إيقاد شعلة أم ملء إناء

السبت 2015/10/03

لعلّ لنجاح الكاتب المبدع في نقل القيم التّربوية إلى حيّز الفنّ، وتمكّنه من تقديم عمل أدبيّ فنيّ متماسك ومنسجم على مختلف المستويات، أن يكون هو السبب الفعلي لما نلاحظه من اندفاع الأطفال نحو تلقّي الأعمال الأدبية والفنية غير الموجهة إليهم، أصلا، بحماسة وشغف.

ولعلّ لهذا الأمر أن يفسّر على الأغلب إقبال الصغار بدأب مثابر واستمتاع على قراءة النصوص والقصص، ومتابعة الأفلام وغيرها من الإبداعات المكتوبة والمسموعة والمرئية والمسموعة- المرئية غير الموجهة إليهم، والتي لم تكتب أو تنتج خصيصا من أجلهم، أو التي كتبت وأنتجت أصلا من أجل الكبار الذين إليهم توجّهت برسائلها.

إنّ كتبا مثل “ألف ليلة وليلة” و”كليلة ودمنة”، وسيرا شعبية مثل “الزّير سالم” و“سيف بن ذي يزن” و“عنترة بن شدّاد” و“الأميرة ذات الهمة”، وشخصيات مثل “جحا” و“علي بابا” و“السّندباد” لم تبتكر أو تكتب بعد أزمنة طويلة من تداولها الشّفهي لتكون زادا تربويا للصّغار أو عملا تعليميا أو أدبيا مخصصا لهم، ورغم ذلك؛ فإنّ هذه الأعمال والشّخصيات التي تسكنها تجذب الأطفال وتستهويهم.

تبثّ هذه الأعمال الأدبية وقائع وأحداثا لها بنيتها الفنية التي تتسم بالرّشاقة وسرعة الإيقاع، ففي مجالاتها وفضاءاتها الرّحبة تتحرّك شخصيات متميزة عميقة الحضور وهبها الرّواة على مرّ السّنين ملامح وسمات وطبائع وقدرات وميزات فنيّة جعلت منها “نماذج فنية دالة” قادرة على بثّ إشاراتها الفكرية والتربوية، من غير أدنى افتعال أو تلقين، وذلك لأنها في أصل وجودها نماذج فنية تشي بالواقع وتدلّ عليه، تجمع البساطة إلى العمق، وتضفر السذاجة بالحكمة، وتعكس الجوهري العميق ببساطة وانسياب وإيجاز، فتقول “العام” من خلال “الخاص”، وتمور بتطلّع لاهب نحو التّجاوز الدائم والتّخطي المستمر، وهذا على الأرجح هو السّبب الكامن وراء تكاثر الصّيغ الكتابية لهذه الأعمال من جهة، والذّهاب المتواصل صوب استلهامها من جانب الرّوائيين والشّعراء والرّسامين وغيرهم من المبدعين في أعمال إبداعية معاصرة مخصصة للكبار أو للصّغار، أو لكليهما معا من جهة أخرى.

إنّ النّظر إلى عقل الطفل بوصفه ورقة بيضاء ينبغي ملؤها بالكلمات المحمّلة بالقيم التربوية، وإلى وجدانه بوصفه وعاء ينبغي ملؤه بمزيج من الحكمة والموعظة الحسنة، وذلك من دون أي توجّه يستهدف إيقاظ ملكات الطفل الذهنية والشعورية ويسعى إلى تنميتها عبر تمكينه من إطلاق مخيلته وتفتيح آفاق مواهبه الإبداعية، إنّما يكشف عن نظرة ساكنة جامدة للحياة والعالم، ويدلّ من بين ما يدلّ عليه على فقر الملكة الإبداعية عند أصحاب هذه النّظرة الذين يقدّمون الأيديولوجيا الزّائفة دوما على الإبداع الأصليّ الخلاق، والّذين يخضعون الجمال للقيمة مسقطين قيمة الجمال، بالرّغم من سموّ هذه القيمة وعلوّ شأنها في حياة الإنسان ومستقبل وجوده، وهو الأمر الذي يوضح تاليا عجزهم عن إنشاء الكتابة، سواء أكانت هذه الكتابة موجهة للكبار أم للصّغار، وذهابهم الدّائم نحو كتابة الإنشاء التي تملأ الصّفحات، وتفرغ الأدمغة بما تملؤها به من فراغ، والتي تريد أن تقول كل شيء فلا تقول شيئا سوى عجزها عن قول ما تحتاجه الحياة، وما يستجيب لأشواق النّاس، ومن ضمنهم الأطفال، في تطلّعهم الدّائم صوب أفق أبعد، ومستقبل أسمى، وحياة أرحب وأجمل.

إنّ تعليم الطفل وتربيته، بمثابة “إيقاد شعلة لا ملء إناء”؛ وهذه المقولة التي نطق بها الكاتب الفرنسي ميشيل دي مونتين ذات يوم بعيد، وردّدها كتاب مبدعون وفنانون وعلماء نفس وتربية على مرّ السّنين، تعبّر عن الحقيقة أبلغ تعبير، فلعلّ أنصع دليل على نجاح الكاتب هو ذلك البريق الذي يشعّ من عينيّ الطفل وهو يقرأ كتابا له، إذ ينهض ذلك دليلا على أنّ الكتاب يزوّد الطّفل بمعين لا ينضب من النّور والدّفء.

لا ريب إذن أنّ استبدال ملء الإناء بإيقاد الشّعلة، إنّما هو عمل يحيل العملية التربوية التعليمية، بل عملية تنشئة الطفل، سواء أكان ذلك داخل البيت أم المدرسة أم خارجهما أم في نطاق المجتمع بأسره، إلى مجرّد نشاط مخيّ يسقط من اعتباره إمكانية إنتاج تجربة عاطفية محسوسة تستجيب إلى خصائص الطفل، وحاجاته الاجتماعية والنّفسية والذّهنية وغيرها من الخصائص والحاجات، التي تمكّنه من بناء هويّته الخاصة عبر ممارسة حضوره في مدارات وجود مجتمعيّ وفضاءات إنسانيّة، تتيح له طبيعته كإنسان، أن يتهيّأ لعبورها وإطلاق أجنحته في سماواتها.

ناقد من فلسطين مقيم في سلوفاكيا

16