"إيغاد" تشرع في تسريع خطوات مكافحة الإرهاب

لدى غالبية دول "إيغاد" قناعة بأن هناك دوائر تعمل على توظيف التنظيمات المتشددة لإفساد ملامح السلام التي شاعت في المنطقة، وظهرت بصماتها في تصورات إثيوبيا مع إريتريا، والصومال حيال كينيا، والتقارب العام مع جيبوتي.
الأحد 2019/12/01
تحديات متعددة تتعرض لها منطقة شرق أفريقيا

بدأت حياة جديدة تدب في شرايين منظمة رؤساء دول وحكومات الهيئة الحكومية للتنمية بشرق أفريقيا (إيغاد)، وقد ظهرت خلال القمة التي عقدت في أديس أبابا الجمعة، بعد أن كاد دورها يندثر نتيجة عجزها عن وأد الصراعات أو تبني خطط محددة للتنمية منذ تشكيلها في بداية التسعينات، ما قلل من أهمية الفكرة التي قامت عليها وانطلقت من الرغبة في تحقيق السلام.

ناقشت أعمال الدورة 13 قضايا مكافحة الإرهاب ووقف نشاط الجهاديين في المناطق الحدودية، وتأمين الحركة البحرية من القرصنة، خاصة في منطقة خليج عدن والسواحل الصومالية في البحر الأحمر، حيث تنامت تهديدات تعرقل الجهود المبذولة حاليا لإيجاد تسويات سياسية مناسبة للكثير من النزاعات في القرن الأفريقي، ورفع مستوى التعاون على أسس تنموية مشتركة، وقيام بعض الجهات بدعم جماعات متشددة لعرقلة التصرفات التي تبذلها قوى إقليمية ساعية نحو تهدئة التوترات.

جاء اختيار السودان، خلفا لإثيوبيا، لرئاسة منظمة “إيغاد” كحل وسط لتجنب تداعيات محتملة تؤثر على المصالح المشتركة، حيث سعت كينيا وجيبوتي إلى الحصول على نفس المقعد الذي جلست عليه أديس أبابا لمدة عشر سنوات، وربما تكمن دلالة اختيار الخرطوم في تحولها إلى رمز صاعد ومبشر في عالم السلام، فانفتاح الحكومة على الحركات المسلحة في السودان لتسوية الصراعات يمثل دلالة جيدة تؤكد الإيمان بمبدأ الحلول الوفاقية.

تأتي أهمية قمة “إيغاد” في أديس أبابا من انعقادها وسط أجواء تشجع على الاتجاه نحو التعاون الإقليمي، وإمكانية الاستفادة من الفرص المواتية لتطوير مكونات التنسيق وحصد عوائد قيّمة تساعد الجميع على التخلص من ميراث طويل من حالات العداء. الأمر الذي لم يكن متاحا من قبل، فالمنظمة أخفقت في تقديم مبادرات جادة لإطفاء الاقتتال الذي عجّت به المنطقة، من الصومال إلى السودان، ومن إثيوبيا إلى جيبوتي، ومن أوغندا إلى إريتريا، بما سمح بتحوّلها إلى بيئة خصبة لحركات متطرفة، وجماعات عابرة للحدود، وجدت جهات كثيرة ترعاها، وتقدم لها مساعدات لتمديد أوار المعارك.

فشلت المنظمة، وبزغت مع الفوضى التي عمت الصومال، في أن تكون العنوان الرئيسي لحل الأزمات، بعد أن تدخل أعضاؤها في الصراعات، وأصبحوا أطرافا مباشرين في البعض منها، وهناك من ساعد على استمرار السخونة العسكرية، أو قام بالتدخل في أراضي دول مجاورة أعضاء في المنظمة ذاتها، ما أفقدها حياديتها المطلوبة، ونزع عنها دور القائد المخوّل له وقف المعارك والشروع في التسويات.

تتجه منطقة شرق أفريقيا إلى فاصل سياسي لعبت دول منضمّة إلى “إيغاد” دورا مهما فيه، مثل إثيوبيا، وساعدت دول من خارجها، مثل الإمارات والسعودية، على تشجيع منهج ربط السلام بالتنمية، بما أدّى إلى إطفاء بعض النيران، وسمح بمنح ملف الإرهاب أولوية، ليكون قاسما بين العديد من التوجهات، لذلك فعدم إيجاد وسيلة ملائمة للحد من انتشار العنف سوف ينعكس سلبا على التوجهات الساعية إلى تهدئة المنطقة.

لدى غالبية دول “إيغاد” قناعة بأن هناك دوائر تعمل على توظيف التنظيمات المتشددة لإفساد ملامح السلام التي شاعت في المنطقة، وظهرت بصماتها في تصورات إثيوبيا مع إريتريا، والصومال حيال كينيا، والتقارب العام مع جيبوتي، ناهيك عن الإجراءات المتخذة في كل من السودان وجنوب السودان لجلب السلام الداخلي، وتعظيمه في الحصول على سلام مشترك ينهي حقبة عميقة من الخلاف حول ملفات جوهرية.

