إيقاف العروض يكشف خللا خطيرا في المسرح التونسي

مسرحيون تونسيون: الممثل يعاني وعلى الكبار أن يكفوا عن عرقلة الأجيال الجديدة.
الجمعة 2020/11/06
الممثل المسرحي مازال يبحث عن كيانه في تونس

عرف المسرح التونسي تطورا كبيرا مع رواد فرقة “المسرح الجديد” في سبعينات القرن الماضي، لكنه اليوم يعاني من تراجع له أسباب عديدة، لعل أهمها ضعف التواصل بين الجيل السابق والجيل الذي يليه، ومشاكل أخرى كثيرة على مستوى التنظيم والقوانين والدعم وغيرها من إشكاليات استطلعت “العرب” تفاصيلها وسبل علاجها مع عدد من المسرحيين التونسيين.

يعيش القطاع المسرحي التونسي أسوأ أزماته على الإطلاق بعد انتشار جائحة كورونا وما فرضته من إغلاق للمسارح، وتوقف للنشاط يهدد القطاع بشكل جدي.

وقد اختارت “العرب” في حديثها إلى فنانين مسرحيين تونسيين من الأجيال الجديدة أن تسلط الضوء على أهم المشاكل التي يعاني منها المسرح التونسي اليوم، ورؤاهم للحلول الممكنة ولمستقبل المسرح التونسي.

لا وجود للممثل

ترى الكاتبة والممثلة المسرحية سهام عقيل أن الممثل في جل القطاعات البصرية الفرجوية ليست له هوية ثابتة تبرر وجوده داخل بنية المجتمع، بل هو ينتمي إلى مصاف المجانين أي على هامش المجتمع الإنتاجي المادي.

سهام عقيل: الكل مساهم اليوم في تعميق الهوة بين الفن والمتقبل
سهام عقيل: الكل مساهم اليوم في تعميق الهوة بين الفن والمتقبل

لا يساهم الممثل، في رأيها، بفنه في دورة الإنتاج الاقتصادي لأن الجهات المنتجة العمومية والخاصة تعتبره وسيلة من وسائل الإنتاج الثانوية ولا تتعدى وظيفيته حد الترفيه المجاني، فنجد الممثل دائما على منصات الفرجة في حضور مناسباتي يرتبط أساسا بما تبيعه الشركات الخاصة من مواد استشهارية، فهو مطية لدعم المنتوجات الغذائية والاستهلاكية أساسا.

وتقر بأنه لا توجد أنطولوجيا حقيقية لمهنة “الممثل” خارج الإطار الإنتاجي الذي لا يعرف قدرة هذا الفن تاريخيا وحضاريا. لذا فهو ينساق في جل الميادين إلى تقديم نفسه كوسيلة لا كحضور خاص يدافع عن نفسه. ومن هذه الزاوية لا نجد “الممثل” كمفهوم ووجود جمالي يعكس المجتمع الذي يعيش داخله وبالتالي يفقد بالضرورة جدوى رهان وجوده الحقيقي في “التعبير” أو “الخلق”.

وتضيف “تنساق الأغلبية أي من اختاروا أن يمتهنوا صفة “الممثل” نحو هذا التصور البليد والسهل لتحمي نفسها من الفراغ والفقر وأزمة الاعتراف. فنجد في الجانب الآخر أي عمن يبحثون لأنفسهم عن وجود تاريخي حقيقي عضوي يتصل بقضايا الشعب الحقيقية يعانون التفقير والتهميش والموت البطيء في أغلب الأحيان والهجرة نحو بلدان أخرى تعترف بالممثل ماديا ومعنويا”.

ترتكب الدولة التونسية منذ الاستقلال نفس التصور لمهنة “الممثل” وتحافظ على ألا ترّفعه إلى دوره الحقيقي خوفا من حضوره وفكره وخطابه.

لا يوجد اليوم “الممثل” في بعده التفاعلي الحقيقي بل مجموعة من المتسولين على أعتاب الجهات المنتجة ومؤسسات الثقافة الفقيرة روحا ومادة.

