إيزاك فانوس الصانع في حضرة لاهوت الجمال

الأحد 2016/08/28
إيزاك فانوس أيقونة مصرية أخطأت زمنها

لندن - قد تكون صنعته هي سبب عدم تمتعه بالشهرة التي يستحقها رساما. كان المصري إيزاك فانوس رسام أيقونات. وهي صفة كانت بالتأكيد مصدر اعتزازه وسط طائفته. غير أنها عزلته وسخرت موهبته لخدمة أغراض كان الرسم قد تخلى عنها منذ خمسة قرون. عاد فانوس بالرسم إلى زمن الكنيسة.

كان هناك من بين رسامي مصر الأقباط مَن لم يبخل بعطائه على أبناء طائفته. في المقدمة يقف الرائد راغب عياد. غير أن فانوس كان يحمل وحده صفة رسام أيقونات، لا ينافسه فيها أحد.

لم يرسم الرجل سوى الأيقونات، فبالرغم من موهبته العالية وتربيته الفنية المنضبطة فإن الرجل ظل مسكونا بخيال وفكر وتقنية الأيقونة كما هي، وهو أمر فرض عليه شروط الإقامة وحده في الماضي السحيق، ماضي الحكاية الدينية حيث يرفل القديسون بحنان وشفقة وابتهاج جوقات الملائكة التي تحيط بهم.

ولأن الأيقونة بالتعريف المبسط لها هي صورة أو تمثال لشخصية دينية يُقصد منها التبرك فقد كان إيزاك يجد في ما يفعله نوعا من البركة. وهي بركة وهبت الرسم نوعا من الانتشار الشعبوي، غير أنه انتشار ظل محصورا بين أبناء طائفة بعينها. وهو ما حرم الفنان برضاه من حقه في أن يكون جزءا من المشهد الفني المصري، في زمن شهدت فيه مصر تألقا غير مسبوق للفنون.

نزعة المقيم في متحف

كان إيزاك في مرسمه أشبه بالرهبان العاكفين على دروسهم في العبادة في أديرتهم النائية. الصعيدي، ابن العائلة الميسورة ذات الاهتمامات الثقافية، الذي درس بالفرنسية وتعلم الرسم على أصوله وعاش في باريس وفلورنسا كان مسكونا بما يُسمى “لاهوت الجمال” أو لاهوت النور وهو ما لا يمكن تجسيده إلا عن طريق الرسم الأيقوني.

موهبته الواسعة التي وضعها في خدمة مشروعه الديني الضيق جعلته قادرا على أن يحدث التغيير المقبول والممكن في شكل وتقنية الأيقونة، غير أن ذلك التغيير ظل مرتبطا بالهدف الديني المشروط كنسيا.

فانوس لم يرسم سوى الأيقونات، فبالرغم من موهبته العالية وتربيته الفنية المنضبطة فإن الرجل ظل مسكونا بخيال وفكر وتقنية الأيقونة كما هي، وهو أمر فرض عليه شروط الإقامة وحده في الماضي السحيق

جسد إيزاك في كل ما فعله في حياته مفهوم الفن القبطي. وهو فن لم يتخط عتبات الكنائس. هو فن ينتهي بأداء مهمته الدينية، درجة من درجات العبادة.

لذلك يمكن اعتبار فانوس نوعا من الراهب الذي كان في إمكانه أن ينقل شيئا من رهبنته إلى الفن المصري غير أنه لم يفعل.

ولد فانوس عام 1919 بعد الثورة المصرية بأشهر في قرية أبا الوقف وهي إحدى قرى محافظة المنيا بصعيد مصر. كان أبوه واحدا من أكبر تجار الأقمشة في سوق الحمزاوي وسط القاهرة أما أمه فقد كانت محبة للفنون وهو ما انتقل كالعدوى إلى أبنائها الثلاثة.

الأكبر هو رياض شحاته الذي صار مصورا خاصا للملك أحمد فؤاد الأول. والابن الثاني درس الفنون وصار في نهاية حياته مديرا لمتحف محمود مختار.

أما ابنها الأصغر وهو إيزاك فقد التحق بكلية الفنون التطبيقية وتخرج منها عام 1941 ثم حصل على دبلوم فنون من معهد التربية الفنية للمعلمين في قسم الرسم عام 1946.

الأيقونة القبطية

غير أن نزعته الدينية دفعته إلى الالتحاق بمعهد الدراسات القبطية وكان في الوقت نفسه يمارس التدريس، ليسدد نفقات عيشه ودراسته. تخرج من ذلك المعهد عام 1956 ليسافر بعد عشر سنوات إلى باريس دارسا فن رسم الأيقونات وترميم الآثار. وبعد باريس سافر إلى إيطاليا ليتخصص في مجال دراسة الأيقونات القبطية فحصل عام 1975 على درجة الدكتوراه من أكاديمية الفنون بفلورنسا.

