إيطاليا تلائم فضاءها العام لاستيعاب المسلمين في مجتمعها

الثلاثاء 2015/04/14
الإيطاليون يعبرون عن انفتاحهم بالسماح للمسلمين بالصلاة أمام كنيسة في ميلانو

يعتبر “الفضاء العمومي” من بين الأطر الأساسية لنقد العقل التواصلي للإنسان ودفعه نحو التأقلم مع القواعد العامة داخل المجتمع، خاصة تلك المثل العليا المتمثلة في الانفتاح والكونية والتنوع داخل إطار الوحدة.

وقد مثلت أطروحة هابرماس المتعلقة بالفضاء العمومي، الأرضية النظرية التي ارتكز عليها الباحث الإيطالي بارتولوميو كونتي في رصد التغيرات التي طرأت على المجتمع الإيطالي نتيجة الحضور المكثف للمسلمين فيه.

سبعينات القرن الماضي، هي الإطار الزمني لبداية التحول داخل بنية المجتمع الإيطالي خصوصا والأوروبي بشكل عام، عندما بدأت موجات الهجرة المكثفة من الدول المصدرة لليد العاملة تصل إلى الضفاف الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، تلبية لطلب أوروبا إلى المزيد من المهاجرين لمواكبة طفرتها الصناعية والخدماتية التي أنعشت اقتصادها إثر إصلاحات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا التوافد الجماعي الذي كانت أوروبا تحتاجه، أعاد صياغة تركيبة المجتمعات الغربية ومن ضمنها إيطاليا، التي عاشت بدورها تغيرات سياسية وقانونية لتأطير التنوع الذي طرأ عليها وخاصة فيما يتعلق بمسألة المسلمين، وهو واقع تعيشه إيطاليا إلى يومنا هذا.

الباحث بارتولوميو كونتي في دراسته المعنونة “الإسلام في إيطاليا: القيادات المسلمة بين الاندماج والانفصال”، أكد أن هجرة المسلمين إلى إيطاليا جعلت من الإسلام الدين الثاني بعد المسيحية. وهو معطى هام يعكس درجة حضور المسلمين (بكامل مكتسباتهم الثقافية والدينية) داخل المجتمع الإيطالي الذي يعتبر أكثر المجتمعات الأوروبية تديّنا ومحافظة لاحتضانه الفاتيكان: أعلى درجة دينية مسيحية في العالم.

توافد المسلمين إلى أوروبا، أعاد صياغة تركيبة المجتمعات الغربية وفق حجم وتأثير المسلمين الثقافي والديني
وقد طرحت مسألة الحضور المسلم ذو الكثافة العالية إشكالا بحثيا في علم الاجتماع الديني بعد أن رصدت أعين الصحافة والباحثين ملامح التغيرات العميقة في بنية ومنظومة المجتمع من الداخل، فالإسلام ليس فقط طُرق تعبّد وعبادات يمكن أن تتوقف عند دور العبادة والمساجد فقط، بل يتعدى ذلك ليكون ضمن المنظومة الثقافية للمجتمع الإيطالي بعد أن تجاوز الفضاء الخاص إلى الفضاء العام، وما طرحه ذلك من أسئلة قيمية محورها التسامح والتعايش وقبول الآخر.

الاستقرار في إيطاليا فكرة بدأت تراود أغلبية “القادمين من الجنوب”، خاصة أن الالتزامات المهنية وظروف العيش ساهمت في تثبيت الوافدين الجدد. وقد طرح هذا العامل موضوع التواصل بين جيلين مختلفين، أو متناقضين في بعض الحالات: الآباء والأبناء. ا

لسوسيولوجي الإيطالي كونتي طرح إشكالات تواصلية بين الجيل الأول للهجرة والجيل الثاني (من الأبناء) داخل الفضاء الإسلامي الخاص. فالمدارس الإيطالية لم تتفطن في البداية إلى مشكل اللغة والتكيف الثقافي والاندماج، ما جعل فرضية التصادم بين الأجيال تقترب من الحدوث فعلا.

حافظ المسلمون على تقاليدهم وعاداتهم والتزامهم الديني داخل أطرهم الخاصة، خاصة في المناسبات الدينية والأعياد وتقاليد الجنائز عند الموت والزواج والختان.

