل الإيراني في عزلهم وازدياد الشكوك والريبة حولهم من طرف المحيط السنّي إلى أن وصل حدّ اتهامهم بازدواجية الولاء.

وأكثر ما عزّز هذه الشكوك هو القول بولاية الفقيه لدى بعض الشيعة، وهي محاولة من إيران بعد مجيء الخميني إلى الحكم لإضفاء مرجعيّة روحيّة وطابع يقترب من التقديس قصد كسب ولاءات الشيعة في بلاد كثيرة من العالم الإسلامي.

وفي هذا السياق اضطرّ الكثير من علماء العرب الشيعة ومراجعهم الفقهية إلى التوضيح والردّ بقوّة لإيقاف التساؤلات التي بدأت تظهر حول حقيقة ولاءاتهم، وقد برز هذا جليّا في تصريح علي الأمين مفتي صور وأحد أبرز فقهاء الشيعة في لبنان أثناء حديث تلفزيوني”، إنّ النهج الإيراني تم رفضه منذ بداية ثمانينات القرن الماضي”، معتبرا أن “الرؤية الإيرانية نجحت في لبنان نتيجة ضعف الدولة”.

وأكّد الأمين على أنّ “الدولة هي الحكم والمظلة للجميع”، وفي معرض حديثه عن حزب الله قال “من مصلحة حزب الله أن يخرج من المستنقع السوري”، موضحا أن “إيران لم تختطف الشيعة العرب إنما هناك أحزاب مرتبطة بطهران” وأضاف أنّ “هذا الحزب لا يمثّل المذهب الشيعي كما أنّ الإخوان لا يمثّلون المذهب السني”.

يذكر أنّ مرجعيات شيعية كثيرة في العالم العربي، ومن بينها الراحل محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الإسلامي الأسبق في لبنان، كانت قد دعت منذ وقت طويل إلى توضيح الأمر ورفع هذا الالتباس الذي قد يختلط على عامة الناس من العرب السنّة فـ”يزيرون وازرة وزر أخرى” ويقع التعميم الذي يسعى إليه نظام طهران بغية الوصول إلى مآربه في سلخ العرب الشيعة عن محيطهم التاريخي والاجتماعي والثقافي، خصوصا أنّ الأمر قد تجاوز مجرّد المساندة السياسية أو “التعاطف المذهبي” وبدأ يتجه نحو الاحتفاء بالتقاليد الفارسية كما بدا واضحا في خطاب حسن نصرالله الأخير بمناسبة مطلع السنة الفارسية والذي دافع فيه بقوة عن تدخل ميليشيات حزبه في سوريا.

ويرى مراقبون عرب أنّ هذه الحالة باتت تهدّد بـ”التماهي المطلق” مع دولة إيران التي تحاول أن تجعل العرب الشيعة جسما غريبا عن محيطه، خصوصا بعدما انتشرت مثل هذه الاحتفالات في بلاد سنيّة المذهب وتنشط فيها “التبشيريات الشيعية” وفق المنوال الإيراني مثل مصر ومنطقة المغرب العربي.

13