"إيرويكا" تمزج فلسفة هوميروس بشعرية كفافيس وكزانتزاكيس

الرواية تحكي عن مجموعة من الصبيان يكتشفون معنى البطولة والحب وعن أفعالهم وأفكارهم ومشاعرهم التي تصل حد التراجيدية.
الثلاثاء 2018/09/11
المراهقة والقفز إلى الرجولة

يحفل الأدب اليوناني بالكثير من التجارب الهامة التي تركت بصمتها في المدونة الأدبية العالمية، ولعل ما يميز أغلب الكتاب والشعراء اليونانيين ذاك النفس الملحمي الذي تواصل صداه منذ قصائد هوميروس إلى كتابات نيكوس كزانتزاكيس ويانيس ريتسوس وغيرهم الكثير من التجارب الهامة، حيث برع اليونانيون في تحويل أكثر الأشياء عادية إلى منحوتات بشرية من لحم ودم لا تهرم بالتقادم

القاهرة - يحيلنا عنوان رواية ”إيرويكا” لكوزماس بوليتيس، إلى سيمفونية بيتهوفن الشهيرة، كما يحيلنا أيضا إلى معنى البطولة كما سيتضح ضمن صفحات العمل الروائي، وهذا يتجلى أيضا في اختيار لوحة الغلاف التي تعكس التمازج بين الموسيقى والأسطورة والفلسفة أيضا.

اصطدام حتمي

تعتبر رواية “إيرويكا” من أشهر وأبرز أعمال الكاتب اليوناني كوزماس بوليتيس، وهي من أشهر وأهم الروايات في الأدب اليوناني الحديث، التي يقدمها  لأول مرة للقارئ العربي المترجم خالد رؤوف، الذي يتضح ما بذله من جهد في تقديم ترجمة رشيقة، وبأسلوب جذاب للقارئ العربي، أنه حريص على المعنى الذي لا يُغيب أسلوب الكاتب الخاص.

اعتبر نقاد هذا العمل الروائي أن بناء رواية “إيرويكا” يعد من أروع ما قد نجد في الرواية اليونانية، وقد نشرت هذه الرواية في النصف الأول من القرن الماضي في عامي 1937 و1938، وتعد أبرز وأقوى نموذج حداثي وربما سوريالي في الأدب اليوناني الحديث.

وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، وتحكي عن صحبة من الأولاد في مرحلة ما قبل المراهقة، عن أفعالهم وأفكارهم ومشاعرهم التي تصل إلى حد التراجيدية، وكذلك اكتشافهم لمعنى البطولة والحب، فالحب لا ينتهي هنا بانتهاء فترة الطفولة فحسب، بل بانتهاء الحياة نفسها، والكاتب من خلال مجموعة الأولاد يقدم بعض المواقف التي من خلالها تصطدم المثالية بالواقعية. سن الطفولة بسن أو مرحلة الرجولة دون أن يجبر المتلقي على أن يدخل في حيرة التقرير أيهما الأفضل أو أيهما أكثر أصالة؛ حيث لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتم مقارنة موضوعية بين مرحلة الطفولة ومرحلة النضج. فكلتا المرحلتين ليس لدينا خيار سوى أن نعبرهما.

 كوزماس بوليتيس من مدير بنك إلى أشهر كتاب اليونان
 كوزماس بوليتيس من مدير بنك إلى أشهر كتاب اليونان

ويحتفي الكاتب بالمعنى الفلسفي لاختياره مرحلة مبكرة من عمر الإنسان، مع التأكيد على أن الواقع الحقيقي فيه من الخفة والثقل ما يجعل الإنسان يقف ساخرا من كل هذه الحياة، وهو بهذه النظرة يذكرنا برواية ”زوربا” لمواطنه الكاتب نيكوس كزانتزاكيس؛ مع الاختلاف بين عالمي الروايتين.

الرومانسية والقسوة

يرى صاحب ”إيرويكا” أن روح الإنسان لها من القوة التي تستطيع بها أن تستقبل أجمل الأفكار وأكثرها روعة واكتمالا، فثمة حقيقة ربما لا تكون واقعية وربما العكس أحيانا.

في مقدمته للعمل يصف المترجم خالد رؤوف الرواية بقوله ”في هذه الرواية يتخلص الكاتب من الكثير من العُقد التي ربما تكبّل فن الرواية أو السرد الروائي مثل الحبكة وأشكال أخرى، إلا أنه استعان بشكل ما بنموذج هوميروس الملحمي وشعرية كفافيس في مزج فريد من نوعه، أي أنه أضفى من روح الملحمية والشعرية مستخدما لغته كأداة طيعة لتخدم كل ما يبتغيه من إسقاطات وتورية بل والغموض في بعض الأحيان”.

وأضاف “كل هذا –كما سوف يكتشف القارئ- أعطى العمل المزيد من الرومانسية والواقعية والقسوة، خلف قصة بسيطة نجد إلياذة هوميروس أو بشكل أدق خلاصة الأسطورة التراجيدية، والتي ربما يشير إليها عنوان الرواية في حد ذاته، بينما خلف الأبطال تقف ظلال الشخوص الأسطورية، أخيلياس، باتروكلوس، وهيلين وأبطال هوميريين آخرين”.

ونذكر أن كوزماس بوليتيس بدأ الكتابة في سن متأخرة نسبيا. فقد ولد في 6 مارس عام 1888 وتوفي في 23 فبراير 1974، وبدأ الكتابة عام 1930. عمل مصرفيا ورئيسا لأحد البنوك في اليونان، أي أنه أمضى جزءا من حياته بعيدا عن الكتابة؛ لكنه كان شخصا وكاتبا متميزا وهذا يتضح من مجمل أعماله ومن حياته الثرية بالتجارب، لكن نشأته وحياته وعمله كانت أسبابا في أنه عاش في أكثر من مدينة وأكثر من بلد، وهو الأمر الذي وسَّع من مداركه وثقافته، فقد كان يجيد عدة لغات ويقرأ ويكتب بها، حتى أنه مارس الترجمة في فترة عصيبة من حياته بعد وفاة ابنته وتركه لعمله كرئيس لأحد البنوك، والأهم أنه ترجم لكتَّاب كبار عن الإنكليزية والفرنسية والإيطالية.

الطابع الكوزموبوليتاني يظهر في الكثير من أعمال بوليتيس، ولا سيما في أهم عملين له أحدهما هذه الرواية ”إيرويكا” والآخر هو “في خادزيفرانجو” وهي ضاحية شعبية في أزمير الكوزموبوليتانية في عام 1902، حيث كان يغلب عليها الطابع اليوناني، والأهم أن أحداث الرواية تتم في مدينة خيالية، إلا أنها تشبه مدنا كثيرة عاش فيها الكاتب، وكذلك الأماكن كلها في هذا العمل.

وقد حازت روايته “إيرويكا” على جائزة الدولة للآداب في عام 1938 وجائزة الرواية في عام 1939. وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي أخرجه المخرج اليوناني ميخاليس كاكويانيس، وهو مخرج الفيلم “زوربا اليوناني” واستعان في الفيلم بممثلين من جنسيات مختلفة. والجدير بالذكر أيضا أن رواية ”إيرويكا” لمؤلفها كوزماس بوليتيس صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

14