إيناس الدغيدي الجريئة التي تهاجم مجتمع "ما تحت الحزام"

السبت 2015/05/23
إيناس الدغيدي مصرية تقاتل كرأس حربة ضد التقاليد

شخصية مثيرة للجدل، لا تكاد تدلي بتصريحات حتى تحدث ضجة في الأوساط الدينية، والمجتمعية، وتصبح مادة إعلامية لأسابيع بين قلة يدافعون عنها باعتبارها الجريئة، التي تحطم التابوهات المجتمعية البالية، وتوصف كثيرا بـ”المنفلتة” والخارجة عن الآداب والتقاليد العامة، إلا أنها تقابل تلك الانتقادات، بهدوء وإصرار، والمزيد من التصريحات التي تزيد من غضب المنتقدين.

دائما تترك خلفها دخانا إعلاميا كثيفا، ووصل استهدافها أحيانا إلى حد إصدار فتاوى دينية تطالب بتطبيق حد الحرابة عليها، ورفضت ضدها دعاوى قضائية تطالب بسجنها في أحيان أخرى.

سيدة التصالح

قبل أيام صدمت المخرجة إيناس الدغيدي الملايين من المصريين، عندما قالت خلال مداخلة هاتفية مع قناة فضائية ألمانية، أن ممارسة الجنس قبل الزواج حلال، لتكمل أيقونتها “اللاأخلاقية” من وجهة نظر المتمسكين بالتقاليد الشرقية، حيث كانت قد دعت قبل سنوات إلى السماح بترخيص بيوت الدعارة في مصر، كما طالبت المجتمع بـ”التصالح مع المثليين”، مؤكدة أن ما يمارسونه في اعتقادها حرية شخصية، ولديها الكثير من الأصدقاء المثليين الذين يتحدثون إليها عن حياتهم الخاصة.

إيناس الدغيدي، المولودة في العاشر من مارس عام 1953 أول سيدة مصرية تخرج أفلاماً روائية طويلة، بلغت في مجملها 16 فيلماً، عكست شخصيتها كمخرجة وسيدة، عبر تناولها للموضوعات الشائكة، التي تمحورت جميعها، حول قضايا اجتماعية، ترجع أسبابها دائماً للعلاقات الجنسية، ما جلب انتقادات حادة لكل أعمالها.

درست الإخراج في المعهد العالي للسينما بالقاهرة عام 1975، لكنها عرفت طريقها إلى السينما من خلال العمل كممثلة مغمورة في فيلم “أفواه وأرانب” للفنانة القديرة الراحلة فاتن حمامة، إلى جانب عملها في نفس الفيلم مساعدة للمخرج.

تجربة الدغيدي في التمثيل توقفت مبكراً، لتواصل عملها في الإخراج، والذي قالت عنه في أحد أحاديثها التلفزيونية “الإخراج أعلى مراتب العمل السينمائي، والتمثيل أدناه، لكن الممثل مع ذلك ينال الشهرة الجماهيرية”.

عفوا أيها القانون

يفسر البعض تعمد الدغيدي إطلاق تصريحاتها الصادمة، بمحاولتها التواجد في بؤرة الضوء، لتعويض الشهرة المفقودة خلف الكاميرات، لكنها لا تعترف بذلك مثلما قالت في برنامج “أنا والعسل” في شهر رمضان الماضي، إنما ترى أن حياتها كلها مرت بالصدفة والتلقائية، “لم أحلم أن أكون مخرجة مشهورة وناجحة ولم أتخيل أن أتخذ مواقف وآراء تتعارض مع أفكار المجتمع، والحياة لعبت معي دوراً كبيراً لم أخطّط له بنفسي، وعندما ألتفت إلى الوراء أجد أن كل هذا حدث ولكني راضية جداً عن حياتي”.

عبر الإعلام الألماني تطالب إيناس الدغيدي المجتمع المصري بـ"التصالح مع المثليين"، مؤكدة أن ما يمارس هو حرية شخصية، وأن لديها الكثير من الأصدقاء المثليين الذين يتحدثون إليها عن حياتهم الخاصة

منتقدو الدغيدي يرون أنها تمارس “الإسقاط” عبر تصريحاتها، وهو في علم النفس، حيلة دفاعية ينسب فيها الفرد عيوبه ورغباته المكبوتة، للآخرين لتبرئة نفسه وإبعاد الشبهات عنه، عبر الإيحاء بشيوع الأزمة.

