"إيفون أميرة بورغونيا" معارضة هزلية تمزج التراجيدي بالسخرية

الاثنين 2014/12/08
"إيفون" رمز لشخص يأتي من الخارج فيربك كل شيء

باريس- بعد ميشيما وجنيه وكالديرون، يواصل المخرج جاك فنساي الاشتغال على نصوص المؤلفين المعاصرين التي صارت من كلاسيكيات المسرح المعاصر، هذه المرة اختار “إيفون أميرة بورغونيا” للكاتب البولندي الشهير فيتولد غمبروفيتش، في أول عمل يستهل به مشواره على رأس مسرح الأولمبيا بمدينة تور.

رغم قلة أعماله السردية والمسرحية، يعد فيتولد غمبروفيتش (1904/1969) من كبار الأدباء والمفكرين في القرن العشرين، ممن كان لهم تأثير على بعض من صاروا أعلاما في الوقت الحاضر مثل تادوتش كانتور وميلان كونديرا.

درس الحقوق في وارسو حيث رأى النور، ثم الفلسفة والعلوم الاقتصادية في فرنسا التي استقر بها حتى وفاته، بعد غربة في الأرجنتين دامت ستة وعشرين عاما.

ولكن الغربة ومقاطعة أدبه ومسرحه أيام الاحتلال النازي، ثم في عهد النظام الشيوعي لم تحل دون احتفاء القراء والنقاد بأدبه، فهو أيقونة الأدب البولندي، مجدد تسكنه ثورة جامحة مشفوعة بالسخرية والفكاهة، يدين من خلالها انغلاق البشر في ثقافة ضيقة تمنع التفكير، ويفجر القوانين التقليدية في أشكال كلاسيكية مخادعة، ليقول إن الأبطال لا وجود لهم، وإن الكاملين يفيضون بالنقائص.

مسرحيته “إيفون، أميرة بورغونيا” هي أشهر مسرحيات غمبروفيتش وهي من عيون المسرح العالمي، عرضت في تسعة وعشرين بلدا أكثر من أربعمئة مرة، بنسبة تفوق نصف ما عرض من مسرحياته الأخرى، ما جعلها في مقام كلاسيكيات المسرح اليوناني. بدأ كتابتها عام 1933 واستغرق في تأليفها سنتين، لأنه، كما جاء في مذكراته، وجد صعوبة في توجيهها الوجهة التي يريد. كان يرغب في استثمار نفس التقنية التي سبق أن استعملها في قصصه، وتقوم على تناول ثيمة تجريدية، وأحيانا عبثية، كثيمة موسيقية.

مسرحية عن الرغبة والاشمئزاز اللذين يصبان في نفس الوجهة، فالاشمئزاز ليس نقيضا للرغبة، بل هو نفس البلبلة

نشرت أول مرة عام 1938 في مجلة سكامندر، ثم صدر ت عام 1958 في كتاب صمم غلافه تادوتش كانتور، أي بعد سنة من عرضها في المسرح الدرامي بوارسو، بإخراج هالينا ميكولاشكا وبطولة بربرا كرافتوفنا في دور إيفون.

ويعترف الكاتب أنه كتبها وفي ذهنه “هاملت” شكسبير، حيث عمد إلى صياغة معارضة هزلية يتصل فيها التراجيدي بمسرح الإضحاك المعاصر.تروي المسرحية قصة أمير يدعى فيليب صادف في إحدى جولاته فتاة جمعت كل العيوب، وأحس منذ الوهلة الأولى أنه لا يطيقها، وفي الوقت نفسه لم يحتمل أن يضطر إلى كرهها.

وفي لحظة اعتملت بداخله ثورة ضد قوانين الطبيعة التي تلزم الشبان على ألا يحبوا سوى الفتيات الفاتنات، قال في نفسه: “لن أرضخ للقوانين، سأحبها”، تحدى إذن قانون الطبيعة وقرر أن يتزوجها.

ولما عاد بها إلى القصر صارت عامل إزعاج وإرباك، ذلك أن صمتها وهلعها وبلادتها كشفت لكل واحد عيوبها، وسرعان ما تحول البلاط إلى حاضنة وحوش.

يقول غمبروفيتش في كتاب “الوصية”: “هي مسرحية عن الرغبة والاشمئزاز اللذين يصبان في نفس الوجهة، فالاشمئزاز ليس نقيضا للرغبة، بل هو نفس البلبلة، وما تثيره إيفون قريب من الرغبة، فاضطراب الاشمئزاز واضطراب الرغبة من نفس الطينة”. وبات الأمير والحاشية يضمرون لها الشر، ويعاملونها بسادية قبل أن يشتركوا في قتلها.

عملية القتل تلك تشبه إلى حد بعيد “قتل كبش الفداء الذي يسمح بحل أزمة ما لدى الجماعة”، كما يقول روني جيرار في كتاب “العنف والمقدس”، ففي هذا الحل بعد طقوسي هو التضحية، احتل موقعا في حفل انتظم على شرف إيفون، ليكون إطارا لقتلها.

ولكن الرهان يتجاوز مجرد تجميل الجريمة، فالوليمة هي الوجه الكارثي لحفل التضحية، الذي يعتبر بدوره تكرارا للإعدام التعسفي. ذلك أن جريمة البدء الجماعية، إذ وجهت العنف وجهة محددة، سمحت للمجموعة بالتشكل.

إن اختيار الأمير امرأة دميمة هو عمل عبثي سيدفع كل شخص إلى إفراز الاضطراب العميق الذي بداخله

إن اختيار الأمير امرأة دميمة هو عمل عبثي سيدفع كل شخص إلى إفراز الاضطراب العميق الذي بداخله. وفي هذا شبه ب “نظرية” بازوليني حول الشخص الذي يأتي من الخارج ويربك كل شيء. الجميع هنا “مصابون” بذلك الاضطراب وتلك الدمامة وذلك الانذهال الغريب. واختيار بطلة لا تتكلم (ليست خرساء)، هو نقيض الشخصية المسرحية.

ولكن جاك فنساي استطاع أن يؤثث الصمت والفراغ، ليصور باقتدار كيف يفجر غمبروفيتش الكوميديا السياسية والاجتماعية والوجدانية التي نمثلها في الواقع وإن بدرجات مختلفة، معتمدا على ممثلين بارعين مثل ماري ريمون (إيفون)، والشاب توما غونزاليس (الأمير فيليب)، وآلان فروماجيه (الملك إينياس ) وهيلين ألكسندريديس (الملكة مارغريت). هذه المسرحية تلخص بمفردها السخرية التي تميز أدب غمبروفيتش، وهي سخرية لاذعة تنفذ إلى ما وراء الأقنعة، فالإنسان في نظر الكاتب، هو أشبه برجل بدائي من العصر الحجري يتخفى تحت غشاء رهيف من الحضارة، ما جعل النقاد يصنفونها في خانة “مسرح القسوة”.

وفي المسرحية أيضا أصداء لهوس الكاتب بقضية الهيكل والتصور. فإيفون، تلك العجينة الرخوة عاجزة عن التماهي مع الواقع، فتصبح بسبب ذلك هدف السخرية والتندر لدى الجميع. ولكنها في الوقت نفسه، مرآة تعكس في كسلها وخمولها وقصورها الذاتي تصنع من يمقتونها، وتكشف عن زيفهم وخداعهم.

16