إيريك فوييار يردّ الاعتبار للحقائق المؤلمة في روايته "حزن الأرض"

الأحد 2014/11/30
الغرب الأميركي والصورة الملفقة للهندي الأحمر

من الأفكار السائدة أن الاستعراض الفني للواقع هو المشهد المثالي للفرجة على نطاق واسع. قد نهتدي إلى حقيقة معاكسة لذلك فكم من أسطورة كانت مجرد خرافة لكنه يبقى هو الأصل. مبتكر ذلك هو بوفالو بيل (Buffalo Bill)، مخرج العرض الشهير "الطبيعة البرية للغرب" (Wild West Show) المعروف لدينا بـ”غزو الغرب”. رواية “حزن الأرض”، بكتابة دقيقة وابتكار خصب، تحكي لنا هذه القصة التي صدرت مؤخرا في منشورات “آكت سود” (Actes Sud) بباريس.

الناقد روماريك سانغار كتب في تعليق له على هذه الرواية، إن التاريخ، من دون شك، يتأرجح بين تراجيديات قصيرة وكوميديا خالدة، لكن بعض الروايات تتمكن ببراعة من سل الخيوط التي تربط بينها.

بعد “الكونغو”، “المستكشفون المغامرون” و”الحرب الكبرى”، يستمر إيريك فوييار بإعادة قراءة للتاريخ من خلال شخصية “بوفالو بيل”. نحن مع نهاية القرن التاسع عشر، وقد انتهت أميركا من تصفية تركة ما قبل العهد الكولومبي، وحوّلتها إلى مادة للمتاحف أو للفرجة. ويليام كودي (William Cody) الشهير بـ “آلياس بوفالو بيل”، سيطلق هكذا عرضا “الطبيعة البرية للغرب”، عرض متجول ضخم، يعيد مشاهد وتفاصيل أحداث غزو الغرب، بهنود حُمر حقيقيين، بما فيهم المقاوم “سيتينغ بول” المهزوم بشحمه ولحمه، وسط ديكورات فرعونية.

هذا العرض الذي سيعبر المحيط الأطلسي، ستدور أطواره لعدة عقود، وسيلاقي إقبالا كبيرا ونجاحا باهرا منقطع النظير: عرض أسطوري سيصنع أسطورة. لكن المستوى الأول للأحداث ليس هو ما يشغل فوييار بالدرجة الأولى، إنه يتعامل شيئا ما على شاكلة و. ج. سيبالد (W.G. Sebald)، كعالم أثريات ينبش في الذاكرة، يلجأ إلى المناجاة ويسهب في التأمل، يزرع وسط النص صورا من ذلك العهد تشغل وظيفة أيقونات زمنية ساذجة، يعيد الحياة لكائنات ومشاهد عبر لغة راقية، حميمية، فاتنة، ومحافظا بالنهاية على نظرة المشاهد المثالي الأخلاقي لتلك الأجسام التي أعيدت إلى الحياة. “عرض الطبيعة البرية للغرب” يدشن بالنسبة إلى الكاتب، عهد الاستلاب والاستغلال الجماعي، يؤسس نوعا من الخرافة حول أميركا ويحوّل المهزومين إلى ممثلين صامتين في مشاهد للعرض السينمائي المباشر، مزيفا بذلك مأساتهم الشخصية ومحولا تلك التراجيديا إلى فرجة. يمنح إيريك فوييار لذلك التزييف حقلا مضادا من الأدب، تعاطفه السامي وحقيقته العميقة والكئيبة في نفس الآن.

قوة المحاكاة هذه التي تقشعر لها الأبدان هي محور التحفة الوجيزة لفوييار، الذي قال عنه غريغوار لوميناجي: إنه لن يوقف الأطفال عن لعب لعبة الهنود الحمر


أكذوبة كبرى


كان الكولوسيوم (المسرح) في روما أكبر من اللازم بالنسبة إلى الإمبراطور تراخان. لكن ليس بالنسبة لـ”بوفالو بيل” حيث كان “عرض الطبيعة البرية للغرب” في ذروته يشغل 800 من الفنانين والتقنيين، 500 من الأحصنة والعشرات من أبقار البيسون. أكبر شركة ترفيه في العالم ستذهب بالتالي لتنصب خيمتها الضخمة في أماكن أخرى.