سينمائيا تميزت الدغيدي منذ فيلمها الأول “عفوا أيها القانون” عام 1985 بأعمالها المثيرة للجدل، فقد تناول الفيلم قصة حب بين هدى وعلي اللذين يعملان في التدريس بالجامعة، لتكتشف بعد الزواج عجزه الجنسي، وتقف معه حتى يكتمل علاجه، لكنها تفاجأ أنه يرتبط بعلاقة غير مشروعة وتضبطه مع العشيقة في فراش الزوجية فتقتله، ومن ثم يلاحقها القانون، دون التماس العذر لها كما يحدث مع الزوج الذي يقتل زوجته، بعد ضبطها في فراش الخيانة.

ورغم أن الفيلم أثار جدلا في ذلك الوقت، مثل أغلب أفلامها، لاحتوائه على معالجة صادمة، إلا أن الدغيدي قالت إن رسالة الفيلم كانت “تسليط الضوء على التمييز بين المرأة والرجل، فالرجل إذا قتل زوجته لضبطها متلبسة بالخيانة، يخفف عنه الحكم، بينما لا ينص القانون على تخفيف العقوبة بالنسبة للمرأة”.

أعمال الدغيدي توالت بعد ذلك متخطية الإيحاءات إلى مشاهد مثيرة للغرائز، في أفلام “لحم رخيص” و دانتيلا” و”كلام الليل”، و”امرأة واحدة لا تكفي” وغيرها، إلا أنها تبرر ذلك بأن السينما تعكس واقع المجتمع، وأن أفلامها للكبار فقط، كما أن منتقديها يرون أنها تضخم حالات فردية لتقدمها على أنها ظاهرة، إلى جانب أن لافتة “للكبار فقط” ليست مبررا لما تنتجه، لأنها لا تمنع مشاهدة المراهقين لتلك الأعمال.

في المقابل بقيت حياتها الشخصية غامضة بشكل كبير لكن تعطي بعض الإشارات على أنها غير نمطية، فقد ارتبطت في شبابها، بقصة حب مع طبيب أسنان مسيحي، هو الدكتور نبيل معوض، غير أن عائق الديانة حال لفترة دون زواجهما، حتى قرر إشهار إسلامه والزواج منها.

عن هذا الزواج قالت الدغيدي في أحد لقاءاتها “الزواج يتم بعقد مدني، لكن لا يمكن زواج مسيحي من مسلمة، وزوجي السابق كان مسيحيا وأسلم ليتزوجني، لكنه احتفظ بدينه في قلبه”.

تمرد الدغيدي على المجتمع والتقاليد، امتد إلى علاقتها بزوجها الذي انفصلت عنه بعد حياة دامت 29 عاماً، أنجبت خلالها ابنة واحدة هي حبيبة، ففي حين ترجع سبب الانفصال إلى الخلاف الفكري و”الملل الزوجي”، لكن مقربين منها، رجحوا أن يكون السبب إعلانها عن قناعاتها المبالغة في التحرر بشكل مثير للجدل.

ومع أن طليقها التزم الصمت، رافضاً الحديث عن سبب الانفصال، قالت هي في تصريحات إعلامية “إن السبب الرئيسي في الطلاق هو الملل والروتين، فبعد كل هذه السنوات أصبحت أجلس في غرفة وهو في غرفة أخرى، وكل منا له ما يشغله وله أفكاره المختلفة، ومن الطبيعي أن يكون لكل شيء نهاية، حتى الحب ينتهي مثل الحياة بمرور الوقت”.

يرى البعض في تصريحات الدغيدي أنها تعكس حالة تذبذب نفسي، وهو ما يخالف ما تحرص على تقديمه للرأي العام، حيث تبدو حريصة على الظهور في صورة السيدة القوية الجريئة، وكأن تصريحاتها الصادمة من حين لآخر، حيلة دفاعية لتوحي لنفسها بالقوة.

