إيليا سليمان الفلسطيني التائه يواصل البحث عن هويته

إيليا سليمان يريد من خلال فيلمه أن يعكس صورة قاتمة لعالم اليوم الذي يرى أنه لم يعد يختلف كثيرا عن واقع فلسطين المحتلة.
الجمعة 2019/06/07
لقطة من التصوير في مترو باريس

كان فيلم “لا بد أن تكون الجنة” للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان الفيلم الكوميدي الوحيد في مسابقة مهرجان كان، ربما مع الفيلم الكوري الفائز بالسعفة الذهبية الذي يبدأ بالكوميديا وينتهي بالتراجيديا، وقد حصل الفيلم الفلسطيني -وهو من الإنتاج الفرنسي الكندي المشترك- على تنويه خاص من لجنة التحكيم.

  كان إيليا سليمان دائما مهتما في أفلامه بموضوع البحث عن الهوية الفلسطينية، ومنذ فيلمه الروائي الطويل الأول “سجل اختفاء” (1996) وهو مهموم بالتعبير الذاتي عن الاغتراب، لذلك كان من الطبيعي أن تنحو أفلامه نحو العبث مضمونا والسريالية أسلوبا.

وفي عام 1994 عاد إيليا سليمان (مواليد 1962) من نيويورك حيث قضى 12 عاما إلى فلسطين، أقام أولا في القدس ثم انتقل إلى الناصرة وهي البلدة التي ولد ونشأ فيها. وفي “سجل اختفاء” كان يصوّر بحث الفلسطيني القادم من الشتات عن هويته في وطنه دون أن يعثر عليها أبدا، وكان يظهر بنفسه في فيلمه، يريد أن يتعرف على وطنه، وأن يلتقي أهله وأصدقاءه، يتحاور معهم ويعرف كيف يعيشون ويفكرون، لكنه سرعان ما يجد نفسه عاجزا عن الاندماج في الواقع، غريبا يتأمله من على مسافة ذهنية، يرصد تناقضاته دون أن يفهمها.

هذا المدخل أجده أساسيا لفهم تجربة إيليا سليمان في فيلمه الجديد “لا بد أن تكون الجنة” It Must Be Heaven الذي يعتبر امتدادا لتجربته في “سجل اختفاء”، ولكن بينما كان “سجل اختفاء” يدور في الداخل الفلسطيني من وجهة نظر الفلسطيني العائد “من الشتات”، يعبر سليمان في معظم أجزاء فيلمه الجديد إلى الجانب الآخر، أي إلى “الشتات” مجددا، في محاولة للإفلات من الواقع العبثي الذي يستعصي عليه فهم ألغازه، ولكن هل سيتمكن من سبر أغوار الجانب الآخر من العالم؟

ويتكون الفيلم شأن أفلام مخرجه السابقة، من مشاهد منفصلة أقرب ما تكون إلى “الاسكتشات” التي تعبر عن رؤية تميل لمداعبة المتفرج، تعكس عبثية الواقع، وتنتج الكوميديا هنا من خلال الصدام بين الحقيقي والمتخيل المبالغ فيه، لكن الفيلم أقل كثيرا من أفلام مخرجه السابقة خاصة فيلمه السابق مباشرة “الزمن الباقي” الذي بلغ فيه قمة النضج والقدرة على تجسيد الخيال.

إنه لا يزال يحتفظ بعالمه وبقدرته المدهشة على الابتكار: في تصميم المشهد وتحقيق الدهشة وكذلك في سخريته اللاذعة ومبالغاته التي تجعله فريدا في أسلوبه باعتباره الوريث العربي الوحيد لتراث جاك تاتي الفرنسي، مع الاحتفاظ بمذاقه الفلسطيني الخاص ذي الثقافة المسيحية العربية، ولمسات تشي بتأثره بالعيش في الغرب، ورغبته في التحقق من خلال السينما وما يواجه في سبيل ذلك من عقبات تزيده شعورا بالاغتراب.

