إيطاليا تحتفي بالكوميديا الإلهية في خضم الجائحة

معراج ثقافي يصالح بين الديني والدنيوي في التصدي لكورونا، و"جحيم دانتي" قراءة تطهيرية تخفف من جحيم الوباء في زمن التوجه إلى السماء.
السبت 2020/04/11
قراءة تطهيرية تخفف من جحيم الوباء في زمن التوجه إلى السماء

"ليس هنالك من حزن أقسى من تذكر لحظات السعادة في اللحظات المأساوية"، تلخص كلمات الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري، حال الناس اليوم في مختلف أنحاء العالم، وهم يعيشون تجربة العزل القسري بسبب جائحة كورونا. يحرّض دانتي بمقولته هذه وبمؤلفه الذي اقتبست منه، “الكوميديا الإلهية”، إحدى الروائع التي طالما أشاد بها الناس، على البحث عمّا يخفف من جحيم الوباء، في زمن التوجه إلى السماء.

أطلقت وزارة الثقافة الإيطالية أواخر شهر مارس اليوم العالمي للشاعر دانتي أليغييري (1265 - 1321)، وذلك قبل عام من موعد الذكرى السنوية الفعليّة (الــ700) لصاحب “الكوميديا الإلهية”.. فـ”لم الاستباق والاستعجال إذن؟” يسأل سائل.

يأتي هذا في خضمّ معاناة البلاد من جائحة كورونا، وفي الوقت الذي تلغي فيه أهمّ المهرجانات العالميّة فعالياتها، أو تؤجّلها إلى حين انقضاء انتشار هذا الوباء. لا شك أن لهذه المبادرة أكثر من معنى ودلالة ورمزية، من مواطني الزعيم التاريخي غاريبالدي (1807ـ1882) الذي وحّد البلاد عبر جميع أولئك الذين يقاومون من موقع الضعف المادّي ويستطيعون الانتصار بفضل القوة المعنوية التي يتمتعون بها.

ما أرادت وزارة الثقافة الإيطالية قوله في دعوتها جمع الناس المنكسرين بفعل هذه الجائحة، إلى التوحد والالتقاء عند أهم شاعر في تاريخ البلاد من خلال فعاليات وقراءات لأشعاره على مواقع التواصل الاجتماعي، هو أن هذا الإرث الروحي الكبير في دولة تضم الفاتيكان، يجب أن يُعبّأ ويُوظف لمقاومة الوباء والانتصار عليه.

يحدث هذا والناس يعبرون من “بوابة الجحيم” التي جعلها دانتي مدخلا نحو الخلاص الذي يجب عليه أولا، أن يجد طريقه عبر الجحيم، كما ورد في الجزء الأول من قصيدته السردية ذات البعد الآسر، والمعروفة بـ”الكوميديا الإلهية”. الإيطاليون يلعقون جراحهم، ويستحضرون في عنفوان ثقافي قلّ نظيره، واحدا من أهم الأسماء التي أسست لنهضة أوروبا والعالم عبر مزج اللاهوت بالواقع، وإقامة جسر من التصالح بين الرباني والإنساني.. جسر لا يتقن بناءه إلا الإيطاليون الذين ينتهي عندهم طريق الحرير القادم من بلاد الصين.

الآلهة لا تمزح

مزج اللاهوت بالواقع
مزج اللاهوت بالواقع

لسائل أن يسأل، بعد القراءة الورقية أو المشاهدة الفيلمية لهذه الرائعة الفنية التي تحبس الأنفاس وتخطف الألباب: من أين جاءت لفظة “الكوميديا”، وكذلك “الإلهية” في هذه السيرة القاسية المفعمة بالأوجاع والعذابات في عالم ما ورائي، لا يقبل بالصفح وطلب الغفران. لقد حصل ما في الصدور، وما عليك إلا أن تواجه مصيرك مثل حقيقة لا تقبل الجدال.

الواقع أن دانتي، اكتفى في تسمية ملحمته بـ”الكوميديا” مقسما إياها إلى ثلاثة فصول: الجحيم، المطهر والجنة الأرضية والسماوية، أما عن صفة “الإلهية” فجاء ذلك بعد مرور ربع قرن من نشرها إذ أضاف الأديب الروائي بوكاتشيو جيوفاني، هذا التوصيف بقصد إضفاء التقديس والكمالية، حيث إنّ الملحمة اتّصفت بالطابع الديني ممزوجا بالطابع الإنساني، وذلك على عكس ما عرف عن ملحمتيْ
هوميروس، من مآس خطتها الأقدار وانساقت إليها مسيرة الإنسان بكل إرادته.

