إيزابيل الليندي التي تعلمت لغة الحياة من تشيلي وبوليفيا وبيروت

الأحد 2015/05/31
إيزابيل الليندي كاتبة لم تخجل من قارئها فخطت كل أسرارها على الورق

مجبولة بصلصال الذاكرة الموجوعة، سرقت منها الدنيا فرحتها الأولى، أول من جعلها أماً، صبية في الثامنة والعشرين من عمرها، فكانت الصدمة الأعظم في حياتها وفاة ابنتها باولا في 1993 عن ثمانية وعشرين عاماً بعد دخولها في غيبوبة بسبب مضاعفات مرض البورفيريا، فالبنت المسجاة على سرير مشفى لم تعد في سبات، بل باتت تسكن في قبر، إذن كم هي كاذبة تلك الحياة، ولا يصدّقها سوى الأحمق، نحب، نكره، نهجر، نخان ونخون، ونتغطى بقش الشوق، لنتوهم الحياة، التي تسربت من بين أصابعنا باكراً.

إيزابيل وباولا

هكذا تصف إيزابيل الليندي الحياة، فالحقيقة الوحيدة والتي لا جدال فيها، موتنا، الموت، تلك القضية الجدلية التي حاول العقل البشري الاحتيال عليها منذ فجر الوعي والتي لم يستطع أبداً، لا أن يفهمها ولا أن يقهرها، فرسم خطوطه أثلاماً في أرواحنا على كل فقدٍ يوازي بصعوبته موتاً ما، أرادت الأم المكلومة أن تخط لابنتها بضعة أسطرٍ من أحداث ما جرى في سباتها لكن السطور طالت وطالت ولم تنته أبداً.

استمر المرض شهوراً، واكتشفت مع الوقت أن سطور الذكريات القليلة صارت كتاباً، صارت رواية أشبه بالسيرة الذاتية لعائلة كاملة حملت بين صفحاتها الكثير من التجارب التي مرت بها العائلة، خاصة وأنها تناولت فيها بتلقائية الأم وصدقها، سير أسلافها وبدايتهم في شيلي، عائلتها، وكل ما كانت شاهدة عليه بحكم قرابتها لأول رئيس يساري منتخب وكيف أطاح به انقلاب عسكري.

لم تنس الأم في روايتها أن تصور لابنتها حالة الانتظار القاتل الممزوج بأمل بدأ يتضاءل بأن تفتح جفونها التي طال إطباقها، ولكن بقي أجمل أجزاء تلك الرواية هو الجزء الذي تتحدث فيها إيزابيل لباولا عن مشاعرها، سواء في حياتها السابقة أو في انتظارها بجوار ابنتها، كعزف على الروح ممتلئ بالشجن والمحبة، لتتحدث فيها دون خجل أو تورية عن مشاعرها كأنثى في مراحلها العمرية المختلفة عن قصص مراهقتها وحبها وزواجها وتمردها على برد المشاعر الذي أصاب علاقتها الزوجية بالعطب.

صورة باولا مبتسمة، على غلاف روايتها تلك، تختصر أعمال الليندي، واتجاهاتها ومزاجها، تناولت أحداث حياتها بجرأة شديدة، لم تخبّئ جرماً، سواء كانت صاحبته أو شاهدة عليه، لا ترسم الشخصيات بصورة كاملة بل تترك جزءاً مبهماً غائباً كما الناس في الحياة لا في الروايات، تصرّح بأسماء الشخصيات مهما كانت شهرتهم دون أن تبرّر لهم أو تبرّر عنهم، لتنهي إيزابيل رسالتها في الرواية قائلة “وداعاً يا باولا المرأة وأهلاً يا باولا الروح”.

بتلك الرواية والتي أسمتها “باولا”، كانت إيزابيل الليندي قد أكملت مسيرة السنوات العشر كروائية محترفة في عالم الأدب رغم أحلك الظروف.

ساكنة بيت الأرواح

روايتها الأولى “بيت الأرواح” 1982 تبرز إيزابيل الليندي كروائية من العيار الثقيل، فقد عُرفت من خلالها في أنحاء العالم بعد إنتاج الرواية سينمائيا في العام 1994، وتحويلها إلى فيلم “بيت الأرواح” الذي يعد من روائع السينما ووثائقها الخالدة.

الأدب بالنسبة إلى إيزابيل الليندي لا يعتبر ترفا فكريا، فهو غاية الحياة كما تقول "ما لا أصوغه في كلمات، وأدونه على الورق سيمحوه الزمن" فالكتابة، في ذات الوقت تعبير عن الذات ومشتهاها وهي "تفحص طويل لأعماق النفس، رحلة إلى أشد كهوف النفس عتمة، وتأمل بطيء، إنني أكتب متلمسة في الصمت"

لم يكن الأدب بالنسبة إليها ترفاً فكرياً، بل كان غاية حياة وهي التي تقول “ما لا أصوغه في كلمات وأدونه على الورق سيمحوه الزمن” فالكتابة، في ذات الوقت تعبير عن الذات ومشتهاها وهي “تفحص طويل لأعماق النفس، رحلة إلى أشد كهوف النفس عتمة، وتأمل بطيء، إنني أكتب متلمسة في الصمت”.