لقد قضى سليمان عشر سنوات يبحث عن وسيلة لإنتاج فيلمه الجديد، لكنه لا يخطو خطوة جديدة نحو بناء أكثر تركيبا في فيلمه الجديد، وهو يعبر عن شعوره بالإحباط في أحد مشاهد “لا بد أن تكون الجنة” عندما يذهب إلى شركة إنتاج باريسية كان قد أرسل إليها سيناريو فيلم، فيقابله مدير الشركة ويخبره في مونولوج طويل تقريري، أن فيلمه لا يتفق مع ما تراه الشركة في فيلم “فلسطيني”، أي أنه بعيد عن الفيلم الفلسطيني التقليدي.

غير أن إيليا سليمان نجح في الحصول على تمويل لفيلمه هذا من فرنسا ومن كندا وألمانيا وغيرها، وهو يبدأ الفيلم في الناصرة حيث يقيم، غريبا، يتطلع إلى الخارج من شرفة منزله، وحيدا عاجزا عن فهم ما يجري حوله: لص يتردد يوميا على حديقة المنزل يسرق ثمار الليمون ثم ينصرف كما لو كان قد أصبح مالكا للحديقة، يروي أشجارها ويلوّح بيده لصاحبها العاجز في مكانه في الشرفة.

الاحتجاج الساخر

أما المشهد الأول، فهو يعبر عن موقف إيليا سليمان الاحتجاجي الرافض للكنيسة: يبدأ المشهد بمجموعة من المسيحيين يحتفلون داخل كنيسة يرتلون بالعربية الفصحى تراتيل دينية تحتفي بالمسيح “هذا هو اليوم الذي صنعه الرب.. فلنفرح ونتهلل به”.

يقود المنشدين قس يهبط بهم في ممر إلى حيث يوجد باب حديدي موصد، يطلب أن يفتح الباب بأمر الرب وبركته، لكن الباب لا يُفتح، بل يرد عليه من وراءه رجل يبدو أنه ذلك المسؤول الخفي المكلف بفتح الباب استجابة لمشيئة الرب، يقول له إنه لن يفتح الباب ويسخر من القس ويطالبه بالانصراف، الرجل على ما يبدو، سئم اللعبة.

الفيلم يتكون من مشاهد منفصلة أقرب ما تكون إلى "الاسكتشات" التي تعبر عن رؤية تميل للمداعبة، تعكس عبثية الواقع

وربما يكون يفضفض عن مشاعره الحقيقية تحت تأثير الخمر، يتجه القس إلى الجهة الأخرى ويقتحم الغرفة الخلفية ويشبع الرجل الغامض ضربا، لكننا لا نرى بل نسمع فقط صوت استغاثة الرجل!

يراقب بطلنا رجلا مخمورا، يعيث فسادا، تحضر الشرطة، يراقب شرطيان بمنظار ثم يرحلان، يشاهد رجلا يتبوّل على جدار منزله ويردد كلاما لا معنى له، وعندما يقود سيارته يلمح سيارة تمر بجواره في داخلها شرطيان وفي المقعد الخلفي فتاة معصوبة العينين، يتبادل الشرطيان ارتداء نظارات سوداء متطابقة دون هدف.

تحت وطأة الشعور بالعبث، يحزم إيليا أمره ويقرر مغادرة البلاد، يبيع أثاث منزله، ويركب الطائرة، ولكنه يصبح الوحيد الذي يشعر بالوجوم والقلق كلما ارتجف جسد الطائرة في الجو.

يصل إلى باريس.. هناك يجلس يتأمل في دهشة الفتيات وهنّ يسرن كعارضات أزياء بتنوراتهنّ القصيرة، ثلاثة من رجال الشرطة يمارسون التزحلق على أرضية الشارع، وفي مشهد عبثي تماما يجلس رجل مشرّد بجوار جدار كنيسة، تحضر سيارة إسعاف، تهبط منها مسعفة تسأله هل هو جائع؟ وهل يرغب في تناول وجبة من الدجاج أم اللحم؟ تقدّم له قائمة الطعام ليختار منها، ثم تقدّم له ما طلبه وتتمنى له شهية طيبة وترحل كما جاءت.

