إيرمانو أولمي قديس السينما الإيطالية الذي يستمد الأمل من الإنسان

الأحد 2015/11/01
إيرمانو أولمي… عملاق سينمائي في الرابعة والثمانين

يعتبر المخرج الإيطالي الكبير إيرمانو أولمي (84 سنة) Ermanno Olmi حالة استثنائية خاصة بين أقرانه من السينمائيين الإيطاليين، فعلى العكس من معظم أبناء جيله، الذين اتجهوا لمعالجة القضايا السياسية، وصنعوا تيارا واعيا من النقد السياسي وتناول المشاكل الاجتماعية بأسلوب فني خاص رفع السينما الإيطالية إلى القمة على المستوى الأوروبي، حيث ينحاز أولمي إلى الفكر الإنساني ويهتم بالإنسان وعلاقته بالعالم.

يعتبر أولمي أقرب في تكوينه الفكري والفلسفي إلى روسيلليني في ما بعد الواقعية الجديدة، فالاثنان يشتركان في العقيدة الدينية والارتباط بالفكر الكاثوليكي، واحترام الكنيسة، على حين كان معظم السينمائيين الإيطاليين من اليساريين والليبراليين: تافياني، بيللوكيو، فرنشيسكو روزي، فيلليني، بازوليني، أنطونيوني، سكولا، إذ أنهم يتخذون لأنفسهم مسافة من مؤسسة الفاتيكان، وتوجيه النقد اللاذع إليها.

أولمي، رغم تمسكه بالأخلاقيات، ليس من الممكن اتهامه بالتخاذل في تناول القضايا الاجتماعية في أفلامه، فهو يتناولها بشكل غير مباشر، يمكنك أن ترى تفاعلاتها في الكثير من خلفيات أفلامه. غير أن أولمي لم يتعامل مع “الفكرة” الدينية بشكل مباشر سوى في فيلمين فقط هما “رجل اسمه يوحنا” (1965) الذي يروي سيرة حياة البابا يوحنا الثالث والعشرين (1881- 1963) الذي اعتلى كرسي البابوية عام 1958 حتى وفاته عام 1963. وفيه يقوم الممثل الأميركي رود شتايغر بدور الوسيط بين البابا والمشاهدين؛ يزور الأماكن والشخصيات التي عرفها البابا، ويعلق بصوته على الصور والأحداث والمواقف المختلفة في حياة الرجل.

والفيلم الثاني هو “استمرّ في السير” (Cammina Cammina (1983 وفيه يستخدم ممثلين غير محترفين، كما يفعل في معظم أفلامه، وهو مستوحى من “الكتاب المقدس” ويصور رحلة ثلاثة قساوسة إلى بيت لحم وما يلقونه خلال الطريق. لكن أولمي في معظم أفلامه يجعل المغزى الديني أو الفكرة الدينية في الخلفية بشكل رمزي أو مجازي.

عرف إيرمانو أولمي بتقشفه وزهده وابتعاده عن الأضواء، وتفضيله العيش بعيدا عن صخب المدن الكبرى، فهو يقيم في منطقة جبلية شمال شرق إيطاليا، قريبة من موطنه الأصلي في بيرغامو. وهو يفضل الارتباط بالأرض والمزارعين في حياة الريف والطبيعة، ولا شك أن تأثير الريف وعلاقته بالفلاحين، يتضحان في الكثير من أفلامه. ورغم تقدمه في العمر إلا أنه مستمرّ في الإخراج، وقد عرض فيلمه الأحدث “ستزهر المراعي مجددا” في مهرجان برلين الأخير (فبراير 2015).