أما عن الكوميديا، فهي في مفهوم دانتي، عبور من الألم الذي يمثله الجحيم، نحو الفرح الذي يمثله الفردوس. هذا المفهوم لا يمكن إلا أن يستوعبه حامل أسلوبي، تمثل في اعتماد لغة فلورنسا العامية والميسرة، بعيدا عن الجزالة والتفاصح والاستعراض البلاغي.

وبما أن لكل حكاية مدهشة، قصة موازية، تسير في ظلها وتكشف أو تشي بأسباب وجودها، فإن لصاحب الكوميديا الإلهية، سيرة غريبة كانت السبب في رائعته تلك. إذ إن الشاعر، وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وقع في حب بيتريس بورتيناري، الأمر الذي شكل له دافعا لإنجاز هذه الملحمة.

منذ أن توفيت حبيبته حاول دانتي البحث عن موقع له في قسم الأدب اللاتيني. وتوجّه إلى دراسة الفلسفة، لكنه خرج بملحمة مكتوبة بالعامية، وتدير ظهرها إلى كل ما هو فصيح يدّعي الهيبة في واقع يعجّ بالمفارقات الكوميدية.

تبدأ رحلة دانتي بكل ما هو موحش ومثير للفزع متمثلا في عبارة منقوشة على باب الجحيم تقول “يا أيها الداخل هنا اترك وراءك كل أمل”، لكن هذه العبارة المرعبة، تخفي خلفها أعظم قصة حب على الإطلاق، إذ يعبر دانتي مع الشاعر فرجيل، رمز الحكمة الشعرية، ويتجول الاثنان معا في طبقات الجحيم السبع، وصولا إلى مربض الشيطان الذي يقع في أقصى وأبعد مكان عن الإله، ويعرف بـ”الزمهرير”.

ليس غريبا أن يُنصح بقراءة رائعة دانتي، في أيام الحجر الصحي، ضمن قائمة كتب تحفز القدرة على مقاومة اليأس والقنوط في إحالة إلى روحانية من نوع خاص

وفي مرحلة وسطى بين الجحيم والفردوس، يصل بطلنا إلى ما يشبه البرزخ، وهو “المطهر” ذو الطوابق السبعة، حيث يزداد الأمل في الفردوس بعد إعلان التوبة وبداية التخلص من رجس الجحيم وآماله.

وإذا ما نجت أرواح المتطهرين مما علق عليها من ذنوب، تترجل نحو عالم الجنان. وهنا يهتز الجبل كله في “الكوميديا الإلهية”، ويصبح الجميع ممجدين. حبيبة دانتي، التي سكنت روحه، تظهر إليه في هذه اللحظات عند قمة الجنة الأرضية. 

وهنا يودّع الشاعر الملحمي فرجيل، ليصحب محبوبته في السماوات السبع ذات الكواكب المتحركة، ثم يطيران إلى عرش الآلهة، وحوله تسع دوائر من لهيب، فيها جوقات الملائكة، تسبح لملكوت الإله وعظمته في ألوان ومناظر خلابة مبهرة، إلى أن يصلا إلى السماء العاشرة حيث تتكون من أربع مناطق تسكنها الأرواح الخالدة المضيئة.

الخاتمة تمثل عند دانتي، السعادة المطلقة، وبناء على هذا السلم التدرجي والمفهوم التفاضلي، شكل صاحب الكوميديا الإلهية رؤيته لمفهوم الكتابة الملحمية الجديدة، وفق شطحات لم يعرفها الذين سبقوه في الكتابة والاستلهام.

"جائحة فنية" خالدة

"الكوميديا الإلهية" لم تترجم إلى مختلف لغات الأرض فحسب بل ولعشرات المرات داخل اللغة الواحدة، مما جعل حتى الذين لم يقرأوها، يتحدثون عنها وكأنهم قرأوها أو شاهدوها، وذلك لكثرة ما استلهم منها رسامون وموسيقيون أعمالهم.

ويتفق نقاد ومتخصصون على أنها أعظم عمل إبداعي أنتجته أوروبا في القرون الوسطى، الأمر الذي يتباهى به الإيطاليون هذه الأيام على صفحات التواصل الاجتماعي، وذلك للتعبير عن سخطهم وغضبهم من تقصي البلدان الأوروبية في مساعدة إيطاليا على محنتها، مذكرين بأنه يكفي بلادهم فخرا أن أنجبت دانتي، موقد شرارة النهضة الأوروبية بأكملها.

