إيقاف برنامج تلفزيوني يفتح ملف الانتهاكات ضد الصحافة الجزائرية

الثلاثاء 2015/04/28
رئيس سلطة الإعلام المرئي اعتبر أن البرنامج تجاوز أخلاقيات المهنة

الجزائر- استنكر الوسط الصحفي والإعلامي في الجزائر الضغوط السياسية المفروضة على الإعلام، والتي تمثلت أخيرا في إيقاف برنامج تلفزيوني على قناة خاصة تناول الفضيحة التي أثارها كتاب ألفه صحفيان فرنسيان حول العلاقة بين الجزائر وفرنسا.

أطلقت مجموعة من الصحفيين وعمال بقطاع الإعلام في الجزائر، مبادرة للتنديد بكل أشكال الضغط المتكررة على الصحافة الوطنية (العامة والخاصة) حملت عنوان “المبادرة المستقلة للدفاع عن حرية التعبير”.

وضمت الحملة نشطاء جمعيات وممثلي نقابات، قاموا بجمع توقيعات اعتراضا على الضغوط السياسية التي فرضت على برنامج تلفزيوني، يبث على قناة الجزائري.

وقال بيان “المبادرة المستقلة للدفاع عن حرية التعبير” أن التجاوز الذي تم من طرف سلطة الضبط السمعي البصري وتعليق هذا البرنامج الساخر يمثل سابقة خطيرة أخرى في تاريخ الصحافة الوطنية، وهو مساس آخر بحرية التعبير التي تم الحصول عليها بنضال طويل للجزائريين.

وأمام هذا الوضع، قال البيان “لا يمكن أن نبقى صامتين وبالتالي السماح لأنصار الاستبداد ورأس المال بسحقنا أكثر، فإننا ندعو جميع الصحفيين والعاملين في الصحافة، وجميع القوى الاجتماعية المحبة للعدل والمساواة إلى تجمّع تضامني يوم الجمعة 1 مايو 2015 أمام ساحة حرية الصحافة بالجزائر العاصمة. لنعبر معا عن تضامننا الفعلي مع فريق برنامج “الجزائرية ويكاند”، والقول لا للقمع.

وبعد النجاح الذي حققه برنامج “الجزائرية ويكاند” الذي يعالج قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية بطريقة تهكمية، تقرر توقيفه بعد المضايقات والتهديدات الكبيرة التي تلقاها طاقم البرنامج، بعد تطرقه لموضوع ممتلكات الوزراء الجزائريين في فرنسا، بحسب ماذكرت وسائل الإعلام المحلية. علما أن مقدم البرنامج مصطفي كيساسي وطاقمه اختارا التطرق لموضوع كتاب “الجزائر باريس… قصة حميمية”، الذي كشف عن حقائق مثيرة تبين امتلاك وزراء جزائريين شققا فاخرة في باريس بالأدلة وأرقام الشقق والممتلكات التي يحوزون عليها في الخارج، رغم أن من كتب الكتاب هما صحفيان فرنسيان.

واستدعت سلطة ضبط السمعي البصري الأسبوع الماضي، قرداش كريم مدير القناة التلفزيونية الخاصة “الجزائرية”، ونشرت بعدها بيانا قالت فيه أن رئيس السلطة ميلود شرفي “استدعى قرداش كريم وبلغه إنذارا شفهيا بسبب التجاوزات المتكررة في الحصة (الحلقة) الأسبوعية التي تمادت في التجريح والسخرية بمس أشخاص بما فيهم أسماء رموز من الدولة وبعض المسؤولين البارزين في مختلف هيئات ومؤسسات الجمهورية”.

نسيم لكحل: ضاعت معايير المهنية الصحافية في الجزائر بسبب التضييق على الصحافة

وأكد شرفي بأن هذه التجاوزات “تعد خرقا لأخلاقيات المهنة وتقع تحت طائلة قانوني الإعلام والسمعي البصري”, مبرزا أن مسعى سلطة ضبط القطاع السمعي البصري “يرمي إلى تطوير حرية الإبداع والتعبير دون ممارسة الرقابة والتضييق، لكن المهنية تقتضي احترام الأطر القانونية والأخلاقية للجمهورية”.

