"إيلانك".. الحقائق التاريخية لا تتعارض مع جموح الخيال

فيلم خيال علمي للمخرج الكوري كيم جي وون، يوحد الكوريتين في العام 2024 على حساب مصالح قوى إقليمية تقليدية تسعى لإفشال الوحدة.
الاثنين 2018/12/24
موازنة محكمة بين الواقعي والخيالي

تبدو التجارب السينمائية في توظيف الرسوم المتحركة وقصص الكوميكس الأكثر رواجا في أفلام الخيال العلمي قد تحولت إلى ظاهرة، خاصة في السينما الأميركية، من خلال سلاسل من الأفلام ذائعة الصيت من قبيل “الرجل الحديدي” و”كابتن أميركا” و”الرجل النملة” و”الرجل العنكبوت” و”الرجل الخفاش” و”روبوكوب” و”قناع زورو” و”رجل الظلام” و”متسابق المتاهة” وغيرها، حيث مزجت هذه التجارب السينمائية بشكل رائع بين المغامرة وتوظيف الخيال العلمي مع إبراز للقدرات الخارقة للشخصيات.

اختراق حدود قدرات البشر إلى ما هو أبعد من ذلك زمنيا ومكانيا شكّل علامة فارقة في التجارب الفيلمية التي وظفت الرسوم المتحركة وقصص الكوميكس لإنتاج سينما خيال علمي شديدة الخصوصية، وذلك عبر توفير مادة خصبة لهذا النوع من السينما مع الإبقاء على قدر من الواقعية في رسم خطوط السرد الفيلمي.

وفي فيلم “إيلانك” للمخرج الكوري كيم جي وون، يبدو التأثر واضحا بالتجارب الأميركية في التماهي مع قصص الرسوم المتحركة والكوميكس، وهو الذي تمرّس جيدا في أساليب السينما الهوليوودية من خلال إقامته وتجاربه في الولايات المتحدة، الأمر الذي مكنه من تقديم معالجة مختلفة للرسوم المتحركة.

وتعود فكرة الفيلم إلى الرسوم المتحركة اليابانية من جهة وإلى نوع يشبه الكوميكس قدم صور المحاربين اليابانيين إبان الحرب العالمية الثانية من جهة ثانية، وهي (الصور) من تأليف مامورو أوشي وتعود إلى العام 1999.

وخلال الدقائق العشر الأولى من هذا الفيلم الممتدة أحداثه على مدى أطول من ساعة ونصف الساعة، يقدم من خلال معلومات وثائقية وصور غرافيك، خلفية واضحة لما سوف نعيشه من أحداث.

وسنكون إزاء خيال علمي يذهب بنا إلى العام 2024، عندما يتم توحيد الكوريتين على حساب مصالح قوى إقليمية تقليدية تتمثل في روسيا والصين واليابان التي تكرس كل منها ما تستطيع من أجل إفشال وحدة الكوريتين.

وبعد ذلك بخمس سنوات سوف تعيش الكوريتان الموحدتان أسوأ أحوالهما بسبب حصار خانق تفرضه الدول المذكورة، ويتسبب ذلك في تمزق اجتماعي وبروز تيارات مناوئة للحكومة التي تدير شطري كوريا وصولا إلى تبلور المعارضة وتمكنها من إنشاء تنظيم مسلح لا يتورع عن القيام بعمليات إرهابية.

وكل ما نشاهده في هذه الأجواء المشتعلة، هو خيال علمي مجرد مبني على حقائق التاريخ والجغرافيا، لكن ما سوف نواجهه من تحول سيتمثل في تشكيل قوة ضاربة تدعى قوة الذئب لمواجهة من يسمّون تنظيمات إرهابية.

توظيف محكم لقصص الكوميكس على أرض الواقع
توظيف محكم لقصص الكوميكس على أرض الواقع

وفي وسط هذه الدراما سوف يبرز دور الضابط ليم (الممثل دونك وون) الذي يعيش آثار ما بعد الصدمة، بعدما يوجه امرأة انتحارية تفجر نفسها بالقرب منه مستهدفة قوة الذئب، ثم ليتعرّف على لي (الممثلة هان جو) التي تدّعي أنها شقيقة الانتحارية، ثم لتستبطن شخصيات عدة وتخوض إلى جانب ليم مخاطر عديدة تتوّج بعلاقة عاطفية بينهما، لنكتشف في الأخير أنها ليست إلاّ جاسوسة للشطر الشمالي وأن عليه قتلها.

وعلى هذه الخلفية سوف نشهد المزيد من العنف والحركة ومشاهد القتال الشرس الذي يتوج بالمواجهة بين الضابط ليم وبين خصمه اللدود هان (الممثل كيم يول)، الذي يمثل الوجه الأكثر قبحا لأجهزة دولة الفاسدة والتي لا تعترف بغير العنف والقتل حلاّ لمواجهة الرأي العام المحبط.

وعلى صعيد السرد الفيلمي، سعى المخرج إلى تقديم كل ما يمنح فيلمه من عناصر النجاح في صفقة واحدة، فهو بنى سردا واقعيا وخلفية تاريخية لواقع الصراع الطويل بين الكوريتين، كما رسم مسارا سرديا مقابلا عبر خوضه في مستقبليات افتراضية تتعلق بما ستؤول إليه أوضاعهما، إضافة إلى زجّه بشخصيات درامية قلبت السرد الواقعي مع حشد مفاجآت وشخصيات مزدوجة، ولكنه مع ذلك لم ينج من الترهّل وتكرار الأحداث الفيلمية.

أما على الصعيد الفني، فقد وقفت خلف إنجاز هذا الفيلم شركتا “وارنر” و”نتفليكس” العملاقتان في إنتاج مشترك مع الجانب الكوري، ولهذا كان تفوق الفيلم فنيا لا غبار عليه، عبر صناعة المشاهد التي كانت على درجة عالية من البراعة، المواجهات الحربية، مشاهد الحركة، الانتقالات الزمنية والمكانية، جودة الصورة، وجميعها شكلت علامة فارقة في هذا الفيلم.

وإذا كان محور الخيال العلمي هو الركيزة التي بنيت عليها أحداث الفيلم، فإن ما لفت نظر الكثير من النقاد أن الفيلم وعلى الرغم مما توفر له من إمكانات إنتاجية الضخمة، إلاّ أن مخرجه تناسى أننا انتقلنا من العام 2024 إلى العام 2029، فقدم مبانيَ وعناصر مكانية ووسائط نقل بما فيها السيارات كلها تنتمي إلى زمننا الحاضر، وليس بعد أكثر من عقد من السنين من الآن كما أعلن منذ البداية.

وفي المقابل تميز الفيلم بجرأة في بناء الموضوع والأحداث واجتهاد ملحوظ في المزج ما بين الخيال العلمي والنمط الواقعي وحقائق التاريخ، لكنه أسرف في مشاهد القتال الفردي والجماعي واستغرق طويلا في تلك الصراعات القائمة على المهارات الفردية.

16