ليس غريبا أن يُنصح بقراءة رائعة دانتي، في أيام الحجر الصحي، ضمن قائمة كتب تحفز القدرة على مقاومة اليأس والقنوط وتقوي المناعة ضد اليأس في إحالة إلى روحانية من نوع خاص، تدعو للتدبر في شأن الكون، وإقامة علاقة تشبه الصداقة مع الخالق، وتذكر دائما بالآية الكريمة “إن بعد العسر يسرا”.

عبور من الألم الذي يمثله الجحيم، نحو الفرح الذي يمثله الفردوس
عبور من الألم الذي يمثله الجحيم نحو الفرح الذي يمثله الفردوس

إن ما فعلته وزارة الثقافة الإيطالية منذ أيام من مبادرة لإحياء ذكرى شاعرها الكبير، والاستئناس برائعته الخالدة، والتسلح بها لمقاومة الوباء، تشبه ما ورد في “الكوميديا الإلهية” نفسها، عندما جاء فيها بأنه، وحين يتمكن اليأس من دانتى، يظهر الشاعر الروماني فرجيل، مؤلف “الإلياذة”، معلنا أنه جاء ليرشده، وذلك عند نزوله إلى الجحيم من البوابة المخروطية التي أنشأها إبليس أثناء السقوط.

وهنا يستدعي دانتي، آلهة الإلهام لإنقاذه، وهو أمر نكتشفه عند فصلي “المطهر” و”الجنة” في كتابه الذي يمثل اليوم جسر عبور نحو النجاة من فايروس كورونا المستجد، وفق ما ارتأته الجهات الثقافية الإيطالية التي لم تنس شاعرها الملحمي بعد سبعة قرون من غيابه.

ومن تستعصي عليه قراءة دانتي في هذا الحجر الصحي، فليكتف بالاستماع إلى رائعة الموسيقار فرانز ليست، الذي حاول أن يترجم هذا النص الملحمي إلى إنجاز موسيقي، وذلك من خلال عمله الشهير “سمفونية دانتي”.

التقدير والعرفان اللذان نالهما دانتي، جاءا على شكل أعمال فنية ودراسات فكرية استلهمت استشرافاته على مدار قرون، وتبناها كبار من أمثال أوغست رودان وسلفادور دالي إلى عزرا باوند ونيل غيمان.

وتلقى دانتي، نفسه، متأخرا نوعا من طلب السماح والاعتذار، على شكل ما يعرف بـ”الفداء الدنيوي” وكان ذلك في عام 2008، عندما ألغت مدينة فلورنسا في النهاية، نفي دانتي، القديم.

كيف التقى شيخ المعرة بصوفيّ فلورنسا

دانتي ورحلة الإسراء والمعراج
دانتي ورحلة الإسراء والمعراج

الفايروس الملعون سلك طريق الحرير أيضا، لكن سبقته، ومنذ مئات السنين، كتب ومخطوطات وزخارف وطرق طبخ وتفكير.. وبلا أدنى شك، “رسالة الغفران” التي ألفها رجل كفيف من بلاد العرب، اسمه أبوالعلاء المعري (973 ـ 1057)، وسببت إرباكا وجدلا كبيرين بين مصدّق ومكذّب، حول مدى تأثر دانتي، المؤمن الروحاني، في الكوميديا الإلهية، بالمعري العقلاني المتهم بالزندقة والإلحاد.

ومهما يكن من أمر، فإن الرجلين يلتقيان -وإن باعدت بينهما ثلاثة قرون من الزمن- عند سؤال وجودي ظل يؤرق الإنسان منذ نشأته، وهو الحياة في ما بعد الموت. الأطروحات والغايات مختلفة لدى كل واحد منهما، فالمعري، الذي لا يدين بغير العقل، ألف كتابه بقصد المحاججة الفكرية والسخرية من التصورات الحسية السائدة حول ثنائية الجحيم والنعيم بالإضافة إلى أنه جعل كتابه ذريعة لمطارحات نقدية وأدبية، بينما سلك دانتي، مسلك المتأمل الروحاني الباحث عن الخلاص في أتون العذابات التي تعصف بالذات البشرية في رحلتها نحو إدراك السلام المطلق.

أليس غريبا أن تأتي العقلانية من الشرق المتهم بالإغراق في الروحانيات، وتتجسد الميتافيزيقا الأخلاقية في عمل رجل يفوح إيمانا رغم أنه يعيش في غرب يتلمس خلاصه آنذاك، في الرهان على منجزات العقل البشري، سبيلا وحيدا للتخلص من هيمنة الكنيسة وغطرسة الإقطاع الحاكم باسمها؟

ولأن “الأسلوب هو الرجل” كما كتب الفرنسي جورج بوفون، فإن كلًا من المعري ودانتي، قد عاشا ظروفا مشابهة هي أقرب إلى العزلة والإحساس بالقهر والتهميش، فأبوالعلاء المعري، الملقب بـ”رهين المحبسين” ألف رسالته في عزلة أشبه بالحجر الصحي في أيامنا، لا يقلّ شعورا بالغربة من دانتي، الذي كتب الكوميديا الإلهية أثناء وجوده في المنفى بفلورنسا.

