إيمان سعيد تعود إلى الكتابة الدرامية بعد طول غياب

الكاتبة الفلسطينية إيمان سعيد تنجح في صياغة بيئتين مختلفتين في موسم رمضاني واحد، وذلك عبر مسلسل سوري "مسافة أمان" وآخر لبناني "خمسة ونص".
السبت 2019/05/11
"خمسة ونص" عن الفساد في جل القطاعات

بعد غياب دام قرابة العشر سنوات تعود الكاتبة الفلسطينية إيمان سعيد إلى الدراما التلفزيونية بعملين تلفزيونيين، الأول من إنتاج لبناني يحمل عنوان “خمسة ونص”، والثاني من إنتاج سوري يحمل عنوان “مسافة أمان”. عن التجربة وصعوبة كتابة عملين في موسم رمضاني واحد كان لـ”العرب” هذه الوقفة مع الكاتبة.

دمشق- تعود الكاتبة الفلسطينية إيمان سعيد في رمضان الجاري لتتربع على عرش الدراما بعمليْن درامييْن كبيريْن، أحدهما من إخراج السوري الليث حجو يحمل عنوان “مسافة أمان” وتقوم بإنتاجه شركة “إيمار الشام للإنتاج الفني”، وهي شركة تأسست في العام 2016 في دمشق، والعمل من بطولة كلّ من كاريس بشار وسلافة معمار وقيس الشيخ نجيب وعبدالمنعم عمايري وآخرين، وتدور أحداثة حول الواقع السوري في ظل الانهيارات الأخلاقية التي تسببت فيها الحرب، وتتطرّق من خلاله الكاتبة إلى موضوع تجارة الأعضاء البشرية، وأطفال الشوارع، وتبييض الأموال، وحتى أزمة الحصول على قبر في ظل الظروف الاقتصادية المتردية.

أما العمل الثاني فيحمل عنوان “خمسة ونص” وهو من إنتاج شركة “الصباح للإنتاج الفني” ومن إخراج اللبناني فيليب أسمر، بينما تلعب بطولته النجمة اللبنانية نادين نجيم إلى جانب كل من السوريين قصي خولي ومعتصم النهار وغيرهم من النجوم، وتدور أحداثة حول مواضيع سياسية واجتماعية شائكة من أهمها موضوع التوريث السياسي ودور الماكنة الإعلامية وملفات الفساد ولعبة السلطة والمال وتأثيرها على المجتمعات، وربما الدول.

بين بيئتين مختلفتين

إيمان سعيد: صياغة بيئتين مختلفتين بمثابة المشي على جمر النار
إيمان سعيد: صياغة بيئتين مختلفتين بمثابة المشي على جمر النار

حول صعوبة كتابة عمليْن درامييٍن في موسم رمضاني واحد، والتحديات التي قد يتعرّض لها الكاتب في ظل الجمع بين كتابة عمليْن مختلفيْن من حيث البيئة والمضمون وبشكل متزامن، تقول إيمان سعيد “نعم، أدخلتُ نفسي في تجربة صعبة وتحدّ كبير، فصرتُ كمن يحفر الجبل بملعقة صغيرة وعليه تحويله لكومة تراب قبل الوقت المحدد للتصوير، لكن رغم ذلك لم أضع نفسي في مغامرة أو مخاطرة غير محسوبة النتائج، أو بوضع أي شركة من الشركتين المنتجتين في موقع الخطر، لأن ذلك يُعتبر بالنسبة لي عيب احترافي وعدم مسؤولية”.

وتضيف “حبكة العملين كانت واضحة في ذهني، فالفترة السابقة التي عشتها بعيدة عن الكتابة الدرامية والتي أسميها فترة الصمت، كانت عبارة عن مرحلة تراكم لا دوران في الفراغ”.

ومسلسل “مسافة أمان” كان يسكنها قبل وقت طويل من كتابته، من حيث الأفكار والشخصيات وحتى الصنعة الجديدة في طريقة كتابة السيناريو واستخدام الراوي، وحبكة العمل المعتمدة على عدم التوقع لما هو آت، والدهشة والمزاوجة ما بين محاولة القرب من الواقعية وخلق حالة من الصنعة في السيناريو لتناسب جمهور أكبر من الجمهور السوري، وتتقاطع مع أشكال المشاهدة التي تحمل التشويق والمتعة، هذا كله بالإضافة طبعا إلى خصوصية النص بموضوعه وبخطوطه الدرامية السورية.

أما بالنسبة لمسلسل “خمسة ونص” فكان التحدّي بالنسبة لسعيد أكبر، وهي التي لعبت فيه دراميّا ما بين مدرستها في الكتابة الأقرب إلى الواقعية وبين صيغة كتابة جماهيرية ربحية تغازل كل أنواع المشاهدين وتدخل إلى كل البيوت، وكل ذلك عبر مجموعة قصص واقعية تصبّ في خط درامي واحد، وبالاعتماد دراميّا على خطيْن متوازييٍن فنيا في كتابة العمل، الخط الأول يمثّل قصة العمل بينما الخط الموازي فيمثّل الإعلام الذي يصوّر حياة شخصيات العمل وتحوّلها وكيف يلعب حتى بمصيره.