صلح ينبع من قناعة روحية، تلحق الفن بالدين

بعد عودته إلى مصر عمل رئيسا لقسم الفن القبطي بمعهد الدراسات القبطية. كان لمعلمه الروسي ليونيد أوسبنسكي تأثير كبير في تطوير معرفته بالفن القبطي وطرق تذوقه، كما ساهم أصدقاؤه ومنهم راغب عياد في تعميق صلته بذلك الفن من خلال السماح له بالتواجد المستمر في المتحف القبطي، هناك حيث وجد الفنان ضالته الروحية.

وكما أرى فإن الفنان لم يغادر ذلك المتحف في كل ما فعله من حياته. كان هدف حياته أن تكون رسومه جزءا من مقتنيات ذلك المتحف الذي يعتبره الرئة التي يتنفس من خلالها الأقباط هواء تاريخهم.

لقد قدم إيزاك المؤمن الذي يسكنه على الرسام الذي اجتهد كثيرا في تطوير أدواته الفنية. فأخضع الرسام لكل ما تتطلبه حياة ذلك المؤمن من فروض للتعبير عن عمق وحقيقة الانتماء الديني.

ما قدمه هذا الفنان كان خالصا للكنيسة من أجل دعم مهمتها في تطويق رعيتها بأساليب جمالية تعيدها إلى زمن المسيحية الأول. ما أنجزه فانوس في ذلك المجال لا يمكن إحصاؤه بيسر. هناك عدد كبير من الأيقونات وأعمال الموزائيك والفريسكو (الرسم الحائطي) ونوافذ الزجاج الملون في العديد من الكنائس التي تشير إليه رساما كبيرا، كان يمكنه بقليل من الحرية أن ينقل الرسم الديني من فضائه الضيق إلى المشهد الفني المصري بكل ما عرف عنه من تنوع في الأساليب والموضوعات.

واجهة كنيسة القديس مار جرجيس بميت غمر، مزار القديس مرقص بالكاتدرائية المرقصية الكبرى في القاهرة، كنيسة مار جرجيس بالإسكندرية، كنيستا مار مينا ومار بولص بطنطا. مزار القديس مار مرقص بالإسكندرية، كنيسة السيدة العذراء مريم بجاردن سيتي بالقاهرة وسواها من الأماكن الدينية في مختلف أنحاء مصر تذكر بمرور ذلك الراهب الذي ترك أثرا جماليا نفيسا يذكر به.

فن لم يتخط عتبات الكنائس
لم يقتصر نشاط فانوس على مصر؛ لقد حمله الأقباط المصريون معهم أينما رحلوا. رسومه تحتل مكانا بارزا في عدد من كنائسهم التي أقاموها في الخارج؛ كنيستا القديس مرقص في لندن ونيوجرسي، كنيسة العذراء والأنبا انطونيوس بحي كولينز بنيويورك. كما رسم الفنان أيقونة قبطية قدمها باسم مصر هدية لمبنى الأمم المتحدة عام 1987.

عزلة كالسجن

لقد ضحى فانوس بمكانته في الوسط الفني التي كان من الممكن أن تضعه في الصف الأول من الفنانين الرواد من أجل أن يربح ما كان يحلم به؛ أن يكون أيقونة لبني طائفته الأقباط، وهو ما تحقق له. صار أيقونتهم التي يسافرون بها بفخر حول العالم.

لم تكن لدى إيزاك فانوس أي مشكلة في ما يتعلق بالنتائج التي انتهى إليها.

كان صلحه الداخلي عميقا، وهو صلح ينبع من قناعة روحية، تلحق الفن بالدين. وهي فكرة تجاوزها الفن مثلما تجاوزتها الحياة. هي ذاتها الفكرة التي تطرح مفهوم الفن الملتزم الذي تبنته الأحزاب الشيوعية.

وإذا ما كان فانوس قد عاش طويلا (توفي عام 2006) بما أهّله لرؤية تألق وانحدار مختلف التيارات والمدارس الفنية فإنه ظل مقيما في صومعته المجازية، في عزلة تكاد تكون أشبه بالسجن العقائدي.

كان قبطيا بعمق إيمانه. لم تكن فكرته عن الرسم تتجاوز حدود الأيقونة. كان العالم كله يقيم هناك، في الأيقونة. وهي فكرة دينية حرمته من رؤية العالم كما هو، بل أهدرت موهبته في الرسم حين حولته إلى صانع أيقونات. فإيزاك الذي عاش في القرن العشرين كان في حقيقة ما فعله ينتمي إلى عصور سبقت عصر النهضة الأوروبية بقرون. إنه ابن المسيحية الأولى.

10