"إيكودار" أقدم نظام بنكي اخترعه الأمازيغ في المغرب

في فج صخري عميق بين سلاسل جبلية ذات طبيعة صخرية يعيش سكان قرية أمتضي الأمازيغية جنوب المغرب، حيث كان لزاما على السكان حماية ممتلكاتهم الثمينة داخل مخازن جماعية تشبه البنوك، وتبنى في أعلى الحصون التاريخية وتسمى “إيكودار”.
الخميس 2017/02/09
"إيكودار" حامية كنوز الأمازيغ

كلميم (المغرب) – اشتهرت واحة أمتضي الواقعة بين سفوح جبال الأطلس الصغير في عمق الصحراء بالجنوب المغربي، بجريان مياه عين “بوكاع” طوال أيام السنة، ومن دون أن يتأثر منسوب المياه فيها بمواسم الجفاف أو ندرة الأمطار.

وتمتد تلك الواحة الخضراء، التي يسكنها الأمازيغ وسط فج صخري عميق، على طول وادي أمتضي لحوالي 3 كيلومترات، حيث تختبئ أشجارها الوارفة من نخل ورمان، بين الجبال ما جعل المستقرين بها عرضة لهجمات متتالية عبر القرون. فكان لزاما على ساكني هذه “الجنة” وسط الصحراء أن يجدوا رمزا آخر للحياة، أطلقوا عليه اسم “إيكودار”، وهي المخازن الجماعية.

وتعتبر مخازن “إيكودار” الأمازيغية التاريخية أقدم نظام بنكي في العالم، حيث كانت عبارة عن منشآت تخصص لادخار وتخزين وحماية أموال وممتلكات الأسر التي تعيش في الواحة تحث إشراف أحد أمناء القبيلة المشهود له بالصدق والأمانة.

وكانت هذه المخازن التي تقام وسط الحصون تحتوي على العشرات من الغرف الصغيرة وكان يخصص لكل أسرة حساب واحد وهو عبارة عن غرفة خاصة تضع فيها كل ما تملكه من ممتلكات نفيسة كالمجوهرات والأموال والحبوب لحمايتها من النهب والسرقة.

ولا يأخذ سكان أمتضي (حوالي 900 كم جنوب العاصمة الرباط) أي فوائد عن ادخار مؤونتهم أو ممتلكاتهم الثمينة ولا تدفع أي مصاريف مقابل ذلك باستثناء واجبات الحراسة والترميم.

الحصن الثاني، الذي لا يزال شامخا، يسمى “أكادير ندعيسى”، وهو يطل على قرية إدعيسى، وقد فُتح للسياح منذ ستينات القرن الماضي، ولا يختلف كثيرا في هندسته عن حصن “أكلوي”، ويتكون هو أيضا من غرف للتخزين وأبراج للمراقبة وأسوار محصنة

وبين منابع الماء، التي تزين واحة أمتضي بأحواض وشلالات ساحرة، انتصبت حصونها التاريخية الشامخة، التي حمت ساكنيها من غارات الطامعين في خيراتهم، وسمحت بتخزين مؤونتهم ومحاصيلهم بعيدا عن كل متربص. ويعود تاريخ هذا الفج الصخري، بحسب دراسات علمية، إلى نشاط جيولوجي قبل أكثر من مليون سنة، حيث تكونت تضاريسه بفعل التعرية وقوة جريان المياه.

وخلَّفَ هذا النشاط الجيولوجي أشكالا فنية على جنبات الوادي تسر الزائرين، فضلا عن تكتلات طينية على شكل مرتفعات ومنخفضات وكهوف خلفتها شلالات مائية كانت متدفقة باستمرار من أعالي الكتل الصخرية، ونحتت المياه لنفسها مصارف طبيعية بين هذه الكتل المكونة من صخور ورمال وطين تجمعت وتصلبت على مدى ملايين السنين.

وقال إبراهيم أضرضور، وهو شاب من سكان أمتضي، إن هذه “الحصون كانت تستخدم في الماضي كمخازن جماعية يحفظ فيها السكان أموالهم وقوتهم ومحاصيلهم الزراعية في فترات تاريخية غاب عنها الاستقرار في المنطقة. وكانوا أيضا يلجأون إليها للاحتماء في فترات الاضطرابات والحروب القبلية”.

ويوجد في الواحة “أكادير أكلوي”، وهو حصن، وفق سكان المنطقة، جرى تشييده قبل أكثر من تسعة قرون، ثم أعيد بناء هذا المعمار التراثي الجبلي أكثر من مرة، ويتميز بهندسة محكمة ومنيعة، إضافة إلى أبراج للمراقبة.

وللولوج إلى الحصن يلزم الزائر تجاوز أكثر من بوابة. ويتكون هذا البناء من أربعة طوابق مقسمة إلى أكثر من 90 غرفة للتخزين، ولكل أسرة غرفتها الخاصة وفق الأعراف القديمة المنظمة للحصن.

الحصن الثاني، الذي لا يزال شامخا، يسمى “أكادير ندعيسى”، وهو يطل على قرية إدعيسى، وقد فُتح للسياح منذ ستينات القرن الماضي، ولا يختلف كثيرا في هندسته عن حصن “أكلوي”، ويتكون هو أيضا من غرف للتخزين وأبراج للمراقبة وأسوار محصنة.

وتقود مواصلة المسير في عمق واحة أمتضي، الزائر إلى طبيعة خلابة ومياه متدفقة على شكل شلالات تروي الحقول والأشجار. وتجذب الواحة طول السنة سياحا مغاربة وأجانب.

مخازن (إيكودار) الأمازيغية التاريخية تعتبر أقدم نظام بنكي في العالم، حيث كانت عبارة عن منشآت تخصص لادخار وتخزين وحماية أموال وممتلكات الأسر

قالت السائحة البريطانية فال ليير “أنا معجبة جدا بهدوء الواحة وسكانها الطيبين، وكونها لا تزال تحتفظ بموروثها الطبيعي والتاريخي، الذي يشرح لنا كيف استطاع سكانها مقاومة مشاكل ومصاعب الحياة، على جميع الأصعدة”.

وبجانب السياحة، لا يزال سكان أمتضي يزاولون نشاطا زراعيا معيشيا، يشمل أشجار اللوز والخروب والزيتون والرمان، وبعض الخضروات. لكن التغيرات المناخية في السنوات الأخيرة جعلت الواحة تفقد الكثير من الأراضي المخصصة للأنشطة الفلاحية؛ بسبب الفيضانات والسيول التي تجرف الأراضي، وتهدد معالمها التاريخية العريقة.

ووفق عمر بالحوس، وهو شاب يرافق السياح، فإن “السكان لم يعودوا يعتمدون على المحاصيل القليلة جدا كمصدر عيشهم اليومي، لهذا فنحن في أمسّ الحاجة إلى الدعم الدائم للحفاظ على هذا الموروث البيئي، الذي يساعد السكان على الاستقرار، ويساهم في الحفاظ على البنايات التاريخية، لنضمن استمرار تدفق السياح”.

24