أحسنت قمة أديس أبابا الأخيرة في التحذير من مخاطر الإرهاب، المتوقع أن تتزايد معالمه في شرق أفريقيا ما لم تتمكن منظمة “إيغاد” والدول الصديقة لها من التفاهم حول الرؤية العامة لمواجهة التحديات الناجمة عنه، لأن الموجة العنيفة الأولى خلال العقدين الماضيين، وقد تراجعت حدّتها حاليا، كانت كفيلة بتقديم دروس لمنع تكرار مآسيها الأمنية.

رفع مستوى التعاون على أسس تنموية مشتركة
رفع مستوى التعاون على أسس تنموية مشتركة

لكن ثمة ملامح لموجة تقوم خلالها تنظيمات متطرفة بمحاولة استعادة قيادتها عبر تنشيط الأذرع الإسلامية السياسية والعسكرية في المناطق الحدودية، عقب تقليص أدوارها في دولة مثل السودان، كانت قاعدة خلفية للكثير من الحركات الجهادية في المنطقة.

رمت إريتريا الخميس الماضي بحجر كبير في هذه المياه، عندما اتهمت قطر رسميا بـ”التورط في مخطط تخريب ضد أسمرة، والقرن الأفريقي، بدعم الإرهاب لضرب استقرار المنطقة بأسرها”، وهي إشارة بدت كجرس إنذار جديد على طبيعة المخاطر التي تنتظرها منطقة شرق أفريقيا برمتها، إذا عجزت دولها عن سدّه مبكرا، ولم تتخذ الإجراءات الكافية لوقف التدهور على هذا المستوى.

قالت أسمرة في بيان رسمي، إن الدوحة وضعت مخططا هدفه ضرب استقرار المنطقة عامة، وإريتريا خاصة، والتخطيط لهز استقرار منطقة شرق السودان، وتحديدا بورتسودان، والتي شهدت مواجهات عنف مؤخرا، وبدت أصابع بعض الحركات الإسلامية واضحة عليها.

يقوم المخطط القطري على توحيد بعض المعارضين من الإسلاميين، وجمعهم لتوسيع قاعدة الدعم والتأثير ضد النظام والسلطات الحاكمة في أسمرة، وتحريض المسلمين في إريتريا على الثورة والتمرد، وإفساح المجال للعمل العسكري في مخيمات تدريب بشرق السودان لعناصر من الإخوان المسلمين، يتمّ فيها التدريب على الأسلحة وزراعة الألغام والاغتيالات الفردية لشخصيات سياسية، بمعنى آخر تكريس العنف في المنطقة وإحباط المحاولات الجادة لوقفه.

وعدت وزارة الخارجية في إريتريا بتقديم المزيد من تفاصيل المخطط القطري، خاصة في شرق السودان، الذي يبدو أن الدوحة تسعى إلى تحويله إلى ما يُشبه القاعدة الخلفية للمزيد من الخلخلة في المنطقة، ومنع انهيار المرتكزات التي يتم الاعتماد عليها، بعد أن تلقت ضربات وعرة أفضت إلى تراجع فعاليتها المعتادة.

هذه واحدة من التطورات التي تبين أهمية التعاون بين دول “إيغاد”، وتكشف إلى أي درجة أن المرحلة المقبلة قد تكون حافلة بمفاجآت على مستوى ردود أفعال القوى المستفيدة من استمرار الصراعات والعمل على توسيع نطاقها، وعلى صعيد الدول المتضررة والتي تجد أن المنطقة لم تبارح الألم، بل هناك من يريدون القبض على زمام المبادرة، وجعل الإرهاب الرقم المركزي في المعادلة، وإفشال التحركات الهادفة إلى نشر السلام وتشجيع التنمية.

قدمت قمة “إيغاد” في أديس أبابا رؤية عريضة لتحديات متعددة تتعرض لها منطقة شرق أفريقيا، بما يستلزم ضبط الحدود، كقناة تتسرب منها الحركات الجهادية، وطريق ممهد لتلقي المساعدات الخارجية، ويساعد غلق المنافذ على تحجيم العبث بمقدّرات المنطقة، وهو ما يتطلب التوافق حول تفاهمات تعزز الخطوات الحالية لحل المشكلات البينية، وتمنح الفرصة لكل دولة حتى تتخطي خلافاتها الداخلية، فمواجهة المخاطر تتطلب لُحمة وطنية ثم إقليمية.

أصبح المجال مفتوحا لتحقيق تقدم كبير في هذا الفضاء، مع ارتفاع معدل اليقين بأن البحث عن السلام وعدم فصله عن محور التنمية هو السبيل للتغلب على الأزمات المتراكمة، والوحيد الذي يردع من يريدون بقاء المنطقة على فوهة بركان قابل للانفجار في أي لحظة.

ولذلك على السودان، كرئيس لهذه الدورة في “إيغاد” قيادة المنظمة بما يسمح بالتكاتف وتخطي المشكلات، لأن الدوران في حلقة الخطاب الإنشائي السابق سوف يمنع السلام، ويكبح التنمية، فهناك أعداء لن تبارح عيونهم المنطقة، ولن يرضوا بأقل من إشاعة الفوضى وتعميم الانفلات.

4