ومن جانبه يرى المخرج المسرحي عماد المي أن أول مشكلة تخص الممثل المسرحي في تونس هي مشكلة تأصيل مهنة الممثل كمهنة رسمية وحقيقية ضمن المهن المعترف بها، أي أن تعترف الدولة التونسية رسميا بمهنة التمثيل كوظيفة بإمكان القائم بها أن يعيش منها وتكون عملا دائما.

ومن جهة أخرى، يشدد المي على ضرورة إيلاء قيمة فكرية وفنية وذوقية وجمالية لوجود مهنة الممثل ككيان كائن وموجود بشكل كامل، ويحظى بالديمومة والاستمرار، لمقاومة وجوده الهش كصاحب مهنة هشة.

عماد المي: على المسرحيين الكبار في تونس أن يتركوا الجيل الجديد يبدع
عماد المي: على المسرحيين الكبار في تونس أن يتركوا الجيل الجديد يبدع

ويتابع المي “المشكلة الثانية هي أن النشاط المسرحي المحترف في تونس ما زال يشتغل بصفة بدائية وعرضية ظرفية لم تصل إلى مرحلة التواجد الحقيقي من خلال خلق سوق مسرحية وطنية، ذات حركية مستمرة ونشطة، إضافة إلى خلق سوق ثقافة، يقبل خلالها المواطن التونسي على استهلاك المنتوج الثقافي الوطني بما في ذلك المسرح التونسي، هذا يعود أصلا إلى سياسة الدولة وإلى مؤسسات الثقافة والمسرح والمسرحيين على أن يكونوا قوة مقترح للتطوير والتغيير”.

ويلفت المخرج إلى مشكلة أخرى يعاني منها الممثل المسرحي هي قلّة تواجده في المشاريع السينمائية والتلفزية بنسبة الثلثين، مقابل تغلغل الدخلاء من مجال الاستعراض من الطامحين للشهرة.

يقول المسرحي طلال أيوب “إن الممثل في المسرح التونسي يعاني من مشكلة أساسية وجوهرية في الاعتراف بمهنته وتنظيمها إلى اليوم، رغم أن المسرح موجود منذ 110 أعوام في تونس والاحتراف والجودة متطوران، لكن يبدو أن ليس هناك نية لاعتراف حقيقي بالممثل المحترف، وبأن التمثيل يمكن أن يكون مهنة، إضافة إلى غياب قانون لمهن الفنون الدرامية”.

ويتجلى التهميش في رأي أيوب، خاصة في خطاب السياسيين، ومن أبرزهم رئيس الحكومة الذي يعتبر العمل الفني والثقافي مجرد ترفيه.

ويضيف “مع الأزمة الحالية زاد الوضع سوءا مع وقف كل نشاط ثقافي فعلي منذ مارس 2020، وحتى بعض العروض القليلة التي تم تقديمها في فصل الصيف لم تف بالغرض، فقد مرت 8 أشهر من حالة تشبه الشلل، ما يهدد جديا الممثلين من ضمان العيش الكريم، رغم أن أغلب الممثلين المحترفين هم أساتذة مسرح أو من الشباب الأقل من 35 سنة إلا أن الوضع حرج”.

ويعتبر أيوب أنه عامة معاناة الممثل في تونس مرتبطة بالاعتراف الحقيقي والفعلي، فرغم تحرر المسرح بعد الثورة من “الصنصرة” ومقص الرقيب إلا أنه لم يتحرر من التهميش الذي عرّته اليوم الأزمة الصحية وكشفت المنظومة الثقافية الهشة التي سقطت على رأس ممارسيها. ومن أبرز نتائج هذا الظرف هو تغيير العديد من الممثلين لمهنتهم كمسرحيين بصفة قطعية.

من جانبها تقول الممثلة المسرحية أمينة الدشراوي “قبل أن نتحدث عن المشاكل التي يعانيها الممثل المسرحي، لا بد من التساؤل حول ماهية الممثل المسرحي في تونس فقد يبدو لا وجود له ككيان متفرغ للتمثيل على الركح دون القيام بأنشطة أخرى تضمن له العيش الكريم وتحفظ ماء الوجه. من ذلك، فإن المعاناة التي يشهدها الممثل المسرحي تتشكل في عدم قدرته على التفرغ للركح فهو يلتجئ إلى التدريس أو التواجد في وسائل الإعلام الرديئة وبالتالي لا يتحقق هدفه الأسمى في تحقيق الفعل النبيل التام ألا وهو المسرح”.

