إيمان البحر درويش حفيد سيد درويش الذي يشكو المظلومية في مصر

مهندس يهوى بناء المعارك ويخوض في مستنقع سد النهضة.
الثلاثاء 2021/06/22
تدوينات "درويش الصغير" تثير الجدل

ظل الفنان المصري إيمان البحر درويش طيلة العقود الماضية يرتدي جلباب جده سيد درويش المعروف بـ "فنان الشعب"، منذ انطلاقته الفنية خلال الثمانينات من القرن الماضي، بانيًا شعبيته على عصرنة الأعمال العائلية المتوارثة ومزجها بأعمال خاصة تخلو من الإسفاف، وتخدم صورة ذهنية أرادها منذ اليوم الأول لانضمامه إلى الوسط الغنائي بتلقيب نفسه بـ"الفنان المُلتزم".

لم يقترب الفنان الذي تجاوز الخامسة والستين من عالم السياسة كثيرًا مثل جده صاحب الأغاني الوطنية الثورية المطالبة باستقلال البلاد عن الاحتلال الإنجليزي وملحن النشيد الوطني الحالي “بلادي بلادي” قبل أن تنزلق أقدامه بقوة إلى مستنقع المعارك السياسية، فاتحًا الباب أمام حملات هجومية بدأت باتهامه بالقصور الثقافي، ووصلت إلى حد التشكيك في تاريخه الفني الذي يقترب من أربعة عقود.

تصدر درويش محركات البحث في مصر أخيرًا بعد تدوينات غاضبة كتبها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ينتقد فيها موقف القاهرة من أزمة سد النهضة والتوجه نحو تحلية مياه البحر المالحة، في توقيت حرج يتزامن مع وصول المفاوضات التي يرعاها الاتحاد الأفريقي بخصوص سد النهضة الإثيوبي إلى طريق مسدود، وهو ما يؤثر سلبا على حصة مصر من مياه النيل.

الظلم له أنياب

أوقع الفنان نفسه وسط معركة حامية بين فريقين، أحدهما مؤيد للحكومة يتهمه بخدمة كيانات معادية للبلاد، وآخر معادٍ لها يتحيّن أي فرصة للهجوم على سياساتها، وأصبح فجأة وسط دوامة من البحث عن آرائه السابقة على شبكة الإنترنت، وتمّت إعادة استثماره لبناء صورة جديدة له كمُعارض، رغم إشادته بقيادات حكومية وقفت إلى جانبه في محنة المرض مؤخرا.

دأب درويش، الذي تماثل للشفاء التام من نزيف حاد في المخ وشلل شبه نصفي، على العزف على نغمة المظلومية بأشكال متباينة خلال الأعوام الماضية، ليعبر بها عن أزمته المستمرة مع نقيب الموسيقيين هاني شاكر الذي حمله مسؤولية مرضه بعد منعه من إحياء إحدى الحفلات وتهديده بالسجن بحجة أنه منتسب إلى النقابة، أي لا تتوافر فيه جميع شروط العضوية الكاملة، رغم توليه منصب نقيب الموسيقيين، وبأعلى أصوات من الجمعية العمومية قبل سنوات.

شعبية درويش يكتسبها من تراث جدّه فنان الشعب، ولكنه اليوم يجد نفسه في مرمى التصنيف السياسي بعد انتقاده تعامل الحكومة المصرية مع أزمة سد النهضة وتوجهها نحو تحلية المياه

تحدث عبر قناته الرسمية على موقع يوتيوب التي تحمل شعار "الظلم له أنياب.. والعدل غاب نابه" عن تعرضه لضيم يتطلب إنصافه من القضاء المصري، وانتقد رؤساء المحاكم بسبب ما أسماه بـ”خطأ” في إجراءات دعوى تسببت في ضياع حقه، لكنه تحدث في صورة مناشدة أكد فيها احترامه للسلطة القضائية وكل رجالاتها.