واستغل رئيس الهيئة المذكورة فرصة اللقاء لبرمجة لقاء مع مسؤولي هذه القناة حول الوضع العام للقطاع السمعي البصري بالجزائر وطبيعة العلاقة بين السلطة والقنوات “حتى يتمكن الجميع من الالتزام بالقوانين المنظمة لسير العمل بالقطاع”، على حد تعبيره.

وفي ذات السياق، قال الإعلامي نسيم لكحل في حديث لوسائل إعلام محلية، “لقد ضاعت معايير المهنية في الممارسة الصحافية في الجزائر بسبب التضييق على الصحافة التي يكذب من يقول إنها حرة، إنها حرة في المساحة التي حددت لها لا أكثر ولا أقل”.

وأشار لكحل إلى أن “أغلب فضائح الفساد التي اطلع عليها الرأي العام المحلي، لم يكن ليطلع عليها لولا أن من فجرها هي الصحافة الأجنبية”. وتابع “الفضيحة الأخيرة التي كشفها كتاب فرنسي بعنوان “باريس-الجزائر: قصة حميمية” الذي ألفه صحافيان فرنسيان ويكشف عن ممتلكات لكثير من المسؤولين الجزائريين وأبنائهم وبناتهم في عاصمة الجن والملائكة، بينهم وزير المجاهدين السابق الذي يملك شقة فاخرة تطل على نهر السين الذي امتزجت مياهه بدماء الثوار الجزائريين في مجازر 1961.

وأضاف “عندما قرأت الخبر قلت كيف يفكر الوزير عندما يطل من شرفة شقته على النهر وهو يعلم أن هذا النهر امتزج بدماء الجزائريين الذين غُرّقوا فيه… وهو من… هو وزير للمجاهدين… هل عرفتم الآن لماذا لم يتم تجريم الفعل الاستعماري لحد اليوم”؟

يذكر أن الكتاب صدر في 15 أبريل الجاري، تحت عنوان “باريس- الجزائر: علاقة حميمية”، للصحفيين الفرنسيين كريستوف دوبوا، من قناة “تي إف 1” الحكومية، وماري كريستين تابت، من صحيفة “لو جورنال دو ديمانش”.

ونشرت صحف خاصة جزائرية، ما تضمنه الكتاب عن العلاقة بين الجزائر وفرنسا، فيما التزمت السلطات الرسمية الصمت بشأن ما ورد فيه. وأثار ضجة كبيرة في وسائل الإعلام لما يتضمنه من معلومات حول مسؤولين جزائريين سابقين وحاليين لديهم ممتلكات ضخمة في أرقى أحياء فرنسا.

وخصص الصحفيان فصلاً كاملاً للحديث عن النظام الجزائري وطريقة عمله من الداخل، حيث ورد في الكتاب أن هناك “ثلاثة أقطاب تسير النظام الحاكم في البلاد؛ هي الرئاسة والجيش والمخابرات، في إطار توازنات، غير أن العلاقة بينها تتأرجح بين التكامل والصراع”.

وقال الصحفي كريستوف دوبوا، أحد مؤلفي الكتاب “هذا التحقيق بدأنا فيه منذ عام”. وبشأن توقيت النشر، تابع قائلا “ولاية الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الرابعة (أعيد انتخابه في أبريل 2014) ما تزال تثير الجدل في فرنسا فضلا عن أن الحديث عن العلاقات بين البلدين هو ملف ذو حساسية كبيرة”.

وتعيش الجزائر منذ بداية الولاية الرابعة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة جدلا حول حرية الصحافة. فقد توقف عدد من الصحف عن الصدور، وأثيرت ضجة حول كيفية توزيع الإعلانات، قبل أن تنفجر قضية عدم تجديد اعتماد مراسل صحيفة الشرق الأوسط في الجزائر، حميد غمراسة.

18