ابتسامة النص

الخميس 2016/11/10

تمضي الساعات مثلما تمضي معها الأيام وهي تتناوب على المؤلف الذي يعيش الوقت في قلق دائم باستنفار كامل للحواس، باحثا عن الفكرة ثم المفردة ثم الكلمة ثم السطر، أملا في رسم ابتسامة العاشقة عبر الكلمات، بينما تمضي العاشقة يومها وهي تتأمل قوامها الفاتن وعطرها المثير مبتسمة لنفسها في المرآة، وتنتظر موعدها على موجة بحر أو نسمة هواء ربيعي أو ورقة زيتون بلون قميصها الجديد.

بين المؤلف والعاشقة صلة غامضة قد لا ينتبه إليها القارئ، وربما لا تسعفه ثقافة القراءة أن يستجلي ما بين السطور والحروف والكلمات، فالتلقي جزء مهم في فاعلية الكتابة السردية والشعرية لكنه في الكثير من الأحيان لا تهمه مثل هذه النظريات النقدية؛ فالقارئ عابر نصوص.

المؤلف يفكر في ابتسامة العاشقة المحتملة طيلة بقائه على قيد الفكرة، ويتخيلها ويراها ويصورها من زوايا مختلفة، ويرسم لها احتمالات كثيرة وتأويلات أكثر، فيكتبها ألف مرة ويشطبها ألف مرة، حتى يستقر على ابتسامة الكلمة في آخر النهار وربما في آخر الليل بقناعة نصفية، فيما العاشقة لا تفكر في المؤلف إلا حينما تقرأ له، لكنها في الكثير من الأحيان قد لا تجد ابتسامتها في نصوصه مثلما تأمل أو تتخيل، تجدها ابتسامة ورقية لا روح فيها.

تترك النص وتمضي إلى مؤلف آخر، ثم إلى مؤلف آخر حتى يتراكم المؤلفون وتختلط وجوههم في رأسها، وتتغير ابتساماتها بين هذا وذاك في محاولة للقبض على ابتسامة مناسبة تغري هذا المؤلف أو ذاك لتدوينها قبل اللقاء، لكن يتغير موعد اللقاء كما يتغير قميص الزيتون الذي ترتديه، فيحل محله قميص الجوري الوردي ليفتح وجه الابتسامة فيها وإغراء الكتابة على نحو صريح فتقضي يومها أمام المرآة -بإصرار- باحثة عن ابتسامة العشق فيها قبل البحث عن ابتسامة المؤلف الذي لا يبتسم في العادة إلا حينما ينهي ابتسامة الكتابة، وينهي صورة القلق في رأسه؛ فالكتابة قلق حتى تنبثق ابتسامة النص.

تعتقد العاشقة أن المؤلفين يتجاهلونها، ولكي تنتصر على ابتسامتها المتغيرة تقضي شطرا آخر في البحث عن ابتسامة النص بإيعاز داخلي لا تعرف أسبابه الكامنة فيها. تفتح حروفه بأحمر الشفاه وتغيّر من مسارات سطوره بأصابع بيضاء، لكنها لا تجد شيئا في نهاية المطاف فالنصوص باردة وكئيبة وغير فاعلة في ذاتها وإنها أشبه ما تكون بحجر بركاني خامد.

تضيع بين خيالات المؤلفين ورؤاهم وعنف الكلمات في سطورهم، فتجد أنّ لكل مؤلف امرأته ورمزه وخطّه وابتسامته المخفية عنها، غيرأنها تبحث عن ابتسامة المؤلف لعلها تعرف سر الكتابة في ابتسامة النص، فلا تجدها أيضا ولا تجد حتى مشروع الابتسامة التي جاهدتْ لأن توزعها على نصوص كثيرة ومؤلفين كثيرين تناوبوا في مخيلتها مثلما تناوبت الابتسامات الكثيرة أمام مرآتها الواقفة معها منذ أيام.

تقول العاشقة لنفسها: ”يبدو أنّ المؤلفين قوّضهم زمن الخريف العربي وانتابهم اليأس ورحلت عنهم عاشقات الحروف والنصوص ثم غرقت ابتساماتهم مع أطفال الهجرة والرحيل المخيف في البحار واحترقت في لهيب الموصل وحلب وسرت واليمن، فهذا زمن شحّت فيه ابتسامات النصوص وابتسامات المؤلفين.

وحينما يدرك المؤلف أن العاشقة تفكر في هذا الصدق وتنزع عنها ثوب اللقاءات المتعددة، ينتهي النهار ثم ينتهي الليل والأفكار تتناوب في رأسه كطاحونة مستعرة، لا تقف في عصف يومي يثير الكآبة واليأس، لكنه يرنو بطريقة جانبية إلى عمق الابتسامة المخفية في الورقة فيرسم ابتسامة أنثى لها شكل الأمل، وكان على العاشقة أن تنتبه أنها الابتسامة بكل أنواعها وأشكالها وظروفها، لا الكلمة، لا النص، ولا المؤلف”.

تلك هي حكمة الكتابة.. لا الابتسامة…

كاتب من العراق

14