"ائتلاف الكرامة" المتشدد يضع تونس في مأزق مع شركائها الأوروبيين

قائمات الائتلاف تمثل تجميعا لمرشحين عرفوا في أغلبهم بخطاب يسوق لنظرية المؤامرة الدولية في صناعة الراديكالية والإرهاب.
الأحد 2019/10/13
أفكار تتغافل عن خصوصية الاقتصاد التونسي

تونس - لم تعد هناك خيارات كثيرة أمام حركة النهضة الإسلامية سوى التحالف مع أقصى اليمين المحافظ لإنقاذ الأغلبية غير المريحة لحزبها، وبالتالي تفادي شلل سياسي قد ينتهي بحتمية التوجه إلى انتخابات مبكرة.

ومع انفضاض أغلب الأحزاب الفائزة بمقاعد عن مشروع التحالف مع النهضة لم يتبق خيار آخر أمام الأخيرة سوى القبول بدخول “ائتلاف الكرامة” اليميني المتشدد إلى الحكم. ولكن هذا الخيار يعد مخاطرة فعلية لعلاقات تونس الخارجية في ظل الأطروحات والأوليات التي يتبناها الكرامة.

تمثل قائمات الائتلاف تجميعا لمرشحين لا سجل سياسيا لهم ولكنهم عرفوا في أغلبهم بقربهم من الجماعات الدينية المحافظة وبخطاب يسوق لنظرية المؤامرة الدولية في صناعة الراديكالية والإرهاب. كما تدافع هذه القائمات بشكل واضح على تغليب أحكام الشريعة وتجاهر بعدائها للدولة الوطنية الحديثة التي أسسها الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة إبان الاستقلال.

واشتهر الناطق باسم الائتلاف، المحامي الشاب سيف الدين مخلوف، بتكفله بأغلب قضايا المورطين في الإرهاب ومن بينهم أيضا مرحلون من دول أوروبية. وقد اقترن اسم المحامي اليميني بالأزمة الدبلوماسية بين تونس وبرلين في قضية ترحيل الإسلامي سامي العيدودي حارس زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وائتلاف الكرامة الذي يتقاطع مع “روابط حماية الثورة” التي عرفت بممارستها للعنف والترهيب إبان الثورة عام 2011، يضم أيضا في صفوفه نشطاء، والإمام المتشدد رضا الجوادي، وإعلامي آخر عرف كذلك بموالاته لجماعات الإخوان المسلمين. وجميع هؤلاء يرفعون شعارات صدامية مع الغرب.

ويتضمن برنامج الائتلاف فرض تأشيرة على السياح الفرنسيين والأجانب انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل، وهو بند يتغافل عن خصوصية الاقتصاد التونسي المعتمد على عائدات السياحة والاستثمار الخارجي كما لا يضع في اعتباره وزن السوق الفرنسية (الأولى) والأوروبية عموما في حجم قطاع السياحة المتعثر أصلا في تونس. وفي حال تبني هذا البند فإنه سيمثل ضربة قاتلة للسياحة التونسية.

برنامج "ائتلاف الكرامة" يتضمن فرض تأشيرة على السياح الفرنسيين والأجانب انطلاقا من مبدأ المعاملة بالمثل

ولا يخلو خطاب “الكرامة” طيلة حملته الانتخابية من النبرة العدائية والشعبوية تجاه الحليف الاقتصادي الأول لتونس فرنسا، بدءا من دعواته إلى مراجعة عقود استغلال الثروات الطبيعية وطلب اعتذار باريس من أجل سجلها الاستعماري وفرض إجراءات صارمة حول تحرك السفير الفرنسي بتونس.

وعموما تجد هذه النبرة المستقطبة التي طغت على الحملة الانتخابية للكرامة، صدى كبيرا لدى الطبقات المحافظة سواء داخل التيار الإسلامي أو التيارات التقليدية.

لكن الخطوة الأكثر خطورة بالنسبة لشركاء تونس، تكمن في تعهد “الائتلاف” الذي يمثل اليوم الكتلة الثالثة في البرلمان، لناخبيه بإلغاء القيود الأمنية التي تحاصر تحرك الآلاف من المشتبه بهم ممن ضلعوا في أنشطة متشددة أو من يشتبه بتعاطفهم مع جماعات إرهابية، بدعوى حرية التنقل.

وهذه القيود تفرضها السلطات الأمنية منذ عام 2013 في نظام أمني عرف بـ”أس17” بهدف التصدي لأنشطة شبكات التسفير التي بعثت بالآلاف من التونسيين إلى نزاعات في الخارج بطرق متحايلة منذ 2011. وقد مكن النظام الأمني من منع خروج أكثر من 12 ألف تونسي ممن يشتبه بالتحاقهم بتنظيمات متشددة من السفر خارج البلاد. وفي حال مضى “الكرامة” قدما في فرض هذه الأوليات في مفاوضاته مع الحزب الأغلبي حركة النهضة الإسلامية، فإنه لا مفر من أزمة دبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي الذي يستحوذ على 75 بالمئة من التبادل الاقتصادي والتجاري الخارجي لتونس.

وحتى الآن لم تحسم حركة النهضة المترددة بشأن هذا التحالف المر، فضلا عن حاجتها لمزيد من المشاورات مع باقي الأطراف الفائزة لتحصيل الأغلبية، مع ذلك فإن الخطاب الانتخابي “الثائر” الذي روجت له في حملتها يضعها بين فكي رحى، فإما التنكر لهذا الخطاب وتقديم تنازلات مؤملة ومغرية للمعارضة الليبرالية مقابل التضحية بالكرامة أو الصعود إلى الحكم بمن حضر والذهاب إلى المجهول.

2