إيهاب حسن المبشر الأكبر بعصر ما بعد الحداثة

الأحد 2015/04/12
مفكر رائد يرى أن الطغاة والجهاديين أبناء رحم واحدة

في حديث الناقد السّعودي الكبير عبدالله الغذّامي عن الحداثة والحداثيين أشار إلى «إن الحداثيين العرب قد تحوّلوا من استهلاك الحداثة المستوردة في الثمانينات إلى إنتاج حداثة عربية في تسعينات القرن العشرين‏».

لم يصرح الغذّامي بمَنْ يَقصد؟ لكن كثيرين اجتهدوا ووضعوا اسمي إدوارد سعيد، الناقد الأميركي الفلسطيني الأصل، وإيهاب حسن‏ الناقد الأميركي المصري الأصل، في صدارة الحداثيين العرب الذين أنتجوا الحداثة العربية الجديدة، وهو الأمر الذي لم يَرُقْ للناقد الرّاحل عبدالعزيز حمودة، الذي استفزه أحد الحضور أثناء تكريمه في جامعة دمشق، وكرّر هذا الأمر مُنَوِّهًا باسمي مَنْ لم يذكرهما الغذّامي مِن قبل، واعتبر القول إن «أيًّا مِن إدوارد سعيد وإيهاب حسن ناقد عربي حَداثي أو ما بعد حداثي مُغالطةٌ ثقافيّةٌ وعلميّة صريحة‏،‏ ناهيك عن كونه إشهارًا صريحًا لإفلاس الحداثيين وما بعد الحداثيين العرب وفشلهم‏،‏ بعد سنوات الاستعارة والتأثُّر والنقل‏،‏ في تطوير حداثة عربية‏.‏ فالفارق شاسع بين القول بأن سعيد أو حسن ناقد أميركي من أصل عربي‏، والقول بأنه ناقد عربي‏» وهو الأمر الذي أشاعه على الملأ في مقالة بعنوان «إدوارد سعيد والحداثة العربية».

لم يعمد الناقد الراحل عبدالعزيز حمودة إلى الانتقاص من قدر الناقديْن بل كان يشير إلى حقيقة ربما مغفلة بعض الشيء، تتمثّل في انفصال تأثير الثقافة العربيّة على الناقدين دون التقليل من جهدهما، وإسهاماتهما التي لاقت حفاوة في العالميْن الغربي والعربي، فالناقد إيهاب حبيب حسن مولود في القاهرة في الربع الأول من القرن المنصرم وبالتحديد في عام 1925، لأُسرة تجري فيها دماء تركية وألبانية ليعيش طفولته وشبابه في كنف الاستعمار البريطاني وَحُكم الأقليّة الوطنيّة.

إرث ما بعد الحداثة

تباينت الآراء حول ظهور مصطلح «ما بعد الحداثة» فهناك مَن يشير إلى أنه اُستخدم في الثلاثينات مِن القرن العشرين في نصّ كتبه الإسباني فردريكودي أونيس، وهناك مَن يرى أنّه ظَهَرَ لأوّل مرّة عند المؤرخ البريطاني توينبي 1959، وكان عنده يدلُ على ثلاث علامات ميّزت الفكر والمجتمع الغربيين بعد منتصف القرن المنصرم، وهي: اللاعقلانية والفوضوية والتشوش.

لكن ثمّة إجماعًا على أن انتقال هذا المصطلح إلى حقل الدراسات الأدبية في ستينات القرن العشرين على يد الناقد ليسلي فيلدر والناقد المصري الأميركي إيهاب حسن، بل يجزمون على أن الاستخدام المنهجي للمصطلح كان على يديه، والجدير بالذكر أن الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، الذي يتفق الكثيرون على اعتباره فيلسوف ما بعد الحداثة الأوّل، قد اعتمد على أعمال حسن في إقامة معظم دليله الثقافي. فقد ذكر في كتابه “الوضع ما بعد الحداثي” 1979 «أن عمل إيهاب حسن هو المصدر الأساسي الذي نبّهه إلى أهلية مفهوم ما بعد الحداثة».

