إيغون شيلا باعتباره متمردا

الاثنين 2014/08/11

لم يعش الرسام النمساوي إيغون شيلا ما يكفي من السنوات لكي تكون دورة حياته كاملة، غير أن ما تركه من رسوم يقول شيئا مختلفا. المتاحف التي تحتفي برسومه تقدمه باعتباره واحدا من أعظم رسامي عصرنا، ما بين عامي 1890 و1918 عاش شيلا حياة قصيرة، استهلك فيها كل ما هو متاح له من اللذائذ، وهو ما جرّه إلى فضائح اجتماعية لم ينج منها إلا بوفاته المبكرة.

لقد عاش شيلا حياته على السرير ليحلم في رسوم سينجزها عند الفجر بهاجس مَن قضى الليل كله مؤرقا بحكايات شبقية كانت قد تسللت إلى خياله من الكتب الممنوعة. كان شيلا في حقيقته منجم حكايات، كان يحلم في أن يراها مجسدة على الورق وعلى قماش اللوحة بعد أن كان قد نجح في أن يعيشها واقعيا، كان خالق حكاياته المحرمة. الرسام الذي كان الرسم فضيحته لم يكن يرى في ما يفعله إلا نوعا من إعادة تعريف الرسم من خلال الوجود المباشر.

لقد باغت شيلا الرسم بالحياة، حياته الشخصية المتمردة على كل إيقاع منضبط، رسم فتياته بأوضاع مبتذلة، غير أن الأهم من ذلك أنه كان قد رسم نفسه بطريقة يتمنى القيام بها كل رسام يحلم بالخلود، رسومه الشخصية الغزيرة كانت تكشف عن كرم في التعبير عن حقيقة علاقته بالرسم.

وهي علاقة سعى الكثيرون في عصره إلى أن يمزجوها بالإثم، هل كان شيلا يرسم نفسه باعتباره عابثا كبيرا؟ في ميزان شيلا الخاص لم تكن رسومه الشخصية إلا هدنة بين حربين، كان يخوضهما من أجل أن يخرج من متاهة لذته الحسية بعطر الأنوثة، وهو العطر الذي ينساب من رسومه في كل لحظة نظر.

لقد رسم شيلا نفسه بقوة إيحاء نسائه، شيء منه سيظل غامضا، ذلك هو الشيء الذي يصل بين رسومه الشخصية الكثيرة وبين ما كان يسحر فتياته ويجعلهن رهائن خياله الفاحش، كان شيلا عدوا مبكرا لمجتمع صار يشعر بالندم في ما بعد على غيابه.


كاتب من العراق


16