وتوضح الكاتبة الفلسطينية “الحقيقة كان هذا التوازي مُدركا بشكل كبير حتى على صعيد الإخراج الذي حاول تقديم العمل بطريقة واقعية، إلى جانب الطريقة الأقرب إلى الوثائقية (الديكومانتري) التي تعبّر عنها عدسة الإعلام”، مؤكدة على أنها كانت بمثابة الذي يمشي على جمر النار في كلا العملين، وأن التحديات لم تكن في كونها أنجزت عملين متزامنين في موسم واحد، بل في ما ستقوله من خلال العملين.

وعن ذلك تقول “بالنسبة لمسلسل ‘مسافة أمان’، فالموضوع السوري شائك وموضع اختلاف، خصوصا أن ملفاته السياسية والإنسانية كبيرة جدا، فكيف يمكنني تحقيق التوازن ككاتبة ما بين قنوات عربية تطالب بعدم الخوض في المواضيع السورية بكل تفاصيلها، وأن أكتب عملا أتجاهل فيه ما يعيشه الناس من ظروف الحرب ونتائجها عليه”.

أما عن مسلسل “خمسة ونص”، فتقول “المغامرة كانت في محاولة تحقيق معادلة العمل الجماهيري إلى جانب الخوض بالقضايا المتعلقة بالمجتمع اللبناني من ملفات، تبدأ بموضوع الزعامة السياسية والتوريث السياسي والمشهد السياسي برمته، والذي ينطوي تحته ملفات كثيرة، مثل ملفات الفساد والدور الإعلامي والقنوات الفضائية والأدوية الفاسدة”، مؤكدة على أنها حتى الآن لا تعرف هل سيتقبّل الجمهور هذا التناول لتلك القضايا الحساسة، في الوقت الذي كانت فيه الدراما اللبنانية غير معنية بهكذا مواضيع.

عن العشوائيات واللجوء

كانت إيمان سعيد خريجة قسم الدراسات المسرحية من المعهد العالي للفنون المسرحية، قد كتبت عملها الدرامي الأول “سحابة صيف” الذي أنتجته شركة “المسار الدولية للإنتاج الفني” في العام 2009، ويبدو أن سنوات الإقامة في سوريا وتحديدا في مدينة دمشق حينها قد أتاحت لها ككاتبة أن تكون أكثر عمقا وملامسة للواقع السوري، وخاصة لظروف المهجّريين في العشوائيات، وكان من بطولة كل من بسام كوسا وسلوم حداد وسمر سامي ونادين خوري وكاريس بشار وديمة قندلفت، ومجموعة كبيرة من الفنانين السوريين وأخرجه مروان بركات، واعتبر حين عرض من أهم الأعمال الدرامية الاجتماعية التي خاضت في حياة العشوائيات التي كانت مكانا لهؤلاء المهجّرين.

ورغم أنها توقفت لسنوات عن الكتابة للدراما التلفزيونية، لكنها لم تتوقف عن الكتابة والاهتمام بقضايا اللجوء أو المهجّرين، فقدّمت مجموعة من الأفلام الوثائقية بالتعاون مع قناة “الجزيرة الوثائقية”، حول رحلة الفن اللاجئ من خلال ثلاث شخصيات عانت اللجوء مرة أو مرتين على الأقل.

"مسافة أمان" يخوض في الواقع السوري ما بعد الحرب، في حين يعري “خمسة ونص” المسكوت عنه في المشهد السياسي اللبناني

كما أنجزت لاحقا نصها المسرحي “ترسيخ” الذي نالت عنه الجائزة الثالثة في مسابقة تأليف النص المسرحي، في الدورة التي عقدتها الهيئة العربية للمسرح في دولة الكويت من العام 2015، وكانت تدور أحداثة حول رحلات الموت التي كان يلجأ إليها الهاربون من نيران الحرب، كما أقامت في السنوات الأخيرة ورشات للكتابة الإبداعية وتطوير الرواية الشفوية بالتعاون مع مؤسسة “العمل للأمل” في البقاع اللبناني، واستطاعت عبر تلك الورشات وبالتعاون مع المخرجة سارة زين، تطوير تلك الحكايات ونقلها فعليّا إلى خشبة المسرح في كل من بيروت والبقاع.

وكان الهدف من تلك التجربة ليس فقط تقديم عرض مسرحي على الخشبة كنتيجة لنهاية المشروع، بل معرفة الآثار النفسية والاجتماعية التي ستتركها تلك الحكايات في نفوس المتدربات، الأمر الذي جعلتهن يرون العالم من الباب الواسع بعد أن كانت رؤيتهن مقتصرة على النوافذ الصغيرة

13