تحلق طائرات حربية فوق باريس شبه الخالية من السكان، تعبر صفوف من الدبابات الضخمة أمام مصرف فرنسا، نوتردام (قبل الحريق) متألقة كما كانت أبدا، داخل محطة مترو تتبع مجموعة من الشرطة سيدة تحمل حقيبة، كلما سارت في اتجاه ما يسيرون وراءها، وعندما تغير اتجاهها يغيرون اتجاههم ليسيروا خلفها.

هناك شاب يقف على رصيف إحدى محطات المترو، يغطي ذراعيه الوشم.. يتبع إيليا سليمان بعد أن يركب المترو يتأمل سحنته.. يتحسب له صاحبنا ويتفادى التطلع إليه.. ينتهي المشهد الطويل فجأة نهاية غير واضحة، يرتدي إيليا سليمان دائما قبعة ونظارات سميكة ويبدو الشيب وقد غطى شعره.

مواقف طريفة

هناك الكثير من المواقف الطريفة في حد ذاتها، ولكن ما هي الحصيلة؟ لا شيء يذكرنا بفلسطين وبقضية هذا الرجل، ولا وجود للجانب الآخر، أي لإسرائيل في الفيلم سواء في الداخل أو في الخارج، على نحو ما كان واضحا وبقوة في الفيلمين السابقين لإيليا سليمان.

هنا يمكن أن تحدث هذه المشاهد في أي مكان ومن خلال عيني أي شخص، ولكن إيليا سليمان يربطها على استحياء شديد وبشكل ضعيف ودون إقناع بموضوع فلسطين، فأي إشِارة إلى فلسطين تبدو مقحمة منفصلة عن عبثية المشاهد واللقطات.

هناك على سبيل المثال طرافة لا شك فيها في المشهد الذي يجلس فيه إيليا يحاول أن يكتب سيناريو فيلمه في غرفته الباريسية، تحط عصفورة صغيرة على سطح المكتب، تقفز على “الكيبورد” وتعوقه عن الاستمرار في الكتابة. وكلما أزاحها بعيدا تعود لتقفز وتقف أمامه، يتكرّر هذا مرات عدة إلى أن يمسكها ويلقي بها من النافذة برفق لتطير في الخارج، مشهد جميل ومنفذ جيدا وبارع في الخيال.. ما المقصود من مشهد كهذا؟

في “الزمن الباقي” مثلا كانت هناك صلة عضوية بين الصور واشتباك حقيقي مع الواقع، ومع امتداد الزمن كان الفلسطيني (إيليا سليمان نفسه) يتحوّل إلى معتقل في بيته: يكتفي بالتطلع إلى الألعاب النارية بمناسبة حلول العام الجديد، بينما على الأرض يبدو كلا الطرفين منغمسين في لعبة هزلية قد تمتد إلى الأبد.

في "لا بد أن تكون الجنة" يعبر إيليا سليمان في معظم أجزاء فيلمه الجديد، عن الجانب الآخر، أي إلى "الشتات" مجددا، في محاولة للإفلات من الواقع العبثي الذي يستعصي عليه فهم ألغازه
في "لا بد أن تكون الجنة" يعبر إيليا سليمان في معظم أجزاء فيلمه الجديد، عن الجانب الآخر، أي إلى "الشتات" مجددا، في محاولة للإفلات من الواقع العبثي الذي يستعصي عليه فهم ألغازه

لا يحدث تطوّر جذري في سياق الفيلم عندما ينتقل إيليا سليمان إلى نيويورك بعد أن يعجز عن فهم “ألغاز” باريس أو يتكثّف شعوره بالاغتراب في شوارعها التي باتت خالية كأنما هجر المدينة سكانها.

وفي التاكسي الذي يقله من المطار يسأله السائق الأسود “من أين أتى”؟، فتكون تلك المرة الوحيدة التي يتكلم فيها إيليا سليمان في الفيلم كله، فهو دائما صامت يكتفي بالابتسام أو التقطيب أو يرفع حاجبيه في دهشة، يجيب على السائق فيقول إنه من الناصرة، فيتهلل السائق ويقول: بلد المسيح، ويعاجله سليمان “أنا فلسطيني”، فيقول السائق إنه يعرف فلسطين، ويضيف (أنا أحب كرافات) يقصد عرفات!