ولدت إيزابيل ابنة مدللة لدبلوماسي تشيلي في الثاني من أغسطس من العام 1942، كان أبوها توماس الليندي سفيرًا، انفصل عن والدتها في عام 1945 لتعود الأم بأطفالها الثلاثة وتستقر في تشيلي، بعدها تزوجت والدتها من سفير آخر، وارتحلت العائلة من جديد، فنشأت إيزابيل الطفلة واليافعة والصبية بين بوليفيا ثم بيروت، حيث ارتادت المدرسة البريطانية الخاصة في بيروت، ثم عادت العائلة إلى تشيلي في العام 1958 لتكمل مرحلتها الثانوية وتلتقي بزوجها الأول ميغيل فرياس.

الترحال والتنوع الكبير في المشاهدات، يترك في ذاكرة الليندي الكثير من الاختلاف، فقد جمعت ثقافات مختلفة واطلعت عليها بالعين المجردة، ولم يكن ذاك اطلاعاً ثقافياً، بقدر ما كان حياة معيشة في بيئات تتميز بالتناقضات والفروقات الكبيرة عن بيئتها الأم.

زوج أمها السفير المتعاطف المحب، ساهم كثيراً ببناء ذائقتها الأدبية، وتوجيه أنظار الفتاة إلى قراءات جديدة من حضارات مختلفة، فقرأت “ألف ليلة وليلة”، ورسمت في مخيلتها مدناً ربطتها بأماكن بعيدة حلمت بالوصول إليها، فسحرت بهذا النوع من الكتب حتى أسماها زوج أمها “المهووسة بالأساطير”.

وعلى الرغم من أنها كانت تعتبر نفسها أشد المراهقات تعاسة في تاريخ البشرية، نظرا لتفاصيل حياتها وكثرة ترحالها، إلا أنها تمكنت في ما بعد من كتابة الكثير من الروايات مثل “الحب والظلال” و”إيفالونا” و”الخطة اللانهائية” وغيرها.

إرث العائلة السياسي لا يفارقها يوماً، فقد كان عم إيزابيل الليندي أول رئيس يساري منتخب ديمقراطياً في العالم، وقد نشأت شابة يسارية مُثقفة، الأمر الذي انعكس في خلفيات رواياتها، وفي بناء شخصياتها حيث بدا شديد الوضوح في روايتها “الحب والظلال” التي تحكي قصة جريمة سياسية ارتكبت في تشيلي بشخصياتها الحقيقية.

الحب المجنون

قبل أن تصبح إيزابيل الليندي شهيرة في عالم الرواية والأدب، كانت قد قابلت زوجها الأول ميغيل فيرياس ووالد طفليها، وتزوجته وهي لم تتجاوز بعد العشرين من عمرها، وعاشت كربة منزل صغيرة، ورغم طلاقها منه إلا أنها بقيت تحتفظ له بذكرى جميلة، ذكرى أيام الشباب والعنفوان والحب المجنون، ظهرت هذه الذكرى في أدبها فأطلقت اسمه على شخصية من شخصيات روايتها الشهيرة بيت الأرواح، فجعلته حبيب الحفيدة ووالد ابنتها.

يتفق الكثير من النقاد على أن كافة المتناقضات التي عاشتها إيزابيل خلال حياتها، تجسدت في رواياتها، حيث غالبا ما يتجاور الحب مع الموت، فهي تعتبر الاثنين، المنارتين اللتين تضيئان سفرنا في خضم المياه الهادرة المتدفقة للحياة، فالحب يدفعنا للإبحار إلى أمام وإن كان ذلك عاصفة في الظلام.

أما المنارة الثانية فهي الميناء الأخير الذي نتجه إليه جميعاً، وهو ما عبرت عنه بشكل جليّ في رواية “ابنة الحظ” التي كانت تعجّ بالشخصيات المسكونة بالحب وهاجس الموت، ورحلة طويلة تمتد لعقود تلخص الحياة بكل مباهجها وآلامها وتحتفي بالحب برغم المصاعب وتخلق الحياة وهي محاصرة بالموت من كل جانب، وهذا بالضبط ما تكرر أيضا في روايتها “الخطة اللانهائية” التي تتناول فيها حياة المهاجرين المكسيكيين بشكل غير شرعي إلى أميركا من خلال عائلة “كريكوري ريفز” ومعاناة تلك العائلة وأفراحها الصغيرة على مدى ستة عقود.

