إيمانويل ماكرون السياسي الأصغر في تاريخ فرنسا الحديث

الأحد 2017/01/15
ماكرون الطموح

باريس - شكل ظاهرة في الحكومة الفرنسية، هو متميز في كل شيء، حقق قفزات نوعية في حياته المهنية والسياسية. إيمانويل ماكرون وزير الاقتصاد المستقيل والمرشح الأحدث لسباق الرئاسة الفرنسي.

بالرغم من أنه درس الفلسفة وأعد أطروحته للتخرج حول فلسفة هيجل والمصلحة العامة، إلا أنه سرعان ما التحق بعدها مباشرة بمعهد العلوم السياسية الفرنسي الشهير في عاصمة النور باريس وفي نفس الفترة التحق بالمعهد الوطني للإدارة، وتخرج منه بتفوق. المعهد الذي يعتبر مولد النخبة المتميزة والمدخل إلى الوظائف العليا في الدولة أو في القطاع الخاص.

مع كل هذا التحصيل الغارق بالفلسفة والإدارة إلا أن ماكرون انغمس سريعاً في عالم الاقتصاد. فالتحق بإدارة التفتيش المالي حيث أمضى ست سنوات، وعمل في مصرف روتشيلد الشهير وهو مصرف أعمال. واستطاع خلال عامين فقط أن يجمع ثروة تقدر بـ2 مليون يورو، وبشهادة مدرائه فإنه لو استمر بالعمل المصرفي لكان أفضل مصرفيٍ في أوروبا كلها ليس في فرنسا فقط.

الرجل النابغة الذي لم يبلغ الأربعين من عمره بعد، عرفه الفرنسيون مع تولي فرنسوا هولاند لمنصب رئيس الجمهورية، عندما عينه كمساعد لأمين عام قصر الإيليزيه، وأعطاه الكثير من الثقة وأتاح له المجال واسعاً ليثبت مهارته السياسية إلى جانب مهارته الاقتصادية .

ماكرون الطموح استطاع أيضاً أن يستحوذ على ثقة المحيطين بالرئيس ليختاره مانويل فالس ضمن تشكيلة حكومته التكنوقراطية، وليسلمه حقيبة الاقتصاد.

من هنا بدأت طموحات ماكرون في الظهور مع تشكيله لحركة سياسية خاصة به، بعد استقالته من الحزب الاشتراكي، استطاعت أن تنتشر سريعا وأن ينضم تحت لوائها أكثر من ثلاثة آلاف منتسب.

عازف البيانو

لوالدين طبيبين ولد إيمانويل ماكرون في مدينة أميان الفرنسية الشمالية والقريبة من باريس في الحادي والعشرين من ديسمبر من العام 1977 .

والده طبيب أعصاب معروف وأستاذ جامعي وأمه أيضا طبيبة كانت تعمل مستشارة للضمان الاجتماعي. في أميان مسقط رأسه نبغ ماكرون كفتى متميز ومتفوق في كل شيء. وفيها درس مثل كل أقرانه قبل أن ينتقل إلى باريس لتتمة تعليمه العالي، وهناك إلى جانب دروسه السياسية والإدارية كان يهتم بالآداب والعلوم الاجتماعية، فحصل بسهولة على شهادات عليا.

قانون ماكرون قانون سمي باسمه يدعو إلى رفع القيود عن الاقتصاد والتخفيف من وطأة القوانين التي تنظم العمل وشروطه، وكما حصل في كثير من البلدان الأوروبية كبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، فقد دعا الوزير الشاب إلى تسهيل تسريح العمالة من أجل توفير هامش من المناورة لأرباب العمل وتحديد سقف لتعويضات التسريح

بموازاة ذلك، فإن ماكرون عازف بيانو متمرّس. إذ درس الموسيقى طيلة عشر سنوات وهو رياضي يمارس الملاكمة، وبما أنه يريد التميز في كل شيء فقد تزوج بريجيت، السيدة التي كانت أستاذته لمادة الآداب الفرنسية في الثانوية والتي تكبره بـ24 سنة وهي أم لثلاثة أولاد وجدة لخمسة أحفاد. وصور الزوجين المختلفين تملأ المجلات الاجتماعية وتغزو الأغلفة كحالة زواج غريب ومتميز.

