إيقاظ البعد الإنساني

الأحد 2016/07/10

يمثل المفكر الفرنسي إدغار موران والروائي الأرجنتيني أرنستو ساباتو قطبي تفكير متناقضين في منطلقاتهما، لكنهما يلتقيان في نقطة تمسّ الوضع البشري ومآل الإنسانية في عصرنا، يتساءل كلّ منهما عن المصير والمستقبل لإحداث رؤية مختلفة للعالم تؤشر مصير الهوية الإنسانية في مواجهة الأزمة الكوكبية.

لنتفحص رؤية ساباتو للمستقبل الإنساني ومصيرنا:

يغادر أرنستو ساباتو الروائي والفيزيائي والمفكر موقع الروائي في كتابه “الممانعة” مقترِحا نصوصا وأفكارا ترمي إلى إيقاظ البعد الإنساني فينا ويخبرنا بوضوح أنّ شرط تلك اليقظة لا يتم إلا إذا كنا نرغب حقا في حياة أخرى ممكنة ولدينا المحفزات الكافية لتغيير المسار وسط هذه الأرض اليباب التي تطوقنا سواء في بيوتنا أو مدننا أو مواقع عملنا أو في مؤسسات الحكم التي تحاصرنا وتتحكم بالمصائر، يقول ساباتو “فلنمنح أنفسنا بعض الوقت، لنحلم بالرفعة التي يمكن أن نصبو إليها مرة أخرى إن نحن تجرأنا على النظر إلى الحياة بطريقة مختلفة عن المألوف”، ما يدعونا إليه ساباتو هو المجازفة بأشياء كثيرة من أجل أن نعيد لشخصياتنا البعد الإنساني الحقيقي الذي افتقدناه وينعى علينا في عصر الهيمنة العولمية، هذا التواصل التجريدي الذي يبعدنا عن جوهر الأمور معتقدا أن تواصلنا المجرد يدعنا نغوص في لامبالاة ميتافيزيقية جائحة، بينما هناك كيانات خاصة مشخصنة غير مرئية تحتكر السلطة وتنفينا عن واقعنا، فيتساءل “هل يمضي الإنسان في طريقه التراجيدي إلى خسران إمكانية الحوار مع الآخر؟”.

جوابنا سيكون نعم وحتما، ففي العالم الافتراضي تتوالد ملايين الأقنعة والأكاذيب والتوهمات والأخيلة الكاذبة والخداع، تفضي في معظمها إلى تقليص فرص التعرف الحق على عالمنا المحيط بنا، فبين المسافات الحقيقية والسير في الطرقات وبين أحضان العالم الواقعي تحدث اللقاءات المباشرة ويتمكن الإنسان من تأسيس رؤية عقلانية لواقعه ويمتلك إمكانية عقد علاقات المحبة عبر الحوارات الدافئة المباشرة بين البشر، وقد يظن المولعون بالفضاء الإلكتروني أنهم كائنات متصلة مع العالم كله بينما هم في الحقيقة معزولون عن إنسانيتهم والجماعة البشرية. يعقّب ساباتو قائلا “إن الجلوس أمام شاشة التلفاز بانتظام يؤدي إلى تخدير الحساسية ويثبط الهمة العقلية ويحط من قدر الروح الإنسانية”.

لا يمكن حسب رؤية ساباتو أن ينحني الإنسان احتراما لمن يختلسون أموال الشعب المخصصة للتعليم والخدمات، ويسرق آخرون صناديق مؤسسات المجتمع المدني، لكن المشكلة تكمن كما يرى في الإعلام العولمي، فالفضائيات الدولية تقدم اللصوص والقتلة باحترام وتقدير وكأنهم أناس شرفاء يحتفي بهم مقدمو البرامج أمام أنظار الملايين بخاصة الأطفال والمراهقين ممن تبهرهم الشهرة والشخصيات المتأنقة على الشاشة السحرية، ويرى ساباتو أن تقديم هؤلاء في الإعلام واعتبارهم شخصيات مهمة بمستوى الاقتداء والانبهار بدل معاقبتهم “لهو من أكبر الأعمال الأخلاقية المنحطة التي تسهم في جرح مشاعر الناس”.

ويعزو ساباتو إلى أمثال هذا الأداء الاعلامي المزيف للحقائق مدى الإحباط الذي يصيب المجتمعات وهي تقف عاجزة وكأنها تتواطأ مع الأنظمة التي تبيح سرقة حيوات البشر وأحلامهم فتجنح إلى الخنوع والرضوخ أمام هؤلاء الذين يحتقرون القيم الإنسانية ولا يعاقبون على جرائمهم وكنتيجة للصمت الموجع لا بد أن يقود إحساس المجتمعات بالإحباط والعجز إلى تبني سلوك الكراهية والنقمة والعنف غالبا للرد على الموجة الجائحة المتمثلة في هيمنة اللصوص وسرقتهم مخصصات التعليم والعلاج والإعمار والتنمية وتسببهم في الانحطاط الشامل للقيم والتنمية والتعليم في بلدانهم.

كاتبة من العراق

13