أمينة الدشراوي: لا وجود للممثل ككيان متفرغ للتمثيل على الركح المسرحي
أمينة الدشراوي: لا وجود للممثل ككيان متفرغ للتمثيل على الركح المسرحي

وتقر الدشراوي بأن الممثل المسرحي يعتبر المتضرر الأول في الأزمات والثورات والجوائح، كما هو الحال في هذه الأزمة الصحية العالمية التي نعيشها جميعنا.

وتتابع “خلاصة القول لعل غياب الجمهور ونفوره من المسرح وعدم تنظيم القطاع وانعكاساته الوخيمة على المردود المادي للممثل والرداءة المهولة المحيطة بالميدان الفني والثقافي هي من أهم المشاكل التي يعانيها الممثل المسرحي”.

ويرى الممثل غسان الغضاب أن المشاكل التي يعاني منها الممثل المسرحي في تونس عديدة، انطلاقا من العقود التي لا تضمن له حقوقه كطرف ثان، وهي تصب في صالح الطرف الأول (الهيكل المنتج)، إضافة إلى مخاطر التنقل عند العروض التي تكون في ظروف كارثية أحيانا.

ويضيف “كما لا أنسى الأجر الزهيد للعروض الذي ينحصر بين 80 دينارا و150 دينارا (بين 30 و55 دولار تقريبا). علاوة على التأخير في دفع مستحقات الممثل إلى فترة تتجاوز السنة أحيانا. وحرمانه من مستحقاته كمواطن ومن الحيطة الاجتماعية ودفتر العلاج بالنسبة إلى الممثل الحر الذي لا يشتغل بصفة قارة”.

أما الممثلة نادرة ساسي فتقول “هناك أزمة مسرحيين وليست أزمة مسرح أزمة في العلاقات بين المسرحيين أنفسهم، هناك أزمة في التلقي ومحاولة دائمة للإقصاء، أي هناك أزمة الرأي الواحد والمسرح فعل جمعي ودعوة جماعية لا يحتمل العقلية الإقصائية السائدة، إضافة إلى سيطرة الشركات على القطاع ومتاجرتها بعرق الممثلين وعدم إيفائهم أجورهم الزهيدة”.

وجود سياسي خلاق

الممثل في جل القطاعات البصرية الفرجوية ليست له هوية ثابتة
الممثل في جل القطاعات البصرية الفرجوية ليست له هوية ثابتة

الحلول للمشاكل المطروحة وفق رأي الغضاب هو ضمان حقوق الممثل بحمايته من المتحيلين في صورة عدم خلاص مستحقاته المادية يوضع قوانين خاصة بهذه المهنة. وفرض أجر أدنى يضمن له حياة كريمة. علاوة على تفعيل قانون يجبر المنتجين على التعامل مع حاملي بطاقة الاحتراف.

كما يدعو إلى فتح تحقيق في الفساد المالي والإداري داخل وزارة الثقافة حول الأشخاص المستفيدين من الأموال الموجهة إلى الأعمال الإبداعية، بطرق غير قانونية، وضرورة تتبع شركات الإنتاج في تصرفها في الأموال المقدمة لها من قبل الوزارة كدعم للأعمال المسرحية. إضافة إلى تفعيل سياسة ثقافية في البلاد واعتماد وزارة الثقافة كوزارة سيادة.

غسان الغضاب: الوضع الحالي يجعلني أخشى على المسرحيين من التلاشي
غسان الغضاب: الوضع الحالي يجعلني أخشى على المسرحيين من التلاشي

أما سهام عقيل فترى بأنه ليست هناك حلول خارج مؤسسات الدولة، وأهمها التعليم أساسا كرهان حقيقي أولي يرتقي بالذهنية الجمالية والفضاءات المسرحية التي تنتمي إلى مؤسسات الدولة. لكن من خلال هذا الاعتبار لا يوجد يقين ثابت بتطور رؤية الدولة للمسرح وفنون الفرجة، كما لا تقدر مؤسسات الدولة اليوم على تحمل خطاب جمالي تنويري يحمله الممثل التونسي اليوم في شتى الأشكال الفنية، لأنها ستردعه أولا ثم تعيد خلق طرق جديدة لتفقيره وتحقيره.