لكن هذه المحافظة بدأت تهتز عند توسع عدد العائلات وانخراط الأبناء في المدارس والمنظومات الاجتماعية والثقافية للإيطاليين، ليصبح الأمر داخل الفضاء الخاص أشبه بـ”الصراع بين أعضاء الجسد الواحد”، حسب تعبير الباحث. فقد أصبح التباين في السلوك ونمط التفكير واضحا بين عقلية الأصل الثقافي للرعيل الأول وعقلية الأبناء التي تتسم بالمحلية. وشيئا فشيئا، أصبحت محاولات تأطير الأبناء خارج الفضاء الخاص (يقصد بالفضاء الخاص: البيت، المسجد، الفضاءات الخاصة بالمسلمين…) تظهر، وأصبحت معها الاستحقاقات الثقافية والدينية واللغوية عناوين لتحركات المسلمين ومطالبهم وشعاراتهم.

أهمية النظر إلى مسألة الاندماج الثقافي للمسلمين داخل المجتمع الأوروبي بشكل عام، وخاصة الإيطالي، تستمد قيمتها من أهمية الإطار النظري في حد ذاته. فبالعودة إلى طروحات يورغن هابرماس (مؤسس نظرية الفضاء العمومي)، فإن التغيرات التي وقعت في أوروبا منذ القرن السابع عشر وما رافق تلك التغيرات من ثورات في الأفكار والعلوم والنظم السياسية والثقافية، إنما كان الفضاء العمومي مسرحا لها بامتياز. بعد أن اختمرت أفكار التنوير والثورة والبرجوازية داخل الفضاءات الخاصة برواد تلك الثورة، وهي أساسا الصالونات الأدبية والمقاهي السياسية والثقافية.

بالنظر إلى طرق الإدماج التي وضعتها المؤسسات الإيطالية للتقليل من نسبة التصادم بين الوافد والمحلي، فإن التعاطي مع المهاجرين الجدد دائما ما يكون عفويا وغير ظاهر
وقد ثمّن هذا الطرح القادم من مدرسة “فرانكفورت النقدية” موضوع التناغم بين ما هو خاص وبين ما هو عمومي ومفتوح، خاصة في المحتويات الإعلامية والاتصالية. ولعل موضوع اندماج المسلمين في فضاءات دينية وثقافية أخرى، يعتبر من المحاور التي يمكن دراستها بمنهجية الفضاء الخاص والفضاء العمومي.

ومن خلال هذه المقاربة، فإن تراكمات الصراع داخل الفضاء الخاص للمسلمين في إيطاليا، ونزوع موازين القوى لصالح الجيل الأول وهو جيل الآباء المهاجرين، سوف تؤدي إلى تصدير ذلك الصراع (الطبيعي) من داخل الفضاء الخاص إلى الفضاء العمومي والذي من ضمنه المدرسة والمعهد والجامعة والنوادي الشبابية وفضاءات اللعب والأسواق وتقاليد الأكل والمطاعم.. إلخ، وهو ما يطرح العديد من الإجراءات المرافقة لهذه الظاهرة الاجتماعية، أهمها الترجمة العملية لفكرة الاندماج وقيمة التسامح والتعايش من سياقاتها القيمية النظرية إلى إجراءات وقوانين وسياسات تنظم العلاقة بين المسلمين ومحيطهم، خاصة بعد أن أصبح المسلمون (عربا وغير عرب) مكونا رئيسيا من مكونات المجتمع والثقافة الإيطالية (الأمر نفسه تقريبا ينسحب على دول أوروبية أخرى مثل فرنسا وألمانيا وأسبانيا).

وبالنظر إلى طرق الإدماج التي وضعتها المؤسسات الإيطالية للتقليل من نسبة التصادم بين الوافد والمحلي، فإن التعاطي مع المهاجرين الجدد دائما ما يكون عفويا وغير ظاهر، للحفاظ على انسيابية التداخل بين منظومتين ثقافيتين مختلفتين، ترفق دائما بمؤسسات محيطة بالمهاجرين المسلمين مثل مدارس اللغة العربية والمساجد وإدخال أنواع الأكلات التي يأكلها المسلمون داخل المطاعم الإيطالية بشكل عادي، إضافة إلى تكوين الموظفين وأعوان الدولة على التعامل مع الأجانب تماما كما يتم التعامل مع الإيطاليين.

13