يبقى الفرق في أن الكوميديا الإلهية، هي أول عمل مهم يكتب بالعامية الإيطالية، وعلى طريقة “التيرزا ريما” وهى أبيات ثلاثية النغم اخترعها المؤلف، جعل دانتى بداية قصته في الخميس المقدس 1300 حين كان يبلغ 35 عاما من العمر، وأشار إلى بلوغه منتصف العمر في الأبيات الافتتاحية من القصيدة، بينما ركز أبوالعلاء المعري، في رسالة الغفران، على إبراز ما أسماه النص المحوري، وذلك لإبراز غرضها الأساسي الذي يحدده بنظرة عقلانية متفحصة للفكر والدين، ونقد السائد في عصره، من رؤى سطحية ساذجة للكينونة البشرية.

التشابه اللافت في الملحمتين، هو أن كلًا من المعري ودانتي قد سخرا وانتقما بل وتشفيا أحيانا من شخصيات واقعية وخيالية عرفها الاثنان بأسلوب لا يخلو من الضحك والاستهزاء، فهذا ابن القارح، بطل المعري، يتنقل في الجنة ويلتقي ويحاور عددا من الشعراء، منهم من غفر الله لهم بسبب أبيات قالوها كزهير بن أبي سلمى والأعشى وعبيد بن الأبرص والنابغة الذبياني ثم يلتقي الشعراء من أهل النار ويسامرهم.

المعري.. الحياة ما بعد الموت
المعري.. الحياة ما بعد الموت

أمّا دانتي ومرافقه الشاعر فرجيل، فيعبر تسع دوائر من الجحيم، في كل واحدة منها تزداد العقوبات شدة لتناسب حجم المعاصي، إذ يلتقي في الدائرة الأولى شخصيات أسطورية وتاريخية ماتت قبل ظهور المسيحية، لذلك لم يعمّدوا وفق الطريقة المعهودة. وتقبع في هذا القسم، شخصيات نبيلة وفاضلة مثل أفلاطون وأرسطو وجالينوس وابن سينا وشيشرون وأوفيد.

ويواجه دانتي أرواح الشهوانيين من بينهم تريستان الأسطوري وايزولت والشخصية التاريخية فرانشيسكا دا ريمينى ومعشوقها باولو. بعد مقتلهما من قبل زوج فرانشيسكا وشقيق باولو جيوفانى مالاتيستا، تجوب أرواحهما المكان بلا هدف ملتحمين معا كعقاب على الرذيلة. التصق الاثنان معا للأبد معبرين عن الوصف الوارد فى إنجيل متى “ما جمعه الرب لا يجب أن يفرقه إنسان”.. وهو ما يذكّر ـ في سردية المعري- بمشهد “صخر” شقيق الخنساء في رسالة الغفران حيث نراه مقيدا بكلاليب من نار تجسيدا لقول الشاعرة “وإن صخرا لتأتم الهداة به/ كأنه علم على رأسه نار”.

هذا الوصف الدقيق للجحيم من طرف دانتي ألهم في ما بعد صديقه الفنان جيوتو فرسم اللوحة الجدارية التي تصور يوم القيامة على جدران وأسقف كنيسة سكروفيني في بادوا. كان ذلك على إثر تفويض من قبل ابن رجل سيء السمعة ذكره دانتي في الدائرة السابعة للجحيم. وفي تلك الدائرة -بحسب ما جاء في الكوميديا الإلهية على حد تعبير دانتي- ينفض رجال معلقون على أعناقهم أكياس نقود، عن أنفسهم النار كما “تنفض الكلاب عن أنفسها الحشرات في الصيف”.

وعن الكوميديا الإلهية، يشير الباحث صلاح فضل، في كتابه “تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية لدانتي”، إلى أنّ هناك “تأثيرا منهجيا ملحوظا للثقافة الإسلامية عامة، ورحلة الإسراء والمعراج خاصة، في أفكار دانتي عن الحياة الأخرى”. وتناول الكتاب روايات الإسراء والمعراج باعتبارها مصدرا للكوميديا الإلهية، جنبا إلى جنب مع التراث الأدبي الصوفي لمحيي الدين بن عربي والمعرّي.

16