يعتمد نجاح هذا المشروع الذي يدرّ ذهبا على التذاكر، ولكن أيضا على الترويج الإبداعي المبتكر. كل يوم، يتهافت 40 ألف متفرج ويحتشدون في أميركا، بالطبع، ولكن أيضا في أوروبا، حتى “بار لو دوك” أو ستراسبورغ بفرنسا. يمكن للمرء أن يتخيل ذهول سكان الألزاس، كبيرهم وصغيرهم!

وسط ديكورات مصنوعة من عجين الورق المقوى، يثب الهنود ويتنططون بسرعة فائقة وهم يصدرون أصواتا ويطلقون صيحات حماسية قبل تَرَصُّدهم والإغارة عليهم من قبل فريق الخيالة الأميركي الذي يقضي عليهم بمهارة، تماما كمجموعة صيادين محترفين يغيرون على قطيع من الطرائد. مشاهد مذهلة ورهيبة، لا علاقة لها بالواقع، دون أي اعتبار للحقيقة التاريخية. خاتمة المشهد، هي الاغتيال الجماعي أو ما يعرف بـ”الركب الجريحة”، تلك المجزرة التي خلالها سيلقى 169 من الهنود الحمر المجردين من أسلحتهم، مصرعهم على يد 200 جندي مسلحين بمدافع هوتشكيس. بعد مراجعتها، تنقيحها وتصحيحها من قبل “بوفالو بيل”، تصبح الإبادة حربا شرسة متعادلة القوى. لتوثيق القصة ومنحها صبغة رسمية، سيذهب المنتج الماهر الماكر إلى حد توظيف الناجين من مجزرة “الركب الجريحة”.

وبنفس الطريقة، سيستأجر “بوفالو بيل” لسنة كاملة خدمات “سيتينغ بول”، المنتصر في موقعة “ليتل بيغ هورن” . لا يتعلق الأمر بإعادة مشهد الهزيمة النّكراء الذي ألحقها بالقائد كاستر (Custer) والدرس الذي لقّنه لفيلقه، بل مجرّد عرض فني بسيط. هذا الذي يتحول كل ليلة إلى محفل حماسي للشتم والإهانة في سبيل نصرة الصليب، “يهتف الحشد، يهينونه وينعتونه بأقبح الأوصاف. يبصقون. هذا هو، ذلك العنصر الغريب، ذو البشرة الحمراء، الذي أتى الجميع لمشاهدته، إنه الوحش الغريب الذي كان يحوم حول مزارعنا، حسب ما يحكون؛ إنه هو”.

تمزيق خرافات الغرب عن الهنود الحمر


كواليس الخرافة


كل شيء كان مزيفا لدى “بوفالو بيل”، بدءا من اسمه. سمعة وليام كودي، مستخدم السكك الحديدية الذي تحول إلى صياد الأبقار الوحشية، تأسست وتمّ الترويج لها بفضل السرد العجائبي لإنجازاته البطولية الخارقة التي تم تدوينها بروايات بخسة الثمن من قبل شخص يدعى “نيد بونتلاين”. كممثل فاشل، مراوغ مخادع ماكر، ومهرج موهوب، سيقبل وليام كودي لعب الدور الذي عُين له. إنه «منتوج خالص لحبكة تسويقية، شيئا ما كالظاهرة». مسرحية مكتوبة بإتقان للغاية لدرجة أنها نجحت بسهولة ونالت واسع الإقبال. حب الظهور والأعمال المكسبة لدى “بوفالو بيل” سيتكلف بالبقية.

رائد الترويج الفني ابتكر الترفيه على نطاق واسع، وكسب بذلك ولوجيات عند كبار هذا العالم. إنه نجم كوني يتم التهافت عليه. ألبيرت الأول لمملكة موناكو يأتي للصيد معه بجبال الروكي. لعل ذلك يستمر. سوف يستمر لبعض الوقت، دون أن يتمكن من تفادي الانهيار. في تعليق له عن رواية “حزن الأرض” كتب محرر الركن الأدبي لصحيفة “ليزيكو” (Les echos) تييري غاندييو: “بأسلوب أنيق، يجمع بين المثير للغرابة والمثير للشجون، المؤثر والدنيء، يستدرجنا إرييك فوييار إلى كواليس الأسطورة كاشفا عن «الجانب الآخر من الأحجية. واجهة الحقد والكراهية». علامات كاملة”.