أولمي عرف بتقشفه وزهده وابتعاده عن الأضواء، وتفضيله العيش بعيدا عن صخب المدن الكبرى، فهو يقيم في منطقة جبلية شمال شرق إيطاليا وهو يفضل الارتباط بالأرض والمزارعين في حياة الريف

البدايات

بدأ إيرمانو أولمي الإخراج السينمائي عام 1959 بفيلم “توقف الزمن” متأثرا بوضوح بأفلام الواقعية الجديدة التي لم يكن بريقها قد خبا بعد. ولا يعتمد الفيلم على الحوار بل على لغة الصمت والإشارة والتأمل في العلاقة بين الناس والطبيعة، وخصوصا بطله الصغير الذي يسبح وسط الثلوج ويحقق ما أنيط بعهدته من أعمال في تلك المنطقة التي تتميز بجمالها ووحشيتها من جبال الألب الإيطالية؛ أمامنا صبي يأخذ وظيفة رجل اضطرّ للتقاعد، للعمل في سدّ موجود بتلك المنطقة، وهناك يجد نفسه صحبة رجل آخر يتقدمه كثيرا في العمر، وتدريجيا تنمو العلاقة الإنسانية بينهما رغم اختلافهما الكبير في الطباع والتجربة الإنسانية، يقرب بينهما ذلك التحدّي الذي تفرضه تقلبات الطبيعة القاسية، وما يقع من انهيار جليدي.

رغم أن هذا الفيلم يعد تحفة سينمائية حقيقية بتصويره الأخاذ، وشفافيته وشخصياته المليئة بالحياة التي تتمتع بالتلقائية، إلّا أنه لم يلق اهتماما كبيرا من جانب النقاد. ولكن الفيلم التالي لأولمي “الوظيفة” (Il Posto (1961 كان بفضله الاكتشاف الحقيقي الكبير لموهبته في إيطاليا. وفيه كان أولمي يعيد إحياء تقاليد الواقعية الجديدة بعد أن هجرها روادها الكبار: دي سيكا وروسيلليني وفيسكونتي، وشقوا لأنفسهم طرقا أخرى مختلفة؛ يستخدم أولمي أسلوبه شبه التسجيلي الذي يصبغ معظم أفلامه، والممثلين غير المحترفين، والتصوير في المواقع الطبيعية، ليقدم عملا كلاسيكيا يثبت وبالمقارنة حتى اليوم أنه من بين أفضل إنجازات السينما الأوروبية.

بطل الفيلم هو “دومنيكو”، شاب في التاسعة عشرة من عمره، يترك أسرته الفقيرة وقريته، ويستقل القطار إلى مدينة ميلانو حيث ينشد العثور على وظيفة في إحدى الشركات الصناعية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، ويخوض اختبارا صعبا مع عدد كبير من المتقدمين إلى الوظيفة، لكنه يشعر بنوع من الاغتراب أو الضياع وسط ذلك المحيط الجديد عليه، فبعد أن ينجح في الاختبار ويحصل على الوظيفة، يصبح مضطرا لتغيير عاداته وسلوكياته ونظرته للأمور، لكي يمارس عملا روتينيا مملا في مكان يشعر فيه الجميع بالوحدة والعزلة وانعدام القدرة على التواصل، بل وحتى عندما يلتقي بفتاة جميلة هي “أنطونيتا” يأمل أن يقيم معها علاقة عاطفية وإنسانية، سرعان ما يفقدها.

يستوحي أولمي أحداث الفيلم من تجربته الشخصية في العمل لحساب إحدى الشركات أثناء بداية حياته العملية، وهو يستخدم أسلوبا فريدا في التعبير بالصورة، باللقطات القريبة لوجه الفتى، للأنماط البشرية من حوله، ويبني المشاهد المركبة بنعومة مستخدما الكاميرا المتحركة، لتكثيف العلاقة بين الشخصيات والمكان وتصوير وطأة المكان على بطله الذي يبدو وكأنه قد أصبح سجينا. “الوظيفة” يمكن أن يستدعي إلى الأذهان فيلم دي سيكا الشهير “سارقو الدراجات” فمحوره أيضا هو “الوظيفة” التي يقاتل المرء من أجل التشبث بها رغم ما تجلبه له من متاعب.