الأدب يغزو حياة إيزابيل في فينزويلا، حيث عملت صحفية في جريدة كاراكاس إل ناسيونال، بالإضافة إلى عملها كمعلمة في مدرسة ثانوية، حتى جاء صباح يوم الثامن من يناير من العام 1981 حين تلقت هاتفا من البلاد يبلغها باحتضار جدها الذي تحب، فتقرر أن تكتب له رسالة تطول لتتحول إلى روايتها الأولى "بيت الأرواح"

عالم الصحافة والمسرح

كما رسم التنقل في طفولتها خطوطاً عريضة في شخصيتها، وترك في شبابها طباعاً خاصة جداً تمثلت باستقلالية شخصيتها وفكرها وتعاطيها مع الحياة، تنقلت في الوظائف بين المدن والعواصم، وعملت في الصحافة، وفي إعداد البرامج التلفزيونية والوثائقية، الأمر الذي زوّدها بذخيرة من المعرفة العميقة، والتأثيرات التي ظهرت في كتاباتها لاحقاً، وبعيدا عن الصحافة والأعمال الأدبية عملت إيزابيل في منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة وفيما بعد في بروكسل وفي عدة مدن أوروبية.

في العام 1966 عادت إلى تشيلي، وبدأت العمل في هيئة تحرير مجلة “باولا” وفي العام 1973عُرضت مسرحيتها “إل إمباجادور”، وفي سبتمبر من نفس العام، حصل الانقلاب الدموي على عمها سلفادور الليندي الذي قُتل خلاله، ما ترك بصماته الواضحة على مسيرة حياتها فيما بعد، وشكل انعطافاً كبيراً في مسيرتها، فنفيت خارج البلاد واعتبرت جزءاً من النظام البائد، ولم تعد بعدها أبدا للعيش في تشيلي.

المنفى يغزو حياة إيزابيل في فينزويلا، حيث عملت صحفية في جريدة كاراكاس إل ناسيونال، بالإضافة إلى عملها كمعلمة في مدرسة ثانوية، حتى جاء صباح يوم الثامن من يناير من العام 1981 حين تلقت هاتفاً من البلاد يبلغها باحتضار جدها الذي تحبّ، فتقرر أن تكتب له رسالة تطول لتتحول إلى روايتها الأولى “بيت الأرواح”، ومن خلالها تدخل إلى عالم الأدب من بابه العريض.

نتاجها الأدبي والذي قيّمه النقاد على أنه مغرق بالواقعية السحرية، تراه من جانبها، واقعياً بالمطلق ومن وحي المعيش، تقول الليندي “إن لقصة واحدة ألف رواية وكلها صحيحة”.

صنعت إيزابيل الليندي لنفسها طقوساً ذاتية حين ترغب بالكتابة، فهي تجلس وحيدة لساعات طويلة، تضيء الشموع، تشعل البخور، وتستغرق في حالتها حتى تبدأ بخط أولى الكلمات، تعتقد الليندي أن أصعب جزء من الرواية هو الجملة الأولى، فما إن تنساب حتى يصبح العمل أكثر سلاسة، وأخف وطأة.

لم تختبئ خلف الأقنعة يوماً، في حديثها عن نفسها وعن نقاط ضعفها قبل قوّتها، لا تدّعي الإلهام أو التميز أو حتى التفرد، كما الكثير من الروائيين، تقول “قصتي تأتي إليّ، هي من تختارني، فأنا لا أبني القصة ولا أقرر نهايتها، وهي من تكتب نفسها”.

ترسم إيزابيل الليندي عالمها السري بصورة بسيطة غير متكلفة فتقول “إنني أمضي من عشر إلى اثنتي عشرة ساعة يوميا وحدي في غرفة للكتابة. لا أتحدث مع أحد ولا أتلقى مكالمات هاتفية. أنا مجرد وسيط أو أداة لشيء يحدث فوق إرادتي، أصوات تتكلم من خلالي، أخلق عالما روائيا ولكنه لا ينتمي إليّ. لست إلها؛ إنني مجرد أداة. ومن خلال هذا التدريب الطويل اليومي والمضني اكتشفت الكثير عن نفسي وعن الحياة. لقد تعلمت. وأنا لست واعية لما أقوم بكتابته. لأنها عملية غريبة؛ كما لو أنك من خلال هذا الكذب في الرواية، تتوصل لاكتشاف أمور صغيرة حقيقية عن نفسك وعن حياتك، وعن الناس، وعن كيف يدور هذا العالم”.

طاقة إيزابيل الليندي لا تتوقف فمنذ بداية رحلتها الأدبية والتي قاربت الأربعة والثلاثين عاماً، أنتجت ما مجموعه ثماني عشرة رواية، وهي من أكثر الروائيين الذين رشّحوا لنيل جائزة نوبل للآداب، حصلت على العديد من الجوائز، كان آخرها في نوفمبر الماضي، حيث قلدها الرئيس الأميركي باراك أوباما وسام الحرية الرئاسي في البيت الأبيض.

9