وتضيف “يبقى الحل الوحيد مرتهنا بأصحاب الشأن الفني، لكن ما نلاحظه بشدة اليوم أن هناك نتائج محبطة للمسار السياسي على الفنانين، من فراغ معرفي وجهل مدقع برهانات الفن الحقيقية، الفن الذي يساهم عضويا في تطور البشر من رتبة الوحشية إلى رتبة الجمال. الكل يساهم اليوم عن طريق الركح أو الشاشة في تعميق الهوة الكبيرة بين الفن والمتقبل وتطبيع تام مع الرديء لأنه سهل ويثمر نقودا”.

وتؤكد عقيل على أنه على الجامعة التونسية وكل المختصين في الشأن الفكري أن يعيدوا النظر في هوية الفنان/ الممثل ليواجه دوره الحقيقي في تطور البنى المجتمعية لبلده عوض الهروب إلى الهجرة أو الغياب الكلي أو النسيان.

كما توكل الحل إلى القضاء بأن يقضي على أجهزة الفساد البصري التي تستعمل الممثل وترضخه لخطاب تجهيلي دون وعي منه في أغلب الأحيان، لتعيد مؤسسات الدولة في أشكال الإنتاج بعد وضع غايات محددة لها دون السقوط في خدمة الخطابات الأيديولوجية التي ساهمت مباشرة في تفشي الجريمة والعنف داخل المجتمع.

وتتابع “الدور الرئيسي للممثل اليوم هو أن ينتبه ويعيد النظر في مسؤوليته التاريخية أمام الأجيال التي أخذها الهوس واليأس والإحباط نحو التوحش.على الممثل اليوم أن يلجأ إلى المعرفة الحقيقية بما يجب أن يكون دون السقوط في دور ‘مهرج الإنتاج السهل‘ وأن يصبح جسده ‘جسد إشهار‘ رديء. فالممثل تعبيرة جمالية بامتياز وهو فكر متأصل واع ونقدي لما هو كائن، الممثل هو وجود سياسي خلاق يدعم الجمال أينما كان ويزيح الظلم أينما حل”.

ويقر عماد المي بأن الحلول تكمن بداية في الاعتراف رسميا بمهنة التمثيل والممثل كصفة. وتشغيل الممثلين المسرحيين بنسبة الثلثين في الأفلام السينمائية والأعمال الدرامية الإذاعية والمسلسلات التلفزيونية في القطاعين الخاص والعام. إضافة إلى فرض شروط على القنوات التلفزية الخاصة والعامة لاقتناء عروض مسرحية وبثها للمشاهدين. وخلق مناهج وأساليب جديدة لدعم الإنتاج المسرحي بشكل يضمن الحق المادي لكل المشاركين بما في ذلك الممثل.

ويضيف المي “لا بد من خلق سوق داخلية لتدوير العروض بشكل شهري، ومن الضروري أيضا تنشيط الدبلوماسية الثقافية لخلق سوق خارجية لترويج العروض المسرحية، علاوة على تشجيع القطاع الخاص ورجال الأعمال على إنتاج العروض المسرحية”.

طلال أيوب: المسرحيون صاروا يفكرون في حلول جديدة لإنقاذ المسرح
طلال أيوب: المسرحيون صاروا يفكرون في حلول جديدة لإنقاذ المسرح

ويقترح طلال أيوب تعديل ميزانية وزارة الثقافة ورد الاعتبار لأهمية الفن والثقافة في نشر الوعي وإعادة بناء مجتمع وروح جديدة، فالمجتمعات لا ترتقي بالأكل والنوم والصناعة بل بثقافتها وفكرها. ومن بين الحلول كذلك التسريع في إتمام قانون المهن الفنية وتنظيم القطاع الثقافي وإشراك أهل القطاع كمؤسسين في هذه القوانين.

ويشدد على أهمية تشريك الثقافة والفنون في إستراتيجية الدولة وربطها مع السياحة والصناعة وتطويرها، ليعود بريق تونس وإشعاعها الثقافي الذي لطالما تميزت به من سنوات.