المخرجة السينمائية المثيرة للجدل ترى أن سبب فشل الكثير من الزيجات يعود إلى عدم ممارسة الجنس قبل الزواج وتطالب بترخيص بيوت الهوى

80 جلدة

في مداخلة لها نهاية أبريل الماضي في برنامج “شباب توك” على قناة دويتشه فيله الألمانية، قالت الدغيدي نصا “أرى أن الجنس عموماً حرية شخصية، خارج أو داخل إطار الزواج، فالجنس بعد سن الطفولة اختيار شخصي دون أي اعتبار للآخرين، فيمارس حسب فكر وعادات وتقاليد كل فرد، هناك من يمارس الجنس قبل الزواج ويعتقد أنه حرام، وغير قادر على استيعاب أنه حلال”، مضيفة “ممارسة الجنس قبل الزواج أفضل وحلال لمواجهة المشاكل التي قد تحدث بعد الزواج، مثل اكتشاف مشكلات العجز الجنسي”.

ما زاد من وقع تصريحات الدغيدي الصادمة أن ضيفي البرنامج، وهما شاب ألماني مسيحي، وشاب مغربي مسلم، كانا يرفضان العلاقات خارج إطار الزوجية، ويريان فيها خروجا على تعاليم كافة الأديان.

جاءت نتائج الصدمة سريعة، فقد فتحت نيران الإعلام والفتاوى والقضاء على الدغيدي، حيث قدم المحامي نبيه الوحش بلاغا ضدها إلى النائب العام المصري، يتهمها فيه، بالسعي لنشر الرذيلة والفاحشة في المجتمع، وهو ذاته المحامي الذي حصل على حكم قضائي ضد الدغيدي، في القضية 2114 لعام 2002 بجلدها 80 جلدة لتقديم فيلم “مذكرات مراهقة” الذي يقوم، بحسب الوحش، بقذف المحصنات، لكن من دون أن ينجح في تنفيذه حتى الآن.

من ناحيته اعتبر الدكتور محمد الشحات الجندي عضو مجمع البحوث الإسلامية السابق أن دعوة الدغيدي تعد خروجا على تعاليم الدين، مؤكدا أن ممارسة الجنس خارج إطار الزوجية، ليست من الحرية في شيء بل ارتكاب لجريمة الزنا، التي حرمتها كافة الأديان السماوية.

الزوبعة التي أثارتها الدغيدي، لم تكن الأولى، ولن تكون الأخيرة في الأغلب، فقد صرحت عام 2000، أن الكثير من الفتيات في مصر “سيدات”، سبق فض أغشية بكارتهن، إلا أنهن أجرين عمليات ترقيع لغشاء بكارة، وهو ما عرضها لهجمة شرسة في حينه، لإساءتها لنساء مصر، وادعائها كذباً عليهن.

وحين دعت الدغيدي إلى تقنين بيوت الهوى، ومنح تراخيص لفتيات الليل اللاتي يمارسن أقدم مهنة في التاريخ، دافعت عن وجهة نظرها قائلة أن الدعارة حسب ما يعلم الجميع موجودة في كل العالم، وأنها من أقدم المهن، ولا يمكن محاربتها، ويجب تقنينها، ومنح بيوت الدعارة تراخيص، هدفه تلافي سلبياتها، فالترخيص يحصرها في مكان معلوم، وإجراء كشف طبي على ممارسيها”.

لم تتوقف تصريحات الدغيدي المثيرة عند هذا الحد، فعندما سألها المذيع اللبناني طوني خليفة عبر برنامجه “لماذا؟”، هل من الممكن أن ترتدي الحجاب يوما؟، قالت “يا رب لا تكتبه عليّ”، وهو ما عرضها أيضا لهجوم حاد من التيارات الدينية، غير أنها ردت بأن ارتداء الحجاب “ليس فرضا، بل عادة مجتمعية موروثة”.

