إيمي سيزار ذاكرة أفريقيا ولسان من لا لسان لهم

في كتابته السياسية برهن الشاعر إيمي سيزار أنه يمكن للمثقف الالتزام بالدفاع عن قضايا الشعوب من دون أن يفقد نصه التوهج.
الثلاثاء 2019/04/23
نحن لا نولد زنوجا، بل نصبح زنوجا

يعتبر الشاعر الفرنسي إيمي سيزار ابن المارتينيك، واحدا من أهم الأصوات الشعرية التي كرست كامل تجربتها لنصرة قضايا الشعوب الأفريقية، التي عانت ويلات الاستعباد والاستعمار. ولم يتوقف صوت الشاعر المناصر للقضايا العادلة عند حدود نصوصه الشعرية أو المسرحية، بل تجاوزها إلى الفعل السياسي والكتابات السياسية.

رغم أنه كان يؤكد دائما على أن الشعر هو “الأساسي” عنده، فإن الشاعر الكبير إيمي سيزار (1913-2008)، ابن جزر المارتينيك، اختار منذ سنوات شبابه أن يخوض معارك سياسية متواصلة ضد الهيمنة الاستعمارية في البداية، ثم ضد الظلم والتخلف والاستبداد في القارة الأفريقية، وأيضا ضد المطامع الإمبريالية.

كما أنه قبل أن يلعب أدوارا سياسية مهمة، فقد انتخب شيخا لمدينة فور-دو-فرانس، عاصمة جزر المارتينيك ليظل في هذا المنصب 56 سنة. في الآن نفسه، شغل منصب عضو للحزب الشيوعي في البرلمان الفرنسي، ومنصب عضو في المجلس الاستشاري لحزب الشعب في بلاده.

صداقة سنغور

في مطلع ربيع هذا العام، أصدر الناشر الفرنسي جان-ميشال بلاص الكتابات السياسية لإيمي سيزار، لتكون عاكسة لأفكاره حول العديد من القضايا الهامة سواء تلك المتعلقة بنضالات الشعوب الأفريقية من أجل التحرر من الهيمنة الاستعمارية، أو تلك المتصلة بكفاحها ضد كل أنواع الاستعباد والعنصرية البيضاء، مؤكدا فيها أنه لم يكن نادما أبدا على أن السياسة قد تشغله عن الشعر، بل إنها كانت وسيلته المفضلة لتوضيح أفكاره التي لم تجد لها موقعا في قصائده، وفي مسرحياته.

كان إيمي سيزار قد شق طريقه إلى الشهرة بعد أن نشر في مجلة “مدرات” في مطلع الأربعينات من القرن الماضي نصا بعنوان “دفتر العودة إلى الوطن”، وفيه كتب يقول “لساني سيكون لسان هموم كل من لا لسان لهم”. وتلك القصيدة الطويلة التي اكتشفها أندريه بروتون وهو في طريقه إلى الولايات المتحدة الأميركية فارا من نظام فيشي، بعد أن احتل النازيون بلاده، فتحت باب الشعر على مصراعيه أمام الشاعر الشاب، ليحظى في الحين بتقدير العديد من كبار الشعراء لا في فرنسا فقط، بل في جميع أنحاء العالم.

قصائد تدفاع عن قضايا الزنوج
قصائد تدفاع عن قضايا الزنوج

وكان سيزار قد كتب هذه القصيدة بعد أن غادر المدرسة العليا في باريس حيث كان يدْرُس ليعود إلى بلاده. وهي تضعنا بحسب تعبير أندريه بروتون في قلب الصراع الدائر بين البلدان المستعْمَرَة، والبلدان المولى عليها. وفيها تصوير لشعب يعيش الفقر، والجهل بسبب الهيمنة الاستعمارية، وظلم “حفنة من شاربي الدماء البشرية”. وخلف كل هذا هناك الجرح المفتوح دائما، جرح الاستعباد الذي أخضعت له الشعوب الأفريقية على مدى قرون مديدة.

وخلال سنوات الدراسة الجامعية في باريس، ارتبط سيزار بعلاقة صداقة وطيدة مع ليوبولد سيدار سنغور الذي سيكون في ما بعد رئيسا للسنغال. وقد كتب صاحب “دفتر العودة إلى الوطن” يقول “كان من الطبيعي أن يصبح سنغور صديقا حميما لي في وقت وجيز للغاية. فقد كان زنجيا مثلي. وكان حديثنا يدور حول التجارب التي قام بها كل واحد منا. وكان هو أفريقي، وكنت أنا مارتينيكي. مع ذلك كانت لنا نقاط لقاء. وكانت لنا تساؤلات وشكوك حول العديد من القضايا الأدبية وغير الأدبية. كل واحد منا كان يتعلم من الآخر. والجواب كان دائما أفريقيا”.