كان لفيلم "الوظيفة" الفضل في الاكتشاف الحقيقي لموهبة أولمي

شجرة القباقيب

أما الفيلم الذي نقل أولمي إلى خريطة السينما العالمية وجعله أحد كبار السينمائيين في العالم، فكان فيلم “شجرة القباقيب الخشبية” (1978) Tree of The Wooden Clogs وهو يعتبر بحق أنشودة بديعة عن علاقة الفلاحين بالأرض وبالطبيعة؛ كيف يفلحون الأرض، كيف ينشدون أغانيهم الجماعية ويقيمون طقوسهم الخاصة، طريقة النساء في إعداد الطعام، التعامل مع الحيوانات، غسل الملابس في الترعة، الشكل الجماعي في التضامن، النظر إلى الطبيعة ومقاومة شراستها. يطغى على الفيلم خاصة في نصفه الأول، الطابع التسجيلي الذي يميز أسلوب أولمي، والذي يحتفي بقيمة الإنسان، بقوته الروحية التي كفلت له البقاء في مواجهة ظروف العمل الشاقة في أرض الأسرة الإقطاعية التي تكاد تبدو منعزلة لا نراها سوى في لقطات عامة من بعيد.

تدور أحداث الفيلم في أواخر القرن التاسع عشر في “لومبارديا”، أي قرب “بيرغامو” موطن أولمي، حيث نتابع حياة وعمل أربع عائلات من الفلاحين، يعمل أفرادها لحساب مالك الأرض، يزرعون ويشقون ثم يمنحون صاحب الأرض الجزء الأكبر مما يحصلون عليه. هنا يمكننا أن نلمح إشارات باطنية عن الاستغلال، عن قسوة العيش في كنف شكل حديث من أشكال العبودية رغم كل المناظر الجميلة المحيطة التي نراها والتي يصورها أولمي بنفسه كما كان يفعل في أفلامه قبل أن يقعده المرض العضال، كما يقوم أيضا بعمل المونتاج لها. يستعين أولمي بمجموعة من الفلاحين الذين لم يسبق لهم الوقوف أمام الكاميرا، ينجح في توجيههم وتدريبهم وجعلهم يتمتعون بقدر كبير من العفوية والتلقائية التي ترسخ واقعية الصورة في فيلمه. لم يكن غريبا أن يفوز “شجرة القباقيب الخشبية” بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1978، ورغم ذلك لم يسلم أولمي من اتهامات نقاد اليسار في إيطاليا بالرجعية ومقاومة التغيير ومعاداة الحداثة، لكونه يرى أن مؤسستي العائلة والكنيسة يضمنان استقامة الأخلاق.

السيدة العجوز

في فيلم “حياة مديدة للسيدة العجوز” (Lunga vita alla signora (1987 يعود أولمي إلى أجواء مشابهة لأجواء فيلمه الشهير “الوظيفة”. كان هذا أول فيلم يخرجه بعد أن أقعده المرض لمدة ثلاث سنوات. وتدور أحداثه داخل فندق بمنطقة نائية في الجبال، وكان المبنى في الماضي قلعة من قلاع الارستقراطية الإيطالية، وهو يقع على ربوة جبلية ويطل على مناظر طبيعية ساحرة. الحدث الرئيسي في الفيلم هو حفل غذاء تقيمه سيدة عجوز غامضة لأصدقائها من عليّة القوم يجمعون كل رموز “النخبة” السياسية والعسكرية والاقتصادية. ولكننا نتابع الحدث من عيني شاب في مقتبل العمر هو “ليبنزيو”، الذي انضمّ حديثا إلى الصف الثالث من طاقم الخدم في الفندق، أي الذين مازالوا في مرحلة التدريب.

ويرصد الفيلم كيف ينعكس هذا الجو الغريب المريب الذي يوحي باجتماع عصبة غامضة تحركها سيدة دميمة لمناقشة أمور العالم والتخطيط لما هو قادم، على “ليبنزيو” الصغير القادم من أسرة ريفية بسيطة، نراه وهو يتطلع إلى تلك السمكة الكبيرة المخيفة التي تفغر فمها وتشع عيناها ببريق غامض شرير، يقدمها الخدم للمدعوين في طبق كبير بعد إشارة من السيدة العجوز التي لا تكف عن مراقبة الآخرين من موقعها في صدارة المائدة في صمت من خلال منظار مكبر. في نهاية اليوم يكون ليبنزيو قد غادر طفولته وفقد براءته، ودخل عالما مختلفا يدرك أنه يتعين عليه أن يحتاط له ويحذر منه.