ماكرون المتميز بات أيضا نجما من نجوم فرنسا اليوم، ومعشوق صباياها بامتياز، هو حالة فريدة لم تمرّ بتاريخ الجمهوريات الفرنسية.

قفزاته إلى عالم السياسة الواسع لافتة، في عمر لم يسبقه إليه سياسي من قبل وهو ما يزال في عامه الثامن والثلاثين.

يدين بنقلته تلك للرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الذي راهن على المصرفي الشاب. وأكد في أكثر من مناسبة بأنه يثق بولاء ماكرون السياسي لأنه ببساطة صنيعته بامتياز. ومثل كل الحكايات عندما تأتي الطعنات من أقرب المقربين وربما لا تعتبر الخيانات السياسية خيانة، فقد انقلب ماكرون على صانعه ليتغلب طموحه الشخصي على ولائه.

في مرمى النيران

ظهرت جليا شخصية ماكرون الليبرالية اقتصاديا والجانحة إلى فلسفة الاقتصاد من خلال اقتراحه لقانون سمّي باسمه داعياً إلى رفع القيود عن الاقتصاد والتخفيف من وطأة القوانين التي تنظم العمل وشروطه، وكما حصل في كثير من البلدان الأوروبية كبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، دعا الوزير الشاب إلى تسهيل تسريح العمالة من أجل توفير هامش من المناورة لأرباب العمل وتحديد سقف لتعويضات التسريح.

ماكرون النابغة الذي لم يبلغ الأربعين من عمره بعد، يعرفه الفرنسيون مع تعيين فرنسوا هولاند له كمساعد لأمين عام قصر الإيليزيه، ومنحه الكثير من الثقة التي عززها مانويل فالس باختياره ضمن تشكيلة حكومته التكنوقراطية، حين سلمه حقيبة الاقتصاد.

يتيح القانون للمراكز التجارية أن تعمل 12 ساعة أيام الآحاد في المناطق السياحية. إضافة إلى تحرير قطاع المواصلات وخصوصا الحافلات، وإجراء تغييرات على جانب من قوانين الشغل وعلى بعض القطاعات المهنية التي كانت حكرا على بعض المستثمرين، والذي اعتبره من جملة الإصلاحات الاقتصادية التي يرغب من خلالها بالنهوض بالاقتصاد الفرنسي. الأمر الذي أوشك أن يصبح أزمة داخل الحكومة بعد أن قرر رئيسها مانويل فالس تمرير ما سمّي بـ”قانون ماكرون بالقوة”، مستعينا بالمادة 49-3 من الدستور والتي تسمح للحكومة تمرير مرة واحدة في السنة قانونا دون أن يصوت عليه أعضاء الجمعية الوطنية، كما يتوجب القيام به في بلد ديمقراطي .

وتضمن قانون ماكرون جملة من القرارات الاقتصادية الجديدة التي اقترحها وزير الاقتصاد لإعطاء دفعة جديدة للاقتصاد الفرنسي وحلّ مشكلة البطالة .

الأمر الذي جعل الحكومة برمتها مع رئيس الجمهورية في مرمى نيران المعارضة التي رأت في ماكرون تهور الشباب لا الحنكة الاقتصادية. معتبرة أن تمرير القانون عدم احترام للديمقراطية من طرف الحكومة الفرنسية. مشيرة إلى أن الحكومة أصبحت لا تملك الأغلبية في البرلمان وفقدت مصداقيتها في عيون الفرنسيين، وكانت أكثر الانتقادات تأثيراً التي جاءت في تغريدة للرئيس السابق نيكولا ساركوزي في حسابه على تويتر “لا توجد هناك حكومة ولا أغلبية اشتراكية”.