يعرف لعبة القانون جيدًا ويخوض غمارها بمفرده دون معاونة من المحامين الذين يتهمهم بتبديل الولاءات، رافعًا مبدأ الاشتباك القانوني خير وسيلة للدفاع، فأصبح أكثر  الفنانين رفعًا للدعاوى القضائية وتقديمًا للبلاغات أمام النيابة العامة، والكثير منها ضد زملاء له الذين يصفونه بـ”رجل يعيش نصف حياته داخل ساحات المحاكم”.

ظل الفنان في موضع قوة في خلافاته الفنية بقدرته على ضبط النفس وعدم الانجرار إلى الاشتباك اللفظي فتوالت الأحكام الصادرة لصالحه في قضايا سب وقذف، قبل أن يذوق من الكأس ذاتها بعد تقديم عدة بلاغات ضده بسبب تدويناته عن سد النهضة تتهمه بالتشارك مع جماعة إرهابية (الإخوان) وإذاعة أخبار كاذبة لنشر الفوضى. وهي اتهامات قريبة مما تعرض له قبل عامين حينما تم اتهامه بإهانة القضاء وإثارة الفتن، بادعاء وجود جهات تعرقل تنفيذ أحكام القضاء الخاصة بانتخابات نقابة المهن الموسيقية التي ربحها المطرب هاني شاكر.

سيرتا الجد والحفيد

Thumbnail

قد يكون ميل درويش إلى المعارك نتاجًا لتعلقه الشديد بسيرة جده، فالمحاكم أنصفت سيرته من تطاول أسماء كبيرة، مثل الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب الذي قال إن سيد درويش لو أعطاه الله عمرًا

أطول لأصبح مدمنًا لعشبة الحشيش ومادة الهيروين، وهو رأي غيره بعد الدعاوى التي رفعتها الأسرة وربحتها، وردت بها اعتبار مصدر فخرها الأول سيد درويش.

يحمل درويش الصغير شعورًا دفينًا بالغبن من وسائل الإعلام المصرية، فرغم نزوله إلى ميدان التحرير إبان ثورة الـ25 من يناير 2011 وصناعته أغنية “ثورة تحدي” لم  تتطوع أي وسيلة محلية لإذاعتها سوى قناة “الجزيرة” القطرية التي بثتها مرة واحدة فقط، على عكس زميليه محمد منير الذي حظي باهتمام إعلامي كبير على أغنية قديمة أعاد بثها في التوقيت ذاته، وعلي الحجار الذي أصدر ألبومًا متعجلاً لم يتماش مع تاريخه الفني، حسبما يرى درويش.

يقول عن نفسه إنه المطرب الوحيد الذي لم تتم دعوته للغناء في احتفالات انتصار 6 أكتوبر على إسرائيل، وعندما غنى طفل صغير أغنيته “يا مصر يا حافظة قرآنك وأناجيلك” أمام الرئيس الأسبق حسني مبارك وضُعت صورته بالصفحة الأول في ثلاث صحف حكومية، وتكرر الأمر مع أغنيته عن ضباط  قسم “كرداسة” بالجيزة الذين قتلهم أنصار الإخوان في اقتحام محل عملهم خلال أحداث ثورة 30 يونيو 2013، ولم تجد حظها أيضًا ليحسم الأمر بأنه “أكثر  مطرب قدم أغاني وطنية لمصر دون أن يكلفه أحد”.

مشكلة مزمنة

Thumbnail

يشعر الفنان بالضيم منذ نعومة أظافره باختيار اسم له دارج للإناث أكثر من الذكور وفاءً لأحد النذور وتعرضه طوال طفولته وشبابه للسخرية من قبل أساتذته بالجامعة، أو رفض والده المطرب محمد البحر تدريس أبنائه وتكوينهم في أي مجال يتعلق بالفن حتى لا يكرروا معاناته قبل أن يحيد أصغر أبنائه عن هذا التوجه بعد إنهائه دراسته في كلية الهندسة، ويستكمل ميراث العائلة.