يجد سليمان سكان نيويورك يشترون الأسلحة ويحملونها، بل وينزل أحدهم من سيارته وهو يحمل إحدى قاذفات الصواريخ.. أم تحمل طفلها وفوق كتفها بندقية آلية.. وفي حديقة “سنترال باك” تحضر الشرطة للقبض على فتاة صغيرة تقف لا تفعل شيئا سوى أن تفرد جناحين كما لو كانت حمامة السلام.. يهجم الشرطيون عليها، يختفي جسد الفتاة تماما ولا يبقى منها سوى الجناحين على الأرض.

في مدرسة السينما لقاء مع المخرج، الحاضرون يرتدون جميعا أقنعة حيوانات، بل أصبحت المدينة كلها مليئة بالمتنكرين في ملابس تجعلهم يشبهون الحيوانات، ملك الموت يركب مع الفتاة الملاك دراجة ويتطلع إلى صاحبنا بقناعه المخيف، مروحية تلحق فوق مانهاتن، يبدو أنها تراقب صاحبنا وتتبعه. في الملتقى الفلسطيني الأميركي يجلس يستمع ويشاهد: كلام إنشائي مليء بالشعارات، ثم ضبط إيقاع التصفيق عل كل عبارة يقولها مقدم الحفل.

وفي البار يلتقي برجل لبناني يقرأ له البخت في ورق اللعب، يخبره “ستكون هناك دولة فلسطينية، ولكن ليس في حياتك أو حياتي”، يشربان معا، يسر له الرجل “أنتم الشعب الوحيد الذي يشرب لكي يتذكر”.. ثم ينهض ويرقص على إيقاعات أغنية لصباح فخري.

والحقيقة أن من أفضل عناصر الفيلم شريط الصوت الحي البديع الذي يجمع فيه إيليا سليمان شأنه في أفلامه السابقة، مختارات من الأغاني العربية من أسمهان (واحكي شهود غرامي) وعبدالحليم حافظ (شغلوني)، مع بعض الأغاني الأميركية والإيقاعات التي تجعل السائرات في الشارع الباريسي يتمخترن ويتهادين في استعراض تتركز خلاله الكاميرا على الوجوه المختلفة والأجساد والسيقان، فلا بد أن تكون هي الجنة!

صورة قاتمة

إيليا سليمان يريد أن يعكس صورة قاتمة لعالم اليوم الذي يرى أنه لم يعد يختلف كثيرا عن واقع فلسطين المحتلة، حيث يعيش الناس في خوف أو هم هجروا مدنهم أو أصبحوا يحملون الأسلحة استعدادا لمعركة قادمة غامضة، الحواجز الأمنية انتشرت، وشاع التفتيش اليدوي (هناك مشهد طريف في مطار نيويورك ورجل الأمن يحاول تفتيش إيليا بواسطة عصا إلكترونية، لكن إيليا يختطفها منه ويلاعبه بها كما لو كان بهلوانا في سيرك).

ولكن إيليا سليمان لا يتجاوز في فيلمه بشكل عام فكرة السخرية والعبث وتصوير المواقف الطريفة التي يثير بعضها الضحك أو يدفع إلى مجرد الابتسام، لكن الفيلم يعاني من التكرار وغموض المعنى بسبب انفصال “المقاطع” التي يصوّرها عن بعضها البعض، أي غياب سياق سينمائي قوي ومحكم يقوم على الجدل بين اللقطات.

فهو يكتفي بها كمعادل لفكرة التيه الأبدي (في الداخل) والشتات الأبدي (في الخارج)، وعندما يعجز عن التآلف مع العالم يعود من حيث أتى ليجد أن كل شيء في بلده على ما كان، فمازال اللص يتردد على الحديقة يسرق ما يشاء من ثمارها، والسكير المخرف مازال يسكر ويتبوّل على جدار المنزل ويسب ويلعن، والفضاء يخلو من البشر، عموما، لكنه يرى مجموعة من الشباب يحتفلون بالحياة والحب والرقص والغناء في أحد المقاصف الليلية، فربما يتمكن الجيل التالي من تحقيق السعادة.

16