إيمان القحطاني.. البطولة الحقيقية

الثلاثاء 2016/01/12

لازلت أتذكر ما قاله الروائي السوداني الطيب صالح أثناء حديثه مع صديقه الذي قاد انقلابا مني بالفشل الذريع، التقاه الطيب وسأله “هل ندمت على ما قمت به؟”، فرد قائلا “لا إطلاقا، ولو صح لي أن أقوم مرة أخرى بهذا الانقلاب لقمت به”، تفاجأ الطيب من ردة فعل صديقه السياسي، الذي لم يكن ليتوانى عن تكرار تجربته أكثر من مرة، وهذا ما يمكن لنا تسميته بالقناعات الشخصية، والقدرة على التمسك بالمبادئ مهما كانت خطورتها. الفكر لا يحتاج منا إلا وعيا داخليا عميقا، والإصرار عليه وعدم التهاون بالمبادئ التي نؤمن بها ونقدسها، كما نقدس تراب أوطاننا، في نهاية الأمر جميعنا دون استثناء، لدينا همومنا وآمالنا والكثير من المبادئ الحياتية. ليس ضروريا أن تكون سياسيا أو ناشطا حقوقيا لكي تصبح متفاعلا مع ما يحدث في مجتمعك، الأهم أن تملك دستورك الشخصي.

مقدمة مقالي بالتأكيد لم تأت عبثا لأذكر قصة بقيت متأثرة منها منذ مراهقتي القديمة حتى هذه اللحظة التي تطرق فيها أصابعي العشرة الكيبورد لكي أدون مقالي عن القيم المعنوية والنفسية لهؤلاء الذين يحاربون من أجل التنوير، أو من أجل معتقداتهم التي يظنون أنها حق للدلالة على قيمة الإنسان في اكتساب الحرية الفكرية وعلى الدولة أن تستمع لهم. بالتأكيد لست ضدهم بشكل شخصي، بالتأكيد لست ضد حرية الفكر، وأكثر من ذلك، لست ممن يؤمنون بأن من يسمح لنفسه بإعلان أفكاره أمام العامة من الشعب، متحدياً كل أعراف وطنه بأن مكانه أن يقبع في السجون، فقط لأنه قرر، بكامل وعيه، مسؤوليته الكاملة في الإعلان عن أفكاره التي يطرحها بشفافية دون خوف.

أفتقد حتى اليوم الكاتبة الصحفية إيمان القحطاني، التي توقفت عن التغريد منذ أبريل عام 2013 وكتبت في آخر تغريدة لها “أفعل ذلك من أجل أمي”، ويقال إن القحطاني تعرضت لضغوط من قوات الأمن في السعودية، حول تغريدات حية ونشر صور من محاكمة مؤسسي جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية محمد القحطاني وعبدالله الحمد. للعلم إيمان من المذهب السني، ومن كتبت عنهم أيضا من ذات المذهب، في مقابل ذلك أثناء الحكم بإعدام نمر النمر نشر معلم في الجبيل الصناعية التي تقع شرق المملكة، وينتمي إلى المذهب الشيعي تغريدات مسيئة عن المملكة، واستهزأ بوطنه في رد له على إحدى التعليقات التي وصلت له قائلاَ “يا أبو أمن وأمان”، وبعد أن صور موقع أخبار الجبيل التغريدة، وأنه ستتم مساءلته حول ما غرد به، قام المعلم بحذف حسابه كاملا من موقع التواصل الاجتماعي تويتر، لاحقا تم فصل المعلم بعد أن تمت ملاحظة تكراره لنشر تغريدات مسيئة، لا فرق بين القحطاني السنية والمعلم الشيعي، فكلاهما أخذ نصيبه من نشر معتقداته الفكرية، الفرق أن إيمان القحطاني كانت أكثر شجاعة من المعلم الذي عمد إلى حذف حسابه بعد تصوير تغريداته.

هناك في السعودية أعداد كبيرة من المثقفين والمشاركين في الأنشطة الحقوقية والمدنية، ولكن من ظهروا على السطح ليسوا فقط فقاعات، ولكن من نطلق عليهم “المهايطية”، معظمهم من النساء للأسف، البعض منهن يتحرش بالحكومة ليس من أجل أي حق، إلا حق الشهرة لا غير، لا تتخيل أنهن يشبهن القحطاني التي لم تبع قضيتها يوما، ولم يكن كالمعلم الذي حذف حسابه خوفا من الملاحقة، وأيضا لا يشبهن صديق الطيب صالح الذي لم يندم على فشله في الانقلاب، بل إنه قال لو عاد بي الزمن فلن أندم ويمكن أن أكرر التجربة، لأنه فعلها بقناعة ولم يفعلها لكي يحصد نهما جديدا اسمه الشهرة، تلك الشهرة التي أصبح الطريق إليها يمر عبر تبني أي قضية جوفاء، فقط لكسب المزيد من المتابعين، أو حتى في فرد عضلات العبارات التي تكتب في وسائل التواصل الاجتماعي. يتعبني شخصيا وجود مثل هؤلاء، يزعجني الزعيق الأحمق طلباً للشهرة بأي ثمن دون وجود قضية حقيقية، ولا زلت حتى الآن افتقد الإعلامية إيمان القحطاني.

كاتبة سعودية

9