اكتسب المصطلح تداولاً خلال فترة السبعينات من القرن العشرين وشمل العمارة أولاً، ثمّ اكتسح بالتدريج مجالات الرقص والمسرح والتصوير والسينما والموسيقى. ومع هذا فهناك مَن عَارض القول بمجيء عصر ما بعد الحداثة، كالفيلسوف والناقد الاجتماعي هابرماس حيث يعدُّ التنظير لعصر ما بعد الحداثة «ردة فعلٍ محافظة ويائسة ضدّ التنوير»، وهناك مَن قال بتحقُّقه على مسرح التاريخ المعاصر ومنهم ليوتار الذي اعتبر هذا العصر نهاية لـ “الحكايات الكبرى”، أي موت المذاهب الكبرى التي حاولت تفسير الواقع تفسيرا شموليًّا.

عُدَّ إيهاب حسن في تسعينات القرن المنصرم، واحدًا مِن مُنظري وَنُقّاد ما بعد الحداثة، والعجيب أن نُقادنا العرب كانوا مُنهمكين في فهم الحداثة بينما كان الرَّجل يُنَظِّرُ لمرحلةٍ معرفيةٍ جديدةٍ خاصّة في عامين 2000 ـــ 2001، وهى مرحلة تحوّل ظاهرة ما بعد الحداثة إلى سياق ما بعد الحداثة الجديد، أو ما أسماه بتجاوز ما بعد الحداثة. حيث «ينطلق مِن خاصية انعدام الحدود الواضحة فيما بعد الحداثة، ليبدأ بوصف التناقضات، وأسئلة الهُويّة المحليّة، والعالميّة، واللُّغة التفاعليّة الجديدة بين المحليّ والعالميّ على الإنترنت». وهي الاشتغالات التي أولاها إيهاب حسن اهتمامًا كبيرًا في سياق رصد اللحظات الحضارية المتحوِّلة والحاسمة. ويرى «أن الفن ما بعد الحداثي فنٌّ متعدّد الأشكال/ مخنث/ هجين، في حين أن الحداثة فن تناسلي/ ذكوري».

إذا كانت الحداثة تتميز بـ"الشكل المتماسك والمغلق، والنظام والاتقان والعقلانية والحضور والتجميع والحسم والسمو"، فإن ما بعد الحداثة حسب إيهاب حسن تتميز بنقيض ذلك كله، حيث تجد "الشكل المضاد المفكّك والمفتوح والفوضى والتشظي والإرهاق والصمت والسحرانية والغياب والتفريق والسخرية واللاحسم"

في مقالته المعنونة بذات الاسم «تجاوز ما بعد الحداثة» يتوقع حسن «لسياق التفاعل المفتوح أن يعيد التساؤلات الحضارية القديمة والمتجدِّدة، حول الهُوية الثقافيّة» وهو ما دفعه إلى أنْ يُسْهِبَ في «شرح أصولها البيولوجية، والقبلية القديمة، ليصلَ إلى إمكانية انفتاح الحدود بين الثقافات، والأفكار في تفاعلية إبداعية تجمع بين المحلي، والعالمي، وتتجاوز وحشية القوة المؤكدة للأنا في مقابل الآخر».

اشتغالاته على الحداثة وما بعد الحداثة تعود إلى كتابه الأوّل الذي صدر في عام 1961، بعنوان “البراءة الراديكالية: دراسات في الرواية الأميركية المعاصرة”، حيث يجري سلسلة تنويعات على مبدأ نقدي متماثل يرى أنّ السِّمَة المركزية في الأدب الحديث (أو “ما بعد الحديث” في الواقع) هي العدمية الراديكالية في مسائل الفنّ والشكل واللغة، وقد خَلُصَ من مناقشته إلى ما أسماه “أدب الصمت” الذي يدور حول نفسه وينقلب على نفسه لكي يُعلن “الرفض التام للتاريخ الغربي، ولصورة الإنسان كمقياس للأشياء جميعها”. وهي الأطروحات التي عمّقها في كتابه الثاني الذي حَمَلَ عنوان “أدب الصمت: هنري ميللر وصموئيل بيكيت” 1967، ثم أعقبه بكتابه الأشهر “تقطيع أوصال أورفيوس: نحو أدب ما بعد حداثي” 1971، وهو الكتاب الذي يستحضره كثيرًا أثناء كتابته لسيرته. ومن أعماله كتاب «أشباه نقدية: سبعة تأمّلات لزماننا» (1975)، و«النار البروميثيوسية الحقّة: الخيال والعلم والتغيير الثقافى» (1980)، «دورة ما بعد الحداثة: مقالات في نظرية ما بعد الحداثة والثقافة» (1987)، و«شائعات التغيير: مقالات عن خمسة عقود»، وكذلك «سؤال العدم: مقالات مختارة». اتّجه في السّنوات الأخيرة، إلى أدب السّيرة الذّاتيّة والرّحلات ومن هذه الأعمال سيرته الذاتية التي حملت عنوان «الخروج من مصر: مشاهد ومجادلات» عام 1986، ثم «ذوات في خطر: أنماط السؤال في الآداب الأميركية المعاصرة» عام 1990، و«بين النسر والشمس: آثار اليابان» عام 1996. إلى جانب تجميع لمقالاته التي نشرها على مدار مسيرته النقدية تحول حسن مؤخّرًا إلى كتابة الرواية (بعنوان: التحدّى)، كما نشر قصصا قصيرة في العديد من المجلات الأدبية الأميركية.

