ابتسامة دوشين

السبت 2016/10/15

يرتكب الناس فعل الابتسام لأسباب شتى، وليست كل الابتسامات بريئة؛ فهناك ابتسامة تنم عن غرور، صلف، خوف أو خجل، كما أن بعض الابتسامات تصعب قراءتها فهي قد تعكس كل ما سبق أو لا تفصح عن شيء على الإطلاق.

الابتسامة يمكن أن تكشف الكثير عن شخصياتنا، هكذا يراها متخصصون في فن قراءة تعابير الوجه، وأما الابتسامة الأكثر شهرة من وجهة نظرهم فتلك التي تمتد فيها الشفتان إلى أقصى جانبيهما، لتكشف من خلالها صفي الأسنان الأمامية بكامل عدتها وعددها، ابتسامة تضج ثقة ودفئا وفرحا، وهي تنتج في الغالب من خلال متابعة عروض تلفيزيونية مضحكة أو الاستماع إلى طرفة أو خطبة لبعض السياسيين العرب، أما إذا رافقها ظهور خطوط مجعدة حول العينين فإن الابتسامة تكتسب مصداقية وتأثيرا كبيرين، وهي دليل قاطع على أنها حقيقية نابعة من القلب، تلك التي يطلق عليها “ابتسامة دوشين”، نسبة إلى غيوم دوشين؛ طبيب الأعصاب الفرنسي الذي اكتشفها!

دوشين، الذي توفي قبل أكثر من مئة وخمسين عاما، كان يرى في الوجه البشري خارطة يمكن أن تؤشر فيها الملامح الخارجية للإنسان على ما تخبئه الحالة النفسية له، وكان مقتنعا بأن تعبيرات الوجه البشري هي بوابة لروح الإنسان، حيث يرى في الابتسامة الحقيقية استخداما أمثل لجميع العضلات المحيطة بالعينين، إضافة إلى الفم، وكان أحد الأدلة التي استخدمها في تبرير نظريته هو التصوير الفوتوغرافي، حيث آمن بأن تعبيرات الوجه سريعة الزوال بطريقة قد لا تمكننا من ملاحظتها عن طريق الرسم مثلا أو النظرة الخاطفة، إلا أن الكاميرا يمكنها أن تفعل ذلك، أن تسجل اللحظة قبل أن تهرب.

لكن بعد مرور كل هذه العقود التي ذابت فيها ملامح أناس تركوا الحياة، من دون أن يحصلوا على ابتسامة رضا واحدة من صاحب مخلص، تجمع لفيف من علماء هواة كي يضعوا الفرضيات للتشكيك بابتسامة دوشين، وقرروا بأن الشفاه الممطوطة وطقم الأسنان المكشوف وحتى عضلات العينين المشدودة ليست بالأدلة الكافية على صدق الابتسامة، وأن بعض الناس يتمتعون بقدرة عجيبة على التمثيل واصطناع الفرح وأرواحهم مغمورة حتى أذنيها في مستنقع كبير من الهموم.

وأما الابتسامة التي تكتفي بتحريك عضلات الفم دون غيرها وتعمد إلى تسكين بقية عضلات الوجه، فهي الابتسامة الاضطرارية التي يكون صاحبها في الغالب مجبرا على اجترارها لإنقاذه من ورطة معينة أو للتعتيم على فعلة (نكراء) اقترفها بحق الآخرين، وهي تشبه كثيرا الهبوط الاضطراري للطائرات النزقة على مدارج مطارات بديلة، طمعا في تجنب حدوث كارثة!

فيما يعمد البعض إلى محاولة إخفاء أسنانه قدر الإمكان، وعدم السماح لها بالظهور أمام الغرباء أثناء ارتكابه جرم الابتسام مع انحناءة خفيفة في الرأس ونظرة عين متعالية بعض الشيء، وفي هذا الفعل، بحسب متخصصين، تعبير عن ثقة عالية بالنفس وربما محاولة للبقاء في دائرة الغموض بالنسبة إلى الآخرين، وهي سمة تمنح صاحبها أو صاحبتها (خاصة) بريقا وجاذبية شخصية لا يقاومان.

لكن أكثر من حيّر المتخصصين، هم أصحاب نصف الابتسامة، ولعلها من أكثر رسائل الوجه غموضا، حيث يعبّر عنها عادة برفع جانب واحد من عضلات الوجه وترك الجانب الآخر حائرا في مكانه، فلا هي ابتسامة ولا هي عبوس، وهذا التعبير المتكلف قد يكشف عن طبيعة صاحبها التهكمية أو الاستفزازية وربما نلمح بين طياتها ملامح تهديد مبطن، خاصة إذا صدرت عن مسؤول عربي (رفيع) المستوى لا يجد غير هذه الابتسامة يهديها لجمهور ساكن خلف الشاشة، حكم عليه بالعبوس المؤبد بعد أن ضبط في حادث يتيم وهو يطارد شبح ابتسامة.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21