إيرينا بوكوفا أول امرأة تترأس اليونسكو وتنأى بها عن الإملاءات

الأحد 2014/09/21
إيرينا بوكوفا منحت منظمة اليونسكو وجها جديدا وحضورا مغايرا

ظلت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) منذ تأسيسها عام 1946 حتى عام 2009 تخضع لإدارة رجالية؛ إذ توالى على منصب المدير العام تسعة رجال تباعا، وفي عام 2009 ظفرت إيرينا جورجيفا بوكوفا بهذا المنصب لتكون أول امرأة تتمكن من كسر هذا المسار الرجالي في الإدارة العامة لهذه المنظمة الدولية العريقة وذلك لمدة أربع سنوات ثم أعيد انتخابها لولاية ثانية عام 2013، وبهذا الانتخاب برهنت بوكوفا أن المرأة قادرة على تحمل مسؤوليات ذات أبعاد دولية وإنسانية عميقة ساعية لتحقيق أهداف اليونسكو المتمثلة في بناء السلام، والقضاء على الفقر، وتحقيق التنمية المستدامة، وإقامة حوار بين الثقافات، من خلال التربية والعلوم والثقافة والاتصال والمعلومات..

إرينا بوكوفا سياسية بلغارية ليست غريبة عن العمل الإنساني والمنظماتي وهي أيضا ليست غريبة عن المنظمة فقبل توليها منصب المدير العام كانت عضوا في المجلس التنفيذي لليونسكو منذ عام 2007، كما شغلت منصب نائب رئيسة المجموعة الفرنكفونية للسفراء لدى هذه المؤسسة التابعة للأمم المتحدة والمكلفة بالعناية بشؤون التربية والعلوم والثقافة والتراث، ولعل انتخابها في منصب المدير العام لليونسكو يجد مبرراته في أكثر من هاتين الخاصيتين، لأن بوكوفا تحملت عديد المسؤوليات في مناصب سياسية ودبلوماسية ولها شهادات علمية تتمحور حول العلاقات الدولية كما أن لها تجربة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، فهذه المسيرة الثريّة والمنفتحة والمتنوعة جعلتها مؤهلة أكثر من غيرها للاضطلاع بهذا المنصب.

تجربة إرينا بوكوفا السياسية ثرية انطلقت منذ عام 1977 بوزارة الشؤون الخارجية البلغارية حيث كُلفت بقضايا حقوق الإنسان، ثم عيّنت مسؤولة عن الشؤون السياسية والقانونية في البعثة الدائمة لبلغاريا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وكانت من بين أعضاء الوفد البلغاري الذي شارك في مؤتمرات الأمم المتحدة المعنية بالمرأة وتحقيق المساواة المنعقدة في كوبنهاغن عام 1980 وفي نيروبي عام 1985 وفي بيجين عام 1995.

وانتخبت بوكوفا نائبة للحزب الاشتراكي في البرلمان البلغاري في فترتين الأولى بين عامي 1990-1991 والثانية 2001-2005؛ حيث شاركت في صياغة الدستور البلغاري الجديد الذي ساهم إلى حد كبير في انضمام بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي. وأنشأت أول حلقة تدارس للجمعية البرلمانية التابعة لمجلس أوروبا بشأن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، وطوال حياتها العملية المتميزة سعت إلى تحقيق التكامل الأوروبي، وباعتبارها مؤسسة ورئيسة المنتدى السياسي الأوروبي عملت على تجاوز الانقسامات في أوروبا وتعزيز قيم الحوار والتنوع وكرامة الإنسان وحقوقه.

إيرينا بوكوفا من مواليد 12 يوليو 1952 كانت في بداياتها من التلاميذ المتفوقين في دراستهم وباشرت تعليمها في المدرسة الثانوية الإنكليزية بصوفيا عام 1971، والتحقت بمعهد موسكو للعلاقات الدولية، ثم حصلت على منحة للدراسة في جامعة ميريلاند في الولايات المتحدة، كما التحقت بكلية جون ف. كينيدي في جامعة هارفارد، وفي رصيدها الأكاديمي قائمة طويلة من الشهادات العلمية فهي حاصلة على ماجستير في العلاقات الخارجية من معهد الدولة للعلاقات الخارجية بموسكو عام 1976، كما أنها درست بجامعتي هارفارد في “كلية جون كنيدي للدراسات الحكومية “، من خلال متابعتها لبرنامج في مجال “القيادات والتنمية الاقتصادية” (نوفمبرـ ديسمبر 1999)، وبجامعة ميريلاند بالولايات المتحدة الأميركية في كلية الشؤون العامة، بواشنطن، وقد درست البرنامج الخاص بآلية اتخاذ القرارات في إطار السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية (ينايرـ أغسطس 1989)، كما دخلت في برنامج الزمالة بالحلف شمال الأطلسي المخصص لأوروبا الوسطى والشرقية بشأن المؤسسات الديمقراطية التي تستهدف الآليات القانونية لحماية الأقليات (سبتمبر 1992 ـ يناير 1994).