عمل درويش بعد تخرجه لعدة أشهر في مجال التشييد والبناء مع رئيس شركة مقاولات بالإسكندرية، وحينما سمع صوته قدمه لشقيقه المنتج الفني الذي تحمس لإنتاج ألبوم غنائي له. ورغم تفرغه للغناء لنحو 37 عامًا والتوقف عن العمل بمجاله الأصلي كمهندس ظلت نقابة الموسيقيين تصنفه كمنتسب وتخلت عنه في محنة مرضه العضال، وهو أمر ترك ندوبًا لديه مع تقديره الكبير لذاته وتاريخه واعتبار تقديم أي مطرب لأعماله شرفًا.

مشكلة درويش في آرائه الهجومية المغايرة لما يعتاده الوسط الفني من مجاملات، فهو لا يتهرب من إبداء رأيه حول زملاء حاليين وسابقين لهم شعبية ضخمة مثل تامر حسني الذي يعتبر منتجه الحديث قليل الجودة على عكس بداياته، أو محمد رمضان الذي وصفه بـ”كريه الصوت”، ومصطفى كامل الذي حصر تاريخه الغنائي كله في أغنية “قشطة يابا”.

الفنان الذي يعرف بـ"درويش الصغير" يحمل شعورا دفينًا بالغبن، فرغم نزوله إلى ميدان التحرير إبان ثورة يناير 2011 وصناعته أغنية "ثورة تحدي" لم تتطوع أي وسيلة محلية لإذاعتها، على عكس زميليه محمد منير وعلي الحجار

وهو لا يصنّف من نمط المتسامحين مع زلات لسان الآخرين، فلم يقبل اعتذار مصطفى كامل الشخصي، بل طالب بأن يكون اعتذاره علنيًا في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، كما لم يغفر لعلي الحجار رفضه الغناء معه في حفل مشترك منذ سنوات طويلة، بل اعتبر وصف الأخير له بأنه فنان “جميل” نوعًا من التهكم على تراثه الغنائي بأنه “وسيم” شكلاً فقط دون قدرات صوتية جيدة.

ينظر بتقدير كبير إلى أعماله السينمائية التي تعادل أصابع اليد الواحدة، ويعتبر نفسه أول مطرب نجح في شباك التذاكر وحقق شعبية مع الجمهور بعد جيل العظماء، خاصة أنه في أولى تجاربه “تزوير في أوراق رسمية” مع محمود عبدالعزيز وميرفت أمين نجح بكل المقاييس واستمر في العرض 13 أسبوعًا في موسم كان متخمًا بالأعمال المتميزة ولا تتعدى فيه مدة عرض الفيلم 4 أسابيع فقط.

ميل درويش إلى المعارك يعود لتعلقه بجده، فالمحاكم أنصفت سيرة الأخير من تطاول أسماء كبيرة، مثل الراحل محمد عبدالوهاب الذي قال إن درويش لو أعطاه الله عمرًا أطول لأصبح مدمنًا. فقاضته الأسرة وأجبرته على التراجع

درويش لا يمل من التركيز على امتلاكه قبولاً ربانيًا على عكس هاني شاكر وعمرو دياب اللذين يقول عنهما إن لديهما تجارب سينمائية غير ناجحة، كما تتضمن لغته أحيانًا تعبيرات يُساء تأويلها كوصفه للمطرب محمد فؤاد بأنه يعجبه في التمثيل دون تطرق واضح إلى أعماله الغنائية، أو قوله إن بعض المطربين الكبار لا يستطيعون غناء أغانيه الرومانسية الصعبة.

