إيقاف تسليح المعارضة يكرس تغير السياسة الأميركية تجاه سوريا

يشكل قرار الرئيس دونالد ترامب بشأن وقف المساعدات لفصائل المعارضة السورية ضربة قاسية للأخيرة، خاصة مع تآكل الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها والاقتتال الدائر بينها في أكثر من جبهة، ويرى خبراء أن هذا القرار يعكس في واقع الأمر رغبة أميركية في إبداء حسن النية لتعاون أكثر صلابة مع روسيا في سوريا.
الجمعة 2017/07/21
الأكراد مستثنون

واشنطن – اعتبر دبلوماسيون غربيون أن ما كشفته صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية عن قرار اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف برنامج الـ”سي آي إيه” لدعم المعارضة السورية، يعد تطوّرا لافتا لا يعكس فقط تبدل رؤية الولايات المتحدة في التعاطي مع الصراع السوري، بل يعكس أيضا مناخا دوليا جديدا في هذا الصدد بدأ يتسرّب من مواقف عواصم غربية، لا سيما الأوروبية منها، والتي كان أوضحها من باريس على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وذكرت الصحيفة نقلا عن مصادر أميركية مسؤولة لم تسمها أن قرار الرئيس دونالد ترامب جاء خلال لقاء الشهر الماضي جمعه مع مدير وكالة المخابرات المركزية مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي هربرت مكماستر.

ونقلت الصحيفة الأميركية عن المصادر نفسها أن هذه الخطوة إنما تعبر عن توجه الرئيس الأميركي الذي يحاول من خلالها تحسين الأجواء مع روسيا التي تدعم الرئيس السوري بشار الأسد.

ورحب قسطنطين كوساتشوف رئيس لجنة الشؤون الدولية بمجلس الاتحاد الروسي (الغرفة العليا بالبرلمان) الخميس بالأخبار “الممتازة التي طال انتظارها” بشأن إنهاء الولايات المتحدة دعمها للمسلحين في سوريا.

وكتب على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن “هذا التغيير سيوفر دون أدنى شك المزيد من الفرص للتعاون الروسي الأميركي في محاربة الإرهاب في البلاد”.

والبرنامج وضع من قبل الرئيس السابق باراك أوباما عام 2013 للضغط على الأسد للتخلي عن السلطة. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين طلبوا عدم كشف أسمائهم أن برنامج دعم المعارضة السورية الذي بدأ قبل أربع سنوات لم يكن له سوى أثر محدود وخصوصا منذ أن دخلت القوات الروسية على خط النزاع إلى جانب قوات الرئيس بشار الأسد في العام 2015.

وكان ترامب قد لمح أثناء حملته الانتخابية إلى أنه سيوقف الدعم عن المعارضة السورية ويركز جهوده على اجتثاث تنظيم داعش. ويأتي ما كشفته “واشنطن بوست” في هذا الصدد بعد أيام على لقاء ترامب نظيره الروسي فلاديمير بوتين والإعلان عقب هذا اللقاء عن وقف لإطلاق النار في جنوب سوريا، وهي المنطقة التي تقاتل بها قوات سورية معارضة تدعمها واشنطن.

ورفض البيت الأبيض والسي آي إيه التعليق على معلومات الصحيفة الأميركية.

مرح البقاعي: البرنامج أصلا كان محدودا ومقننا وإلغاؤه لن يؤثر على العمليات العسكرية في سوريا

ويظهر إلغاء برنامج دعم المعارضة السورية مدى اهتمام ترامب “بإيجاد وسائل للعمل مع روسيا” ويشكل “اعترافا بمحدودية نفوذ واشنطن وعدم رغبتها في الإطاحة بالأسد من السلطة”، وفق الصحيفة.

ويرى مراقبون أن هذا البرنامج لم يكن على مستوى التحديات وأتى خجولا بالمقارنة مع الدعم الذي تقدمه روسيا وإيران لنظام الأسد، ناهيك عن أنه يضع واشنطن في موقف ضعيف في سوريا لا يرقى إلى ما يجب أن تكون عليه الدولة العظمى من أمر الصراع السوري.

