ابتسام عبدالعزيز فنانة إماراتية بمعادلات رياضية واعية

الفنانة الإماراتية ابتسام عبدالعزيز تفكر بالأقنعة، لكن بطريقة أكثر واقعية، ولا ترسم إلا في ما ندر، وإن اضطرت إلى ذلك تلجأ إلى تقنيات لا علاقة لها بعالم الرسم.
الأحد 2018/04/22
تكتب سيرتها الذاتية بالأرقام

من بين فناني ما بعد الحداثة في بلادها هي الأكثر اطمئنانا إلى خطواتها. لا لشيء إلا لأنها لم تنتقل من موقع أسلوبي إلى آخر. ما تعلمته من الفن وضعها في مكان لا يمت بصلة إلى الممارسة الفنية “التقليدية”. فهي لا ترسم إلا في ما ندر. وإن اضطرت إلى القيام بذلك فإنها تلجأ إلى تقنيات لا علاقة لها بعالم الرسم.

لقد تربت الفنانة على فكرة أن يكون الفن في مكان آخر.

كانت مغامرة حياتها تقع في المنطقة التي لا يمكن أن يتم التعبير عنها بحلول مُرضية للطرفين “الفنان والمتلقي”، من خلال اللجوء إلى استعمال أقنعة جمالية متاحة.

الإماراتية ابتسام عبدالعزيز تفكر بالأقنعة، لكن بطريقة أكثر واقعية. وهو ما عبرت عنه غير مرة من خلال كتابة وتصوير سيرتها الذاتية من خلال أعمال فنية مفاهيمية اعتمدت فيها تقنيات التجهيز والفيديو والحوار التفاعلي المباشر مع الجمهور.

لقد رأيتها أول مرة قبل سنوات وهي تلقي محاضرة عن فن الأميركي سول لويت وكانت عيناها مصوبة إلى معلمها حسن شريف.

ما بين شريف ولويت تقف عبدالعزيز وهي تعرف أن خيارها المحلي ضيق إلى أبعد الحدود. غير أنها كانت ولا تزال تبحث عن أصالة من نوع مختلف. فهي تنتمي إلى الواقع بطريقة لا تستجيب لشروط ذلك الواقع.

Thumbnail

كانت الفنانة محظوظة لأن هناك مَن سبقها في تعبيد الطريق التي قررت المشي عليها وهو ما فعله حسن شريف غير أن سعادتها لن تكتمل إلا من خلال تماهيها مع تجربة المفاهميين العالميين الكبار من أمثال سول لويت. من وجهة نظري كانت ابتسام محقة في ذلك. فالفنون المعاصرة لا يمكن تجزئتها حسب المناطق.

كان منظور عبدالعزيز عالميا منذ بداياتها، بالرغم من أنها تحاكي لغة الناس العاديين بكل ما تنطوي عليه تلك اللغة من مكر تعبيري. في مواجهة أعمالها سيكون علينا دائما أن نفكر بالآخر المختلف.

فالفنانة التي تسعى إلى إلحاق الهزيمة بالجمال، إخلاصا منها للفكرة هي في الوقت نفسه تضع ما تفعله في مرآة سؤالها عن جدوى أن يكون المرء فنانا في مجتمع غلب عليه طابع الاستهلاك.

الفكرة قبل كل شيء

ولدت عام 1975. درست الرياضيات، وهو ما انعكس بقوة على علاقتها بالفن. وهي علاقة غريبة إذا ما قورنت الفنانة بسواها من الفنانين.

شغفها بالعالم الرقمي لا يزال أساسيا في تنظيم طريقتها في النظر إلى التفكير في الفن. فإذا كان شغف ابتسام بالفن يستند إلى الثقة به وسيلة للارتقاء بالمجتمعات وتطوير وعي تلك المجتمعات فإنها تبدو على قدر لافت من العقلانية في ممارساتها الفنية التي يغلب عليها عنصر التأويل الذهني.

تقول الفنانة “في الفن عموما يسبق التأمل العمل الفني. وهو مرحلة مهمة جدا، حيث تتجدد من خلالها الكثير من مداخل الفنان إلى عمله. وأنا كفنانة أحتاج إلى أشكال عدة من التأمل، وتحديدا تلك الحالات التي أتمكن فيها من الانفصال عن العالم الواقعي لفترة من الزمن، غير أنني بعد أن أبدأ بمباشرة عملي أدخل في مرحلة مختلفة. وهي مرحلة تقل فيها جرعة التأمل لمصلحة التفكير والوعي”.

ولأنها بدأت الممارسة الفنية من لحظة قطيعة مع الفنون التقليدية فقد كانت مرجعياتها خليطا من الوقائع التي يمكن إعادة تركيبها في سياق ذهني، من غير أن يكون استعراض تلك الوقائع أو وصفها ضروريا. فالفنان بالنسبة لها حين يكتفي بالدلالة فإنه يقبض على جوهر الشحنة التي يريد نقلها إلى المتلقي. وهي على العموم ليست شحنة تعبيرية بقدر ما هي تعبير عن طريقة خاصة في النظر إلى الأشياء.