يعترف بأن اسم عائلته أعطاه دفعة فنية في بداية حياته، لكنه يرى أنها لم تكن كافية للاستمرار لولا امتلاكه الموهبة وجمعه بين خفة الظل في الأغاني الغريبة -مثل “مخسوبكو انداس” التي تمزج بين العربية واليونانية أو “دنجي دنجي” المصنوعة بمزج بين العربية والنوبية- والأغاني العاطفية الصعبة مثل “والله تستاهل يا قلبي” التي تحدى كثيرين إن كانوا يستطيعون غناءها.

يتعامل مع قطاعات الفنانين الأصغر سنا بطريقة أبوية، فيرفض تقدير أنغام بسبب علاقتها بوالدها، الموسيقار محمد علي سليمان، التي تضمنت كمًا من القطيعة والجفاء، ويعتبر شيرين عبدالوهاب، التي يصفها بابنته، أفضل الأصوات النسائية.

فجوات زمنية ونبرة دينية

على مستوى الغناء بنى نجاحًا كبيرًا خلال التسعينات من القرن الماضي عبر شركة “أمواج” لشرائط الكاسيت التي امتلكها وأصدرت له تسعة ألبومات خلال تلك الفترة بداية من “شمس ودفا” مطلع التسعينات، مرورا بـ”يا وابور يا مولع” الخاص بالأطفال، وحتى “إحساس بريء” في أواخر العقد ذاته.

في الألفية الثانية بدأ إنتاجه يتراجع مع تنامي أغاني الفيديو كليب وظهور أجيال جديدة من المطربين الشباب، ليصدر ثلاثة ألبومات فقط أحدها ذو طابع ديني عن القدس بعنوان “أذن يا بلال”، والاكتفاء أيضًا بمشاركات في المسرح أو التلحين والغناء في الأعمال السينمائية مثل أغنية “يا ظالم” في فيلم “بلطية العايمة”.

وحين فتح المجال أمام أغاني المهرجانات أثناء توليه نقابة الموسيقيين تعرّض لهجوم واسع، على عكس هاني شاكر الذي ناصبها العداء بسبب قناعاته بأنها “أكل عيش”، وأن التراث يضم أسوأ منها مثل “يا شبشب الهنا”.

درويش يعلق اليوم وسط معركة حامية بين فريقين، أحدهما مؤيد للحكومة يتهمه بخدمة كيانات معادية للبلاد، وآخر معادٍ لها يتحيّن أي فرصة للهجوم على سياساتها، بينما يستثمره البعض لبناء صورة جديدة له كمُعارض، رغم إشادته بقيادات حكومية وقفت إلى جانبه

يتحدث درويش عادة بنبرة شبيهة برجال الدين، وكان قد رفع الأذان بصوته في مسجد قريب من منزله عدة مرات، كما خاض معركة عنيفة مع الإعلاميّين إبراهيم عيسى وخالد منتصر في تعاملهما مع سيرة الصحابة والتابعين، وانتقد الفنان محمد رمضان بشدة بسبب ترديده عبارة “ثقة بالله نجاح” أثناء رقصه عاريًا في إحدى الحفلات، ما جعل البعض يضعه في دائرة التعاطف مع التيارات الإسلامية.

وهو يملك رصيدًا من الأغاني الدينية وقدرًا من الالتزام جعله صيدًا ثمينًا للإخوان إبان توليهم السلطة في مصر، وتم استثمار أغنية  “أذن يا بلال” في احتفالاتهم المتعلقة بفلسطين وانتشرت مزاعم حول سفره مع قيادات إخوانية إلى الخارج على الطائرة ذاتها، لكنه نفى تلك الصلة.

يرى حفيد سيد درويش نفسه مظلومًا رغم اعترافه بأن القضاء أنصفه في غالبية معاركه، ويرفض الخلط بين تقديره الشديد لذاته وبين الغرور، ولا يزال مصممًا على أن كواليس الوسط الفني التي لا تظهر للجمهور تتضمن أمورًا ليس لها علاقة بالفن من قريب أو من بعيد.

13