عرض بوفالو بيل


لم يكن الهنود الحمر أبدا يصيحون «وهُو! وهُو! وهُو!»، وهم يلطمون شفاههم، كما يفعل جميع أطفال العالم عندما يلعبون لعبة الهنود الحمر. «إنه ابتكار محض من بوفالو بيل» مؤهل لنيل براءة الاختراع، وهو «اكتشاف عجيب للمهرج».

هذا أبعد من أن يكون الشيء الوحيد، كما يلاحظ إريك فوييار. ولادة أعمال العرض الفني؟ بوفالو بيل. الترويج التسويقي الذي يصاحبه؟ بوفالو بيل. أول فرجة على عرض ليليي؟ بوفالو بيل مرة أخرى.

مع فرقة من «ثمانمئة شخص، خمسمئة من الخيول المسرجة وعشرات من أبقار البيسون» سيتجول “عرض الطبيعة البرية للغرب” ليمر عبر اللورين، إيطاليا، بريطانيا العظمى، وكل بلد كان يعتبر متحضرا في ذلك العهد. في كل مكان، أمام مدرجات تستقبل 20 ألف متفرج، كان يحفر في القلوب والذاكرات الفتح العظيم لأميركا، ذلك الفتح الذي توجب خوضه ضد سكان أصليين شرسين يرتدون الريش.

عندما توفي في عام 1917، مريضا وقد تقادمت موضته بلحيته المُبْيَضة الصغيرة، ما كان على هوليوود إلا استغلال ما يحلو لها من ذلك الخزان من الصور النمطية.

ولد المقدام وليام فريدريك كودي الذي كان يتباهى بقتله لـ69 من أبقار البيسون في يوم واحد، في ولاية إييُوا في 1846. كان ليبقى أحد أولئك الثرثارين الذين يعمرون صالونات (حانات) الغرب، لولا أنه “حكى مغامراته، عن طريق الصدفة، بين كوبين حارقين، إلى نيد بونتلاين، الذي جعل منها رواية بخسة الثمن”.

منح إيريك فوييار لذلك التزييف حقلا مضادا من الأدب، تعاطفه السامي وحقيقته العميقة والكئيبة في نفس الآن

هكذا سقطت عليه الشهرة من فوق. الجماهير تريد أن تشاهده مباشرة. ألهمه ذلك على الفور، الفكرة العبقرية بتوظيف هنود حمر حقيقيين: سيتينغ بول الحقيقي، «الحصان الأخير لزعيم الهنود الحمر» الحقيقي، الناجون الحقيقيون من مجزرة “الركب الجريحة”. لا يهم إن كانت هذه المذبحة الشنيعة ستأخذ، عند تمثيل مشاهدها، شكل معركة بطولية. المهم أن يتمكن الجمهور من الهتاف بالسب والشتم لـ”ذوي البشرة الحمراء” الحقيقيين. المهم هو تحقيق «أكبر خديعة عبر كل الأزمنة». المهم هو تحويل الإبادة الجماعية إلى فرجة مربحة.

قوة المحاكاة هذه التي تقشعر لها الأبدان هي محور التحفة الوجيزة لـ”فوييار”، الذي قال عنه غريغوار لوميناجي بصحيفة “بيبليوبس”: “إنه لن يوقف الأطفال عن لعب لعبة الهنود الحمر. فهو ليس له إلا الكتابة ليشق الأسطورة ويجعلها تتصدع. لكن كتابته تمتلك تلك الدقة الاستثنائية العجيبة لصفوة القناصة من رعاة البقر المهرة. إنها تستعرض بالتناوب، أسلوب المثقف العليم، الكاسر القاطع، والمتعاطف. إنها تؤكد التجليات البصرية التي كانت تسمح لنا برؤيتها كتبه السابقة عن الاستعمار والحرب الكبرى، حيث كان دوما ينبش عن الجذور الدموية للغرب المعاصر: فوييار هو أحد كتابنا الأكثر دقة ورقة. إنه سر غاية في الكتمان”.

15