Thumbnail

لقد سبقت المفكرة الفنانة في سيرة ابتسام عبدالعزيز التي سترويها في ما بعد بطريقة مبتكرة. في المرة الوحيدة التي رأيتها فيها (حدث ذلك قبل أكثر من عشر سنوات في الشارقة) كانت تلقي محاضرة عن تجربة الأميركي سول لويت. كان انجذابها إلى الفنون المعاصرة وبالأخص فن المفاهيم قويا وهو ما شدني إلى ما تقول بالرغم من أن لغتها كانت يومها غامضة ومحتجة.

بعد ذلك دأبت الفنانة على تقديم سلسلة معارضها “سيرة ذاتية” وحين اختارت الإقامة في نيويورك بقصد أن تكون قريبة من تحولات الفنون المعاصرة عرضت عام 2016 عملا بعنوان “إعادة رسم خارطة شوارع نيويورك” الذي يتألف من ثماني لوحات نُفذت بالأكريلك على القماش.

استفادت الفنانة في تنفيذ ذلك العمل من تقنية الأفلام السلبية “نغاتف” من أجل التعبير عن طريقة رؤيتها للمدينة العملاقة التي هي بالنسبة لها مجرد فكرة. لقد جردت الفنانة تلك المدينة من كائناتها وبناياتها وأظهرتها كما لو أنها عالم شبحي.

جثث الأشياء المنسية

“لا أجد في الشوارع ما يشدني سوى الأرقام” بناء على تلك المقولة يبدو الاختزال لدى الفنانة في ذروته. ولأنها لا تكترث بالصور فإنها تروي سيرة حياتها من خلال مقاطع مستلة من الواقع الذي تعيشه من غير أن يعني ذلك أن تلك المقاطع تنطوي على إلهام بعينه.

 بجوار الأرقام التي كانت تراها الفنانة أثناء جولاتها وتصنع منها معادلات رياضية كانت هناك الأشياء التي حرصت على جمعها باعتبارها لقى ذات دلالة. زجاجات فارغة وعلب وألعاب أطفال وبقايا أخشاب وسواها من المواد المهملة التي تم الاستغناء عنها. تقول الفنانة “أقوم بجمع تلك المواد وأغسلها وأنظفها. حينها أشعر أنني أقوم بغسل جثث مرمية. وأقوم بعد ذلك بطلاء تلك المواد باللون الأبيض وأدخلها في العمل الفني”. تستحق إقامة عالم مجاور كل هذا الضنى.

Thumbnail

ما أقدمت عليه عبدالعزيز يعد نوعا من المجازفة من أجل تأثيث عالم لم يكن مأهولا من قبل بالرغم من أن مواده كلها قد تمت استعارتها من عالمنا. هذه فنانة تعيد للحظات المنسية اعتبارها وكرامتها.   تفكر الفنانة في حياة موادها لا في المواد نفسها.

تلك حياة تهبنا فكرة عن البيئة التي احتضنتها ونفتها حين تم استهلاك مفرداتها التي لا تزال من وجهة نظر الفنانة تنطوي على سحر خاص.

لجأت عبدالعزيز إلى مختلف تقنيات الفنون المعاصرة من أجل احتواء عالمها الذي هو مزيج من الواقع ودلالاته. وإذا ما كانت دلالة الواقعة بالنسبة للفنانة هي الخلاصة التي تعنى بها فإن الواقع نفسه يظل قائما من خلال مواد تمت استعارتها منه، من غير أن تملك تلك المواد القدرة على استعادة قيمتها التي كانت تملكها في حياة سابقة.

عرضت الفنانة أسطوانات زجاجية تحتوي في داخلها على مواد بلاستيكية ومعدنية هي في الأصل مواد رخيصة تم الاستغناء عنها. ينبغي النظر إلى ذلك الانحياز من جهة أخرى. ما تفعله الفنانة يحتمل نوعا من التبشير بسعادة من نوع خفي. فالفنانة تستعمل الأشياء المهملة باعتبارها كائنات لا تزال تملك طاقة هي مصدر قدرتها على التأثير.

تراهن الفنانة على تأثير تلك الأشياء التي تم إخراجها من الخدمة. وهو ما يعزز فكرة الفنانة عن النظر إلى تلك الأشياء باعتبارها رموزا تقود إلى عالم تجريدي، سيكون في إمكانه أن يشكل حاضنة استفهامية لعلاقة الإنسان بوجوده ومصيره.

تفتح عبدالعزيز أبوابا بين المجتمع والبيئة ستؤدي بالضرورة إلى إقامة نوع من العلاقة المنصفة بين الإنسان والأشياء. في أعماق تلك الفكرة يقيم جمال من نوع خاص.

لذلك يمكنني القول إن الفنانة في كل ما فعلته وما تفعله تستدعي الجمال وإن كانت قد استبعدت مفهومه من عالمها النظري.

Thumbnail
9