إيناس سعد المخضرمة ترسم بورتريهات يافعة

"البورتريه"، فن البساطة والتعقيد في آن واحد، فهو إن لم يكن نافذة إلى ملامح الوجوه وتعبيراتها، وغوصا في مزاج الشخصية حال تصويرها، ومغامرة في تقنيات الإضاءة وتدرجات الظلال وفلسفة الألوان، فهو العتمة الكاملة والسكون الممل والطاقة الموءودة.
الجمعة 2017/10/20
أعمال خارج تجاعيد الزمن

القاهرة – لم تحل قداسة البورتريه كفن اقترن بالأديان منذ الآلاف من السنين دون تطوره، وتحوله مثل سائر الفنون الحديثة إلى ثورة في ميدان الحركة، بعدما ظل سنوات حبيسا في قوالب نمطية، حيث ارتبط البورتريه طويلا بالنقوش الدينية والمعابد والتوابيت والرسوم الكنسية وما إلى ذلك لدى الفراعنة واليونان والرومان وغيرهم.

وانطلاقا من رؤية حديثة للفن، قدمت التشكيلية المصرية المخضرمة إيناس سعد معرضها الأخير “أمنيات” بقاعة زياد بكير في المكتبة الموسيقية بدار الأوبرا المصرية، واقتصرت أعمال المعرض على مجموعة من اللوحات المتعلقة بفن البورتريه، وفق تجربة الفنانة التي لها رصيد كبير في هذا المجال.

تبدو إيناس سعد، الملقبة بنصيرة المرأة كما هو معروف عنها، وكأنها أرادت في معرضها الجديد “أمنيات” أن تتخطى عمرها المديد ببورتريهات يافعة، لا تشيخ أبدا، هي مجمل أمنياتها وأمنيات بنات جنسها في هذه الحياة.

هي أعمال تعكس ببساطة ووضوح إرادة الوقوف خارج تجاعيد الزمن، وتتشبث البورتريهات بصوت فيروز المضيء، وبراءة الطفولة، وخصوبة المرأة، وعطر الورود، وغيرها من المباهج، من أجل تثبيت اللحظة عند دقات ساعة الأمل.

هندسة اللوحات في معرض “أمنيات” لإيناس سعد مبنية على دقة تفاصيل الخط والاهتمام الكبير باللون ربما بشكل مبالغ فيه، حيث يأتي طرحها الفني حريصا على إبراز الأنوثة كقيمة جمالية مكتملة بحد ذاتها، تتسم بقدر لائق من الحيوية والأناقة، فخصوبة المرأة الدائمة، منذ طفولتها، وجه من وجوه تلك الأمنيات التي لا تزول.

وبهجة الطفولة أيضا ذات طابع أنثوي لدى الفنانة، وكأن “ما لا يؤنث لا يعوّل عليه”، بالاتفاق مع روح ابن عربي التي تستحضر الفنانة صوفيتها وصفاءها.

هذه “الأمنيات” عنوان معرض إيناس سعد، هي الحدث الباقي في لوحاتها، وليست الوجوه أو البورتريهات، هذا ما تطرحه الفنانة، فالأمل هو تحقُّق الإنسان الفعلي، وهو امتداد الإنسان إلى المستقبل، ولا يزال صدر المرء يتسع حتى آخر لحظات حياته للمزيد من الأمنيات والآمال التي تتواصل كحلقات منذ الصغر.

بهجة الألوان تتسق مع جماليات البراءة

خبرات إيناس سعد التشكيلية على مدار سنوات طويلة لا تخطئها العين في معرضها الأخير، حيث تتفاعل الفنانة مع التراث الشعبي المصري بعمق، خصوصا ما يخص الرقصات وتفاصيل الحركة الأنثوية والملابس وأغطية الرأس وأساليب تصفيف الشعر وغير ذلك.

وقوف الفنانة الظاهري خارج تجاعيد الزمن لا يعني أنها غير قارئة للواقع الكابوسي المطبق، المؤثر على الشخصيات والمفعم بالضغوط وربما الإحباطات، خصوصا أن أغلبية شخصيات المعرض مصرية الملامح، باستثناء عدد قليل منها، مثل المطربة اللبنانية فيروز التي تخصها الفنانة ببورتريه منفتح على لحظة تجلّ في أثناء الغناء أو “سلطنة تطريبية”، مع خلخلة اللوحة لونيّا باهتزازات تبدو بمثابة استجابة الكون لأحبال الصوت الفريدة.

ويأتي إصرار الفنانة إيناس سعد على تثبيت لحظات الأمنيات في اللوحات أو إفساح دور البطولة لها، من قبيل الحرص على التسلّح بالنصاعة والبراءة لمقاومة الإخفاقات والتشوهات المحيطة.

امرأة الورد، إحدى لوحات إيناس سعد، تقدم سباحة ضد تيار الألم والعواصف الكونية في البر والبحر والجو، وتبدو رحلة المرأة الممسكة بورودها شاقة غير هينة، إذ تطرح الفنانة معنى مؤداه أن التمسك بالأمنيات هو الوجه الآخر للمغامرة والخطورة وتحدي الصعاب ومجابهة غضب الطبيعة.

الطفلة في مرآتها لوحة مرحة من أعمال إيناس سعد، لا تحول هندستها الفائقة دون إبراز التعبير الحركي فائق الحساسية للطفلة وهي تتفقد وتضبط ثيابها، من منظورين متضادين: الأصل، والصورة في المرآة، وبهجة الألوان تتسق مع جماليات البراءة وطقوس الطفولة المتقدة، في حين يعكس الوجه قدرا من التوتر لا تنساه الفنانة أبدا حتى في ذروة الإيجابية والوهج.

وتشكل بورتريهات المشاهير، والفنانين بصفة خاصة، خطّا من خطوط معرض “أمنيات”، ومثلما اختارت الفنانة إيناس سعد المطربة فيروز بوصفها صانعة البهجة بصوتها، فإنها تقدم لوحة للفنان المصري الساخر محمود شكوكو مع أراجوزاته الباسمة، ويبدو الحوار بين الشخوص في اللوحة بمثابة تساؤل واختبار لمدى إمكانية تحقق الأمنيات التي ينطوي عليها القلب على أرض الواقع.

17