ظل مفقود

في عالمنا العربي مع الأسف لم تلقَ هذه الأعمال الصدى الواسع سواء بالمتابعة أو حتى بالترجمة، ما عدا بعض المقالات المتناثرة هنا وهناك أشهرها ترجمة صبحي حديدي في مجلة الكرمل في العام 1991 عن «نحو مفهوم لـ”ما بعد الحداثة”»، وعمرو خيري في الثقافة الجديدة نوفمبر 2010، بعنوان «النسر وغصن الزيتون والحلم: تغير تصورات العالم لأميركا»، بالإضافة إلى بعض مقالات متفرقة ترجمها جابر عصفور، وضمّها إلى أحد كتبه، وأخيرا مذكراته عن «طغاة الصحراء» التي ترجمها السّيد إمام. العمل الوحيد الكامل جاء بترجمة محمد عيد إبراهيم بعنوان «دورة ما بعد الحداثة» عن دار أروقة بالقاهرة.

بعد ثلاثين سنة من تنظيراته عن الحداثة وما بعد الحداثة يرى إيهاب حسن أن ما بعد الحداثة صارت الآن شبحًا، أو عودة لمدلول مُنْفَلِتٍ مِن الحدود، وكُلما نظن أننا قد تَخَلَّصنا منها، ينهض شبحها مرة أخرى. العجيب أنه يقرُّ بأن هذه الأفكار ما بعد الحداثية «ما زالت تتردّد في خطاب الهندسة المعمارية، والفنون المختلفة، والعلوم الإنسانية، وأحيانا الفيزياء، كما أنها لم تقتصر على المؤسسات الأكاديمية، بل نجدها أيضا في الخطاب الشعبي، وعوالم السياسة، والبيزنس، والميديا، وصناعات التسلية، كذلك شاعت في لغة الأساليب الشخصية للحياة؛ مثل طريقة طهو ما بعد حداثية، ومطبخ ما بعد حداثي».

وينتهي إلى أن ليس ثمة إجماع حول معنى ما بعد الحداثية، فهو ينتمي إلى فئة «ما يطلق عليه الفلاسفة الفئة المتنازع عليها جوهريًا». وعن التناقضات المتقابلة بين الحداثة وما بعد الحداثة يقول فإذا كانت الحداثة تتميز بـ “الشكل المتماسك والمغلق والنظام والاتقان، والعقلانية والحضور والتجميع والحسم والسمو…”، فإن ما بعد الحداثة تتميّز بما هو نقيض لما سبق، حيث تجد “الشكل المضاد المفكّك والمفتوح والفَوضى والتّشظي والإرهاق والصّمت والسّحرانية، والغياب والتفريق والسّخرية واللاحسم».

يذكرُ محمد سمير عبد السّلام في مقدمة ترجمة مقالته «تجاوز ما بعد الحداثة» أن كتابات إيهاب حسن تتميّزُ «بتأكيد تعدُّدية الهوية، والجمع بين المجاز ـمثل شبح ما بعد الحداثةـ والسِّياق الثّقافي أو التاريخيّ أو ما يدعى بالحقيقي، كما يعيد تركيب بعض المصطلحات بشكل إبداعي، مثل كلمة Glocal التي تجمع المحليّ والعالميّ معًا. إضافة إلى تداخل الأخيلة السّردية المتولِّدَة عن الأعمال الأدبيّة، ومظاهرها الواقعية على الخريطة دون انفصال» وهو ظاهر في كتاباته الأخيرة «أما اللُّغة التفاعلية التي يقترحها تتجاوز تأكيد الأنا لإدخاله في الروح الكونية، ومن ثمة نجد الأدب حاضرًا في الجغرافيا السّياسيّة والنَّسيج الكوني معًا».