وتعتقد أمينة الدشراوي أن كثرة الهياكل المهتمة بالشأن المسرحي مثل الشركات الخاصة ومراكز الفنون الدرامية والركحية باتت تشكل عائقا أمام تطور الفعل المسرحي إذ تعود جميعها بالنظر إلى وزارة الشؤون الثقافية وتنتظر جميعها رؤية “هلال الدعم”، لذلك فنحن في أمس الحاجة إلى مصادر تمويل أخرى داخلية كانت أو خارجية مع إعادة هيكلة القطاع بوضع استراتيجيات واضحة تضمن حقوق الممثلين وتستقطب جمهورا أكبر وذلك يتحقق بسياسة ثقافية لا مركزية حقيقية، وبالانفتاح على تجارب عالمية تساير العصر الحالي بما أن المسرح هو فن “الآن و هنا”.

وتضيف “باختصار الممثل المسرحي في حاجة إلى متفرج يقتطع تذكرة وينتقل من منزله ليشاهد عرضا مسرحيا ولمَ لا يفتح باب النقاش. ما ينقصنا حقا هو الانفتاح على الآخر ماديا وثقافيا وحضاريا”.

اتركوا الجدد يشتغلون

ضرورة تحطيم عديد القوالب الجاهزة
ضرورة تحطيم عديد القوالب الجاهزة 

ترى الدشراوي أنه لا بد من تحطيم عديد القوالب الجاهزة وإعادة النظر في قوانين ومؤسسات المسرح التونسي، فالوضع الحالي لا ينبئ بخير وربما هذا الهدوء والفراغ الذي يعيشه الممثل التونسي في ظل أزمة الكورونا هو فرصة للاستعداد لثورة ثقافية وفنية شاملة، ثورة على الأفكار البالية وتجار الفن الذين يعتقدون أن المسرح هو مجرد مجال لعقد الصفقات.

قائلة “أنا أشاطر الرأي الذي يقضي بالتحطيم أولا ثم إعادة البناء حتى يتسنى لنا الحديث عن مستقبل المسرح التونسي”.

بدورها تقول نادرة ساسي حول رؤيتها لمستقبل المسرح في تونس “إن المسرح التونسي من بعد جيل المسرح الجديد أخذ في الانحدار وصار لدينا فقط مسرح وافد. لم نرسخ بعد، رغم كل هذا التراكم الذي ندعيه، تقليدا مسرحيا حقيقيا على أرض الواقع، بل بالعكس فالتجريب زاد المسرح عللا على علله، حيث لا يرتكز أغلبه على دعائم متماسكة ونلاحظ فراغا هائلا في العقلية الدرامية: شخوص باهتة، لسان هجين، قصص مبتورة وغامضة.. مثلا الغرب يجرب في مسرحه بناء على رؤى وفلسفات والتجريب مخبري إلى أن تظهر نتائجه أما نحن فلا نملك بعد ناصية المسرح حتى نجرب فيه بهذه الكثافة”.

نادرة ساسي: المسرح التونسي من بعد جيل المسرح الجديد أخذ في الانحدار وصار وافدا
نادرة ساسي: المسرح التونسي من بعد جيل المسرح الجديد أخذ في الانحدار وصار وافدا

ويرى المخرج التونسي عماد المي أن مستقبل المسرح التونسي بيد المسرحيين ومؤسسات المسرح والدولة وفي إيمان الجميع بالمسرح كضرورة حياتية ومجتمعية وبوجوده كفن إنساني بامتياز، يساهم في تهذيب الذوق العام ونشر الوعي المتطور والفكر المتحرر، ويؤسس لثقافة المواطنة ويرسخ السلم المجتمعي وطنيا وإقليميا ودوليا.

ويضيف “يجب أن يلعب المسرح دوره في مقاومة العنف والتعصب والعلاج النفسي، لأن للمسرح وظيفة علاجية أيضا. وليكون له مستقبل أوضح وأنجع لا بد لكل مؤسسات الدولة أن تهتم بالمسرح كنشاط أساسي وضروري، مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة البيئة والسياحة وحتى الفلاحة والصناعة والتجارة، كل المؤسسات لا بد لها من المشاركة في تأسيس سوق مسرحية متطورة فلا رقي لشعب ما دون مسرح ودون شعر وفن وثقافة”.