"حياة مديدة للسيدة العجوز" أكثر أفلام أولمي استخداما للرموز

ورغم التزام أولمي بالواقعية إلا أن هذا الفيلم يعدّ من أكثر أفلامه استخداما للرموز: عن التناقض الطبقي (العلاقة بين طبقات الخدم بعضها بالبعض وبينهم وبين السادة، وبين الضيوف بعضهم بالبعض، وبينهم وبين “السيدة”). وهو يضع عالم النفاق والمداهنة والتآمر، مقابل عالم البراءة التي يمثلها بطلنا الصغير والفتاة الشابة الجميلة (من بين الخادمات) التي تلفت نظره والتي يشع وجهها بالبراءة في تناقض واضح مع وجه السيدة العجوز الدميمة التي يقارن بينها وبين السمكة المخيفة في لقطات قريبة.

عن تجربته في هذا الفيلم يقول أولمي: كنت دائما منجذبا إلى تلك اللحظة في الحياة التي اكتشفتها عام 1961 وأنا أصور فيلم “الوظيفة”، أي مرحلة العبور من الطفولة إلى الرجولة التي تحدث بسرعة في مجتمعاتنا؛ أن تحصل على وظيفة وتلتحق بكيان غريب مختلف تماما عن الأسرة. كانت تلك تجربتي الخاصة عندما التحقت بالعمل في شركة إديسون في ميلانو، وكان عمري 16 عاما. في هذا العمر أنت تشعر بمسؤولية كبيرة للغاية إذا كنت تعمل في نطاق مؤسسة ضخمة، فهي مسألة ليست بسيطة بالنسبة إلى طفل. المرء يتحوّل فجأة من مجرّد صبي إلى رجل يتحمل مسؤوليات عدة، أنت اليوم طفل وغدا يفترض أن تصبح رجلا. لقد كان عمري 29 أو 30 سنة عندما نضجت تجربتي الخاصة. إنني أعود إلى نفس الموضوع بعد أن عشت حياة كاملة أيضا، وبعد أن تعرضت للموت أثناء مرضي.

السكير المقدس

يقتبس أولمي فيلمه التالي “أسطورة السكير المقدس” (La leggenda del santo bevitore (1988 من قصة قصيرة للكاتب النمساوي جوزيف روث، تدور أحداثها بباريس في الثلاثينات، من وحي شخصية واحدة لعامل بولندي (أندرياس) غادر السجن مؤخرا بعد أن سجن لفترة بتهمة القتل الخطأ، وأصبح الآن هائما على وجهه، فقيرا شريدا يعيش على ما يجود به عليه المارة، يحتسي الخمر يوميا في الصباح، ويقضي الليل تحت أسفل أحد جسور باريس القديمة متغطيا بأوراق الصحف. هذا الرجل القانع بمصيره الذي يعتبره عقابا على ارتكابه الخطيئة، يجترّ ذكريات ماضيه الذي كان يعرف فيه الحب، وبسبب اندفاعه في الحب انبرى ذات يوم للدفاع عن حبيبته ضدّ الرجل الذي كان يسومها العذاب فسقط الرجل أمامه ميتا.

يلتقي “أندرياس” ذات يوم برجل يلحّ عليه إلحاحا شديدا لكي يقبل منه بعض المال على أن يرده له عندما تتيسر أموره، يرفض أندرياس ويعتذر ويقول للرجل إنه لا يمكنه قبول ما لا يمكنه إرجاعه، لكن الرجل يصرّ ويقول له إن بوسعه أن يرده له عندما يتيسر الحال ويتركه له بجوار تمثال القديسة سانت تيريزا داخل الكنيسة التي تحمل اسمها، ويكتب له عنوانه ويصف له كيفية الوصول إليه. وكلما نفد المال من أندرياس يعثر على من يمنحه المزيد منه لسبب أو لآخر، ولكن كلما أراد إرجاع المبلغ يحدث ما يعطله عن ذلك.

يحتوي الفيلم على كل أفكار أولمي الفلسفية والأخلاقية، فالعالم في نظره من دون فضيلة يسقط ويتعفن، والفضيلة ليست في الشكل أو في السلوك السطحي الظاهري، بل في ما يبطنه القلب من صفاء وإنكار للذات وحب للبشرية بلا حدود. ولعل تلك هي أعظم قيمة نخرج بها من أفلام أولمي، ذلك القديس الذي لا يزال يحلم بعالم أفضل.

16