التاريخ كما يراه حسن "لا يتحرك مثل سهم بقدر ما يتحرك في حركة ارتدادية، أو بالأحرى، لا نعرف كيف يتحرك"، ويتساءل دامجا بين الطغاة والمتطرفين "من الذي جعل الطغاة ضرورة؟ لقد ظهروا مثل طرح البحر على شواطئ امبراطوريات متداعية؛ لقد برزوا من دول فاشلة أو قبائل متناحرة. لقد نشأوا في رحم مجتمعات تفتقر إلى تقاليد مدنية، إلى التعاطف الإنساني والالتزامات التي تتجاوز حدود العشيرة"

طغاة الصحراء

في مذكراته التي عنوّنها بـ «مذكّرات هزلية، طُغاة الصّحراء» يَصِفُ الطُّغَاة بأنّهم «طغاة في كلِّ مكانٍ في العالم، قلت لنفسي الربيع العربي: هبّة من رياح الخماسين الساخنة، كم من القرون استغرق الشتاء العربي إذن؟ أم أن ذلك الربيع العربي كان مجرد “فاصل” ينبئ بعصر جليدي آخر؟ لقد أشعل أحد الباعة الجائلين في تونس النار في نفسه، فاشتعل الشرق الأوسط .

أنظر لما جري في بضعة شهور: فر الرئيس التونسي، وقبع الرئيس المصري في قفص من الحديد، وجروا الرئيس الليبي من إحدى الحفر وقتلوه بعد أن أطلقت عليه رصاصة من مسدسه المصنوع من الذهب، وتقاعد الرئيس اليمني بعد حكم فاسد استمر قرابة ثلاثة وثلاثين عاماً. وقبل ذلك، تم إعدام ديكتاتور العراق شنقاً. أما عن الرئيس السوري، الذي يجلس الآن تحت سيف ديموقليس، فإنه ينتظر أن يطاح برأسه بين لحظة وأخرى. خذ مصر التي ولدت بها كمثال. عندما أطاح الشباب المصري في ميدان التحرير بالفرعون الأخير وأجبروه علي مغادرة قصوره المطلة على النيل، قلت لنفسي: برافو، برافو، رائع! ثم تساءلت: هل هذا هو الوطن الذي غادرته منذ سبعة عقود؟ وأدركت، حتى من قبل أن يكتسح الإخوان المسلمون البرلمان المصري، وحتى قبل أن يتمكن الجنرالات من استعادة السلطة بأيد خفية، أن هذا الربيع العربي لن يكون مثل أيّ ربيع آخر. سوف يترك هذا الربيع المشهد في الشرق الأوسط خليطاً من الأخضر واليابس″.

يقول إيهاب حسن إن التاريخ “لا يتحرك مثل سهم بقدر ما يتحرك في حركة ارتدادية، أو بالأحرى، لا نعرف كيف يتحرك”، ويتساءل دامجاً بين الطغاة والمتطرفين “من الذي جعل الطغاة ضرورةً؟ لقد ظهروا مثل طرح البحر على شواطئ امبراطوريات متداعية؛ لقد برزوا من دول فاشلة أو قبائل متناحرة. لقد نشأوا في رحم مجتمعات تفتقر إلى تقاليد مدنية، إلى التعاطف الإنساني والالتزامات التي تتجاوز حدود العشيرة، إنني أضم الجهاديين الذين يقومون بتفجير أنفسهم والطغاة في فئة واحدة رغم ما بينهم من اختلاف، أضمهم إلى فئة واحدة ولكن لا أُوَحِّد بينهم”، لقد خرجوا معاً من رحم العنف، وينتمون معاً لنفس الثقافة والتاريخ، الميلُ إلي كراهية النساء والفقر والأمية والخطابة والنخبة غير المسؤولة، وغياب اتفاق ديمقراطي ليبرالي جماعي، والافتقار إلى روح نقدية نشطة وفعالة، والميل لرؤية العالم دون مراعاة للفروق الدقيقة (النزعة الأصولية)، ومزاج ما بعد كولونيالي منتقم ومُحَرِّر في الوقت ذاته.

8