واعتبر هؤلاء أن البرنامج يكاد يكون رمزيا ووقفه لا يغير من موازين القوى الداخلية، لكنه يرسل رسالة قوية إلى كافة الفرقاء، وخصوصا روسيا بتبدل المقاربة الأميركية في سوريا وتعويلها الجدي على تنسيق وتعاون مع روسيا لوقف المأساة السورية.

وقللت مرح البقاعي مستشارة الهيئة العليا للمفاوضات المعارضة في تصريحات لـ“العرب” من تأثير القرار على العمليات القتالية داخل الأراضي السورية.

وقالت “البرنامج أصلا كان محدودا ومقننا وإلغاؤه لن يؤثر على العمليات العسكرية في سوريا، كما ولن يؤثر على تسليح الولايات المتحدة لحلفائها الأكراد، بل سيكون للأسف جسرا لروسيا لتكون صاحبة الكلمة العليا في سوريا”.

ويؤكد خبراء أميركيون في شؤون الشرق الأوسط أن إدارة أوباما تركت لروسيا أن تمارس ما تريده في سوريا طالما أن ذلك يبعد واشنطن عن أي تورط مباشر، وتركت لوزير الخارجية جون كيري مواكبة الجهد الروسي العسكري في سوريا والذي أدى إلى إسقاط مدينة حلب وقلب التوازن العسكري.

ويبدو أن القرار الجديد لا يلقى تأييدا من قبل نواب أميركيين، حيث أعرب السيناتور الجمهوري عن ولاية كارولينا الجنوبية ليندسي غراهام عن قلقه من هذه الخطوة، واصفا أياها في تغريدة على تويتر بأنها “إذا ما ثبتت صحتها (..) ستكون أشبه بالاستسلام الكامل للأسد وروسيا وإيران”.

ويرى بعض المحللين أن هذا القرار سيؤدي إلى إضعاف المعارضة السورية المعتدلة لصالح تلك المتطرفة. ونقلت صحيفة التلغراف البريطانية عن شارلي ليستر من معهد الشرق الأوسط في واشنطن قوله “لقد وقعنا في فخ روسيا، فهي ستكون سعيدة حين نعمل على إضعاف المعارضة المعتدلة”، مضيفا أن “أكبر هدف لروسيا كان ضرب فصائل في الجيش السوري الحر التي تحظى بدعم واشنطن، وها نحن نقضي عليها بأنفسنا”.

وتلفت أوساط قريبة من البنتاغون إلى أن إلغاء برنامج السي آي إيه لدعم المعارضة قد استبدل بسياسة عسكرية أخرى قادت إلى انخراط أميركي مباشر في دعم قوات سوريا الديمقراطية لتحرير الرقة من داعش، ودعمت قوات معارضة سورية في المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني وحول معبر التنف، كما أدت إلى انخراط جوي أميركي مباشر في معارك سوريا، إضافة إلى ما كشفته وكالة الأناضول التركية قبل أيام عن نشر واشنطن لـ10 قواعد عسكرية فوق الأراضي السورية.

وفي هذا الصدد قالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إنها أبلغت الحكومة التركية قلقها إزاء المعلومات التي نشرتها “الأناضول” حول النقاط العسكرية الأميركية في سوريا، وأشارت الوزارة في بيان لها إلى أن المناطق التابعة للولايات المتحدة أو قوات التحالف الدولي لا يتم الإعلان عنها لأسباب أمنية دون أن تنفي معلومات “الأناضول”.

وكانت الوكالة وتحت عنوان “10 قواعد للولايات المتحدة الأميركية في سوريا لدعم الاتحاد الديمقراطي الكردي وذراعه وحدات حماية الشعب”، نشرت نقلا عن مصادر محلية، إنفوغرافيك يظهر وجود 8 نقاط عسكرية إضافة إلى قاعدتين جويتين للولايات المتحدة شمالي سوريا.

واعتبر البنتاغون أن الإعلان عن معلومات حساسة من شأنه أن “يعرض قوات التحالف الدولي للخطر ويعرقل العمليات المستمرة ضد تنظيم داعش في المنطقة”.

2