ماكرون ضد الجميع

بات واضحاً أن طموح ماكرون أهم بكثير من مبادئه أو توجهاته السياسية. فهو يتخذ في كل مرحلة ما يناسب مصالحه فيها وما يخدم هدفه في تحقيق طموحه وخاصة بعد أن أعلن استقالته من الحزب الاشتراكي الذي انتسب إليه ما بين عام 2006 وحتى 2009 وأسس حركته الحزبية “ماضون قدماً” في أبريل الماضي، أي قبل عام واحد فقط من الانتخابات الرئاسية، معلنا أن حركته لا يمينية ولا يسارية محتفظاً بطابع خاص يعـكس توجـهاته ذات النزعة الإصلاحـية اللـيبرالية، والساعية إلى إحداث تغـيير جذري في مـؤسسات النـظام الفـرنـسية الاقتصادية والمالية والاجتماعية، التـي يعتبرها “متـهالكة ومـتـجاوزة”، لكـونها نتاج مرحـلة ما بعد الحـرب العالـمية الـثانـية.

نسبة 45 بالمئة من الفرنسيين ترى في ماكرون رئيسا جيدا لفرنسا بحسب استطلاع للرأي أجرته شركة أوديكسا لصالح صحيفة لوباريزيان. وتمثلت المفارقة الغريبة في كون ماكرون يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الناخبين الذين تتجاوز أعمارهم الستين عاماً

هذه الدعوات جعلته شخصية مقبولة لدى الناخب الفرنسي بالرغم من حداثة عهده بالسياسة، إذا لم يعتد المجتمع الفرنسي على ساسة شباب يخوضون غمار الانتخابات الرئاسية. وعلى ما يبدو بدأت الفكرة تلقى استحسان الفرنسيين إذ يرى 45 بالمئة منهم في ماكرون رئيسا جيدا لفرنسا بحسب استطلاع للرأي أجرته شركة أوديكسا لصالح صحيفة لوباريزيان. وتمثّلت المفارقة الغريبة في كون ماكرون يحظى بشعبية كبيرة في أوساط الناخبين الذين تتجاوز أعمارهم الستين عاماً، الأمر الذي جعل البعض يطلق عليه بسخرية “ماكرون الشاب الذي يجذب إعجاب الشيوخ”.

لم يكتف ماكرون بترشحه للرئاسة بل بدأ بحربه على الجميع دفعة واحدة فقد نوّه في تصريح له مؤخرا في حوار له مع أسبوعية لو جورنال دو ديمانش إلى أن الرئيس هولاند لم يذهب بعيدا في الإصلاحات الاقتصادية، قائلا “إذا أردنا أن ننجح وننهض بالاقتصاد، فهذا يتطلب منا تنفيذ إصلاحات اقتصادية بشكل كامل وليس بشكل جزئي. لقد عبّرت عن رفضي للسياسة الاقتصادية المتبعة من قبل الحكومة بهدوء، والرئيس عندما نصبني وزيرا للاقتصاد كان يدرك مسبقا أفكاري وقناعاتي الاقتصادية”. انتقد أيضا الرئيس الفرنسي السابق ساركوزي وقاله عنه بأنه “يؤجج الصراعات داخل المجتمع الفرنسي ويغذي الانقسامات بين أبنائه”.

ناهيك عن حربه المستمرة مع فالس منذ توليه حقيبة الاقتصاد ومنذ أن لمع نجمه في الإعلام فجاءت ما سميت بالموجة الماكرونية التي دفعته للمواجهة والتي خلقت الحساسية بينه وبين فالس والتي زادت اليوم بسبب التنافس على كرسي الرئاسة.

ماكرون الذي لم يسبق له أن عرف الانتخابات لا المحلية ولا النيابية، يريد أن يراهن على فلسفته الإصلاحية الليبرالية محاولاً إعادة الأمل للفرنسيين رافعاً شعار “التغيير والحداثة ومجاراة العصر والانتقال من حال إلى حال”.

صرح دائما مراراً وتكراراً “أريد أن تكون الأفكار التقدمية والمنفتحة حاضرة في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية لكي يتسنى لنا تغيير وضع بلدنا إلى الأفضل”.

فهل تشهد فرنسا فعلاً أصغر رئيس للجمهورية بتاريخها؟ وهل يكون ماكرون هو أمل فرنسا القادم فعلاً؟

8