منذ عام 2009 بدأت اليونسكو تعود تدريجيا لاستقلاليتها في القرار وبدأت تنأى عن تنفيذ الرغبات والإملاءات الأميركية

تتقن بوكوفا عدة لغات (البلغارية والروسية والإنكليزية والفرنسية والإسبانية)، وتولت مناصب دبلوماسية وكانت أول نائبة لوزير الخارجية والمنسقة الرئيسية لعلاقات بلغاريا مع الاتحاد الأوروبي وعملت وزيرة للخارجية من يونيو 1995 حتى فبراير 1997، كما شغلت منصب سفيرة جمهورية بلغاريا في كل من فرنسا وموناكو، والممثلة الشخصية لرئيس جمهورية بلغاريا في المنظمة الدولية للفرنكوفونية، والمندوبة الدائمة لبلغاريا لدى اليونسكو فيما بين عامي 2005 و2009.

هذه الخبرات إلى جانب المستوى العلمي المرموق والقدرة والرغبة في التواصل وفي بناء سبل الحوار وأسسه أينما حلت وأينما عملت جعلت إيرينا تصدّر للعالم صورة للمرأة الشغوفة بالاتصال والحوار والقادرة على بناء جسور التواصل بين مختلف الأطراف، صورة جعلت عديد الجهات الدولية تكرمها وتقلدها أوسمة وألقابا عديدة وقد حصلت على عدد هائل من الأوسمة الدولية وعدد من الشهادات الجامعية التكريمية.

نشرت بوكوفا عام توليها منصب مدير اليونسكو تأملات حول رؤيتها للمنظمة ولمستقبلها تقول في نصها: “لقد قمت بزيارة 45 بلدا وتحدثت مع مختلف رؤساء الدول والحكومات والوزراء والمثقفين والفنانين، وزرت عشرات اللجان الوطنية كما زرت مكاتب اليونسكو في أبوجا وبانكوك وإسلام آباد وكنغستون ونيودلهي وسانتياغو دي شيلي، وإني مقتنعة أنه من المؤكد أن الحوكمة العالمية للقرن الحادي والعشرين تمثل التحدي الأعظم الذي يواجهه عالمنا اليوم. وينبغي لنا أن نقود العالم إلى حقبة جديدة تنطوي على إرساء السلم وإعلاء القيم الانسانية وأن ننشئ مجتمعات أكثر استيعابية وأكثر عدلا بفضل تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة تقوم على المعارف والعلوم والابتكار وتهدف إلى خدمة البشرية وإلى صون البيئة، وإنني مقتنعة تماما بأن اليونسكو وإن كانت ذات رسالة كونية عليها أن تستمر في إيلاء أعلى درجة من الأولوية لأفريقيا ولا سيما في مجال التعليم..”.

هذه السطور تلخص عموما استراتيجية عمل بوكوفا وبرنامجها على رأس منظمة اليونسكو في بداياتها وهي تسعى لتحقيق أهداف المنظمة عموما وإلى تحقيق أهداف مرتبطة بالتطورات والأحداث الدائرة في العالم، ومن المعلوم أن المنظمة التي تضم 193 دولة عضوا وستة أعضاء منتسبين قد أصبحت اليوم تتسم بمزيد من الديمقراطية والعالمية والانفتاح على مجالات التعاون مع المجتمع المدني، وأن مهمتها المحددة في ميثاقها التأسيسي تظل مناسبة للوقت الراهن حيث تشكل إقامة مجتمعات المعرفة ضرورة لا بديل عنها، وحيث تشكل الثقافة عنصرا أساسيا في أي نقاش حول التنمية، وحيث يمثل العلم والابتكار معلم العصر الجديد لمستقبل البشرية في جميع الميادين الاجتماعية والبيئية مثل المياه والتغيير المناخي، وحيث يشكل الحوار والتسامح واحترام التنوع قيمة إنسانية جديرة بالاهتمام الشديد في ظل موجات التطرف التي غزت العالم اليوم ودمرت عديد الدول وأدخلت أخرى في دائرة الحرب والاقتتال.