ويتابع المي “على المسرحيين الكبار في تونس أن يتركوا الجيل الجديد يبدع ويتخلوا عن تقزيمه وتحقيره ويؤمنوا أنه جيل مختلف عنهم وبإمكانه أن يشق طريقه خارج وصايتهم وخارج أنساقهم، ولكل زمن أبناؤه ولكل عصر معاصروه. عليهم أن يكفوا عن عرقلة التجارب الجديدة وعليهم أن يؤمنوا بالاستمرارية والاختلاف والتنوع وأن هذا لا ينفي ذاك”.

أما غسان الغضاب فيقول “الوضع الحالي يجعل مني أخشى على المسرح والمسرحيين من التلاشي وفقدان الأمل في التواجد داخل دولة تناست فنانيها وأغلقت جميع الأبواب أمامهم لتقطع أرزاقهم، ما يجعل أغلب المسرحيين يفكرون في الهجرة من البلاد أو الابتعاد عن الميدان المسرحي وهناك منهم من اختار الموت. لا مستقبل للمسرح مع تهميش الدولة له منذ سنين إلا بثورة ثقافية جديدة”.

من ناحيته يقول طلال أيوب “الحقيقة المسرح في العالم بأكمله في وضع حرج وليس في تونس فقط، فالظرف الحالي ألغى التقاء الممثل بالمتفرج في كل أنحاء العالم، وهذه بادرة فريدة، فالمسرح لم ينقطع نشاطه منذ القرن الخامس قبل الميلاد إلى اليوم، فقد استمر رغم قمع الكنيسة في القرون الوسطى وأقيمت العروض في فرنسا زمن الحرب العالمية رغم القصف الألماني، لكن هذه الجائحة هددت اليوم استمرار المسرح وجعلت المسرحيين في العالم يفكرون في تجارب جديدة وفي إمكانية انقراض المسرح ففايروس جديد أو استمرار الكورونا قد يقضي على هذا الفن”.

لكنه رغم كل ذلك لا ينفي أن هناك أملا في عودة المسرح وعودة الحياة إليه، فتونس تتميز بمبدعيها وتطور مسرحها وحماس فنانيها، الذي سيجعل من المسرح التونسي متطورا عمّا قريب، وذلك عبر الإيمان بالجيل الجديد الثائر الذي يحتاج فقط إلى بعض الاعتبار والتشجيع وملاءمة القرار السياسي لتطلعاته ليبدع ويتميز.

المسرحيون الجدد في تونس يواجهون مشاكل إغلاق المسارح وعرقلة السابقين وغياب استراتيجيا واضحة من الدولة

وتقر سهام عقيل أن مستقبل المسرح التونسي مرتبط بمستقبل المجتمع التونسي، وما نشهده اليوم هو مرحلة متوحشة ومقفرة وخائبة لا أمل فيها ولا هواء نقيا. حيث يعيش المجتمع التونسي على واقع الأوبئة والخيبة من الثورة، كما استسلم الشعب لما اقترفته الحكومات من تسميم وتخدير وتقتيل لكل نفس تنويري مضيء.

وتضيف “لا يمكن أن يرتقي المسرح التونسي اليوم بواسطة مناهج مؤسسات الدولة في وضع مسببات الجمال داخل دائرة العدم والاكتفاء بوسائل الإنتاج المجرمة ومافيا الإعلام فيتحول الممثل إلى ‘مهرج‘ دموي يدعم ثقافة الاغتصاب والعنف المجاني من خلال توجه الكثير من الممثلين نحو الشاشة وما يقدمونه من خطاب على الركح كذلك. لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل للمسرح التونسي بأفضية مسرحية مقفرة وقليلة الجماهير”.

وفي رأيها أيضا لا يمكن أن نتحدث عن مستقبل للمسرح التونسي والكل يعيش تحت وطأة استباحة القيم الإنسانية الكونية. كما لا يمكن أن نتحدث عن هذا المستقبل والكل في حالة ذهول وفقدان للوعي بأبسط الأشياء وأعقدها وأهمها “الخير”.

وتختم “لا مستقبل للمسرح التونسي والأشرار يصرون على قتلنا كل يوم ويحرموننا من فعل مسرحي نبيل ممكن يراهن على الجميل في ذواتنا التونسية/ الكونية. ولا مستقبل في الأفق”.

15