بسبب تحمسه للثقافة الزنجية، أسس سيزار مع البعض من أصدقائه مجلة “الطالب الأسود”. وكان الهدف الأساسي من هذه المجلة هو إحياء الذاكرة الأفريقية، وإزاحة الغبار عن التراث الأفريقي، الشفوي منه بالخصوص، وفضح الجرائم الاستعمارية.

وفي باريس أيضا، ابتكر سيزار مع سنغور ما أصبح يسمى بـ“الحركة الزنوجية” التي كانت ثمرة تأثيرات عدة منها اكتشاف الفن الزنجي، وظهور موسيقى الجاز، وبروز أفكار سياسية وأيديولوجية تدعو إلى الوحدة الأفريقية. وكان يمثل هذه الأفكار زعماء سياسيون من أمثال جورج بامدور وكوامي نكرومه. وكان الهدف الأخير من “الزنوجية” هو إعادة الاعتبار للحضارة الأفريقية، وجعل الزنوج يَعُون بأوضاعهم وبمكانتهم في العالم.

الالتزام بالقضية

بعد تخرّجه من المدرسة العليا، وكان ذلك في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، عاد سيزار إلى المارتينيك ليُعيّن مدرسا في المعهد الثانوي في فور-دو-فرانس. في الآن نفسه، انتخب شيخا للمدينة. وقد خوّل له هذا المنصب القيام بأعمال جبّارة من أجل تحسين أوضاع سكان المدينة الفقراء. وبفضل أعماله الإصلاحية تلك، أصبح زعيما شعبيا بأتم معنى الكلمة. وأمام المسؤولين السياسيين الفرنسيين الكبار، كان سيزار يطالب بصوت عال بضرورة احترام خصوصية البلدان، والمناطق التي ظلت تحت الحكم الفرنسي.

وفي الكتب السياسية التي نشرها في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان يؤكد على الخصوصية المذكورة، وعلى “الزنوجية”. وكان يقول “نحن لا نولد زنوجا، بل نصبح زنوجا”. وكان يقول أيضا “ولدت زنجيا، وزنجيا أموت”. وكان مواطنو بلاده يبدو لهم أفريقيّا هُجر واقتلع من جذوره بالقوة. لذا هو بلا لغة ولا تاريخ ولا دين. وهو يعيش في ذلك البيت الوسخ الواقع في شارع ضيق ”بيت صغير يأوي في أحشائه التي من ألواح متعفنة، العشرات من الفئران، وصخب إخوتي وأخواتي”.

وفي الخمسينات من القرن الماضي، انسلخ إيمي سيزار عن الحزب الشيوعي الفرنسي. وفي رسالة كتبها إلى موريس توريز، زعيم الحزب المذكور، أشار إلى أن “الأممية الشيوعية” لا تتلاءم مع نضالات الشعوب الأفريقية، لأنها تجعلهم في نفس المرتبة مع الشعوب الأوروبية البيضاء متجاهلة أوضاعهم، وقضاياهم، ولا تولي اهتماما بحقوقهم الخاصة بهم وحدهم.

حتى نهاية حياته المديدة (95 عاما)، ظل إيمي سيزار حريصا على أن يكون إلى جانب الأشقياء والمعذبين في الأرض

وأضاف سيزار قائلا إن “الأممية كلمة مبهمة تعكس نزعة أبوية موروثة عن العهد الاستعماري”. لذلك يتوجب بحسب رأيه تحديد مفهوم جديد لـ“الأممية” يقوم على “الاعتراف بكل الاختلافات بين الشعوب الفقيرة والشعوب الغنية، وبين الأمم البيضاء والأمم السوداء”.

ومتشبثا بمواقفه، رفض سيزار مصافحة الرئيس نيكولا ساركوزي الذي كان قد صرح في خطاب ألقاه في داكار، عاصمة السنغال، بأن “الشعوب الأفريقية لم تتهيأ بعد لدخول التاريخ”. وكان سيزار يحرص دائما على أن يجيب أصدقاءه وأعداءه من الغربيين قائلا ”لأننا نكرهكم أنتم وعقلكم، نحن نطالبكم بجنون مبكر، وباختلال عقلي متوهج، وبتوحش فظ. تلاءموا معي، أما أنا فلا أتلاءم معكم!”. وحتى نهاية حياته المديدة (95 عاما)، ظل إيمي سيزار حريصا على أن يكون إلى جانب الأشقياء والمعذبين في الأرض بحسب تعبير تلميذه فرانز لكي لا يسقطوا في “سجن اليأس”.

في كتابته السياسية، برهن إيمي سيزار على أن المثقف يمكن أن يكون “ملتزما” بالدفاع عن قضايا الشعوب الأفريقية من أجل التحرر لكن من دون أن يفقد نثره أو شعره ذلك التوهج الذي خول له أن يكون واحدا من أهم المبدعين الإنسانيين في القرن العشرين.

14