حالة الجدل التي تحيط بالدغيدي، وعلاقة الصداقة القوية التي تربطها بالإعلامية هالة سرحان دفعتاها لخوض غمار تجربة الإعلام، فقدمت برنامج “هالة شو” على قناة روتانا سينما، خلفاً لصديقتها الحميمة التي تم فصلها بعد فضيحة “فتيات الليل المزورات” وهن فتيات عرضت هالة قصصهن باعتبارهن من فتيات الليل، إلا أن أصوات بعضهن كشفتهن، فاعترفن بأن مقدمة الحلقة، اتفقت معهن على أن تروين قصصا مختلقة تم الاتفاق عليها، مقابل مبلغ مالي، وهي الفضيحة المدوية التي عرضت هالة سرحان لهجوم حاد وملاحقات قضائية، فرت على إثرها من مصر للإقامة في أميركا، مرشحة صديقتها إيناس الدغيدي لتحل محلها في تقديم البرنامج وهو ما حدث بالفعل.

الإثارة السينمائية الواقعية

في تاريخ السينما المصرية تعد الدغيدي أول سيدة تخرج أفلاماً روائية طويلة، بلغت في مجملها 16 فيلماً، عكست شخصيتها كمخرجة وامرأة، عبر تناولها للموضوعات الشائكة، التي تمحورت جميعها، حول قضايا اجتماعية، ترجع أسبابها دائماً للعلاقات الجنسية، الأمر الذي جلب انتقادات حادة لكل أعمالها

في التلفزيون المصري، قدمت الدغيدي برنامج “الجريئة” على قناة نايل سينما وهو البرنامج الذي عرّض القائمين على إدارة ماسبيرو لهجوم حاد، لتستنسخ بذلك منهج الإثارة في السينما، إلى الإثارة في برامجها التلفزيونية، لكن البرنامج استمر بعد أن نجحت في استغلال علاقاتها القوية بالوسط الفني لاستضافة كبار النجوم في شهر رمضان، لكن تركيزها على الحياة الجنسية لأغلبهم، والأسئلة المحرجة أبقت على الانتقادات الحادة للبرنامج، ودفعت العديد من الضيوف للتهرب ورفض الاستجابة لطلبات الاستضافة.

اللافت أن الدغيدي في معرض دفاعها عن نفسها دائماً ما تستخدم منهج الهجوم أفضل وسيلة للدفاع، فتتهم من ينتقدها لتصريحاتها الصادمة بالانحياز إلى المتطرفين، وترى أن المجتمع يعشق النفاق فيمارس في الخفاء ما يستنكره في العلن، “لا نريد مجتمعاً يتحدث عن حلال وحرام، بل عن الصح والخطأ، فأنا أُعبر عن أرائي ولست مُلزمة لأحد، فمن ينتقدني يقف في صف المتطرفين”. تبقى أكثر العبارات إيجازا لفلسفتها في الحياة والسينما، هي أن “المجتمع يفكر تحت الحزام” في إشارة إلى استحواذ الجنس على التفكير.

لكن الدغيدي لا تعدم المؤيدين لها، الذين ينبهرون بقدرتها على كسر التابوهات الدينية والاجتماعية، فقد اختيرت في العام 2005 من قبل مجلة نيوزويك الأميركية من بين أهم 43 شخصا يحدثون تأثيراً في العالم العربي، لتضم الجائزة الى الجوائز السينمائية التي نالتها، مثل جائزة العمل الأول من الجمعية المصرية لفن السينما العام 1985، وجائزة أفضل فيلم من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي العام 2004 وجائزة أحسن إخراج من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي الثالث عشر العام 1997 وجائزة أفضل فيلم من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي العام 2001.

الرقابة المصرية عرقلت مؤخراً، فيلمها الجديد “الصمت” الذي يتناول قضية زنا المحارم، فيما تسعى الدغيدي للانتقال لدائرة جديدة بفيلم “كاميليا” والذي تكشف فيه أسرار الفنانة المصرية، التي ارتبطت بعلاقة سرية مع الملك فاروق قبل ثورة 1952، واتهمت بالعمل كجاسوسة لحساب الموساد الاسرائيلي في بداية تأسيسه، ثم اغتيلت في ظروف غامضة، إلا أن الدغيدي تكشف في فيلمها الذي يجري الإعداد له أنها كانت شخصية وطنية، ساهمت في كشف حقيقة تأسيس الموساد لقيادة الثورة. سوف تظل الدغيدي مثيرة للجدل، حريصة على الإفصاح عن قناعاتها، مهما كان حكم الآخرين عليها، بالخطأ أو الصواب، الحلال أو الحرام.

14