تقول بوكوفا: "إنني مقتنعة تماما بأن اليونسكو وإن كانت ذات رسالة كونية فعليها أن تستمر في إيلاء أعلى درجة من الأولوية لأفريقيا ولا سيما في مجال التعليم.."

كما تمتلك اليونسكو أداة فريدة لتعبئة الرأي العام والأوساط الفكرية والأكاديمية والاجتماعية وكذلك السياسية حول سياساتها، وهي اللجان الوطنية الموجودة في عديد الدول وفي فروع المنظمة وهي قادرة على دعم برامجها ما جعلها تحظى بالقبول، كما أن عملها على الصعيد الإنساني وفي مجالات حساسة مثل التعليم والتربية والثقافة يجعلها قادرة على التأثير على المتعاملين معها سواء كانوا أفرادا أو مجموعات، هذه الأداة تجعل المنظمة مطمعا يثير رغبة الدول القوية في السيطرة عليها لدعم نفوذها في جميع أنحاء العالم ولتمرير مشاريعها تحت غطاء منظماتي وقانوني.

وهو ما جعل الولايات المتحدة الأميركية مثلا تحاول من خلال مساهمتها بنسبة هامة في الموارد المالية للمنظمة ومن خلال ربط علاقات جيدة مع إدارتها، السيطرة عليها وبسط نفوذها وآرائها وتتدخل في برامج هذه المنظمة الدولية وسياساتها بما يخدم مصالحها السياسية أو الاقتصادية، وقد خضعت المنظمة في مراحل عديدة لسيطرة أميركية تجلت في قراراتها وبياناتها التي توصف بغير الموضوعية لكونها تساند طرفا على حساب آخر أو تتغاضى عن المصادقة على قرارات وقوانين دولية من شأنها أن تضر وتمس بشكل مباشر المصالح والمخططات الأميركية، وهو ما نأى باليونسكو عن مهامها الأساسية الإنسانية والثقافية والتنموية ووضعها في بوتقة الصراعات السياسية التي تتم في الخفاء بوسائل متعددة.

وبدا ملحوظا للعديد من الدول وللدول الأعضاء خاصة رغبة أميركا في السيطرة على اليونسكو واستجابة بعض قرارات الأخيرة لشروط الأولى، وهو ما يفسره الخبراء بسعي الولايات المتحدة الأميركية إلى إلغاء دور المنظمات الدولية أو اتخاذها واجهة تمرر من خلالها ما يحقق استراتيجيتها ومصالحها؛ فالتجربة الأميركية في العمل بمفردها وخارج الحظيرة الدولية تشير إلى أنها ستسعى بشتى الطرق للهيمنة على اليونسكو وتوظيفها لما يخدم مصالحها، خاصة أنها تملك الكثير من أوراق الضغط السياسية والاقتصادية.

غير أنه منذ عام 2009 بدأت اليونسكو تعود تدريجيا لاستقلاليتها في القرار وبدأت تنأى عن تنفيذ الرغبات والإملاءات الأميركية وهو ما يمكن أن نستخلصه من خلال قبول المنظمة منح العضوية الكاملة لفلسطين فيها عام 2011، وهو ما يتعارض تماما مع الرغبة الأميركية الحليف الأكبر لإسرائيل والتي رأت في هذا القبول من اليونسكو قرارا متسرعا وتحديا لها ولمصالحها ولمصالح حليفها في الشرق الأوسط، وتبعا لذلك وعقابا للمنظمة قررت أميركا حينها إيقاف دعمها المالي السنوي للمنظمة والذي بلغ 80 مليون دولار، أي ما يشكل 25 بالمئة من ميزانية اليونسكو متهمة إياها بأنها أقدمت على خطوة من شأنها أن تعرقل المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

واليونسكو هي أول منظمة تابعة للأمم المتحدة يسعى الفلسطينيون للحصول على عضوية كاملة بها وهي كذلك المنظمة الوحيدة التي منحت فلسطين عضويتها تحت اشراف إيرينا بوكوفا وإدارتها كأول امرأة ترأسها وهو مؤشر على التغييرات التي تشهدها المنظمة بإدارتها وإقدامها على مجابهة الضغوط الأميركية دون الخوف من تبعات ذلك خاصة على مستوى التمويل، ويرى محللون أن هذه الخطوة مثلت منعرجا في مسيرة اليونسكو في السنوات الأخيرة تؤكد أن إدارتها بلمسات نسائية تمكنت من تخفيف انحيازها للدول الكبرى على حساب البقية.

20