ابتسم.. فأنت في أندونيسيا

الاثنين 2013/09/30

ليس مستغرباً أن يزخر بلد آلاف الجُزر بالتنوّع الشّديد، تنوّع في كل شيء الثقافة والدين والعادات والموسيقى والمطبخ واللهجات وحتى صنوف الحيوانات والنباتات. ومن ثمّ طبيعيّ أن تختار أندونيسيا لنفسها شعاراً رسميا يقول: «الوحدة في التنوع».

خلاف نموذج الدّول القومية الحديثة مثل ألمانيا وفرنسا وتركيا حيث تحقّقت الوحدة الوطنية لقاء إبادة التنوع الثقافي واللغوي، فقد قامت الوحدة الوطنية للأرخبيل الأندونيسي على قاعدة احترام التنوع. ما يضعنا أمام نموذج مميز في بناء الدولة الوطنية.

في عام 1998، أصبحت أندونيسيا ثاني بلد ذي أغلبية مسلمة يدخل نادي الدول الديمقراطية، لكنها كانت ولا تزال البلد الوحيد من نوعه الذي فشل فيه الإسلاميون في كافة الانتخابات، وليس مرجّحا أن يفوزوا في أي من الانتخابات القادمة، اللهم إذا أصبحوا شيئا آخر، على طريقة ما بعد أربكان في تركيا، أو بالأحرى ما بعد بعد أربكان. عدا ذلك لا مستقبل لإسلام البداوة في أرض آلاف الجزر وعشرات ناطحات السحاب.

نعم، اثنتان وسبعون ناطحة سحاب في العاصمة وحدها، معظمها بمهابط طائرات على الأسطح، عشرات السوبرماركات الفاخرة في بلد يعدّ من نمور آسيا، ويصنف ضمن المرتبة الخامسة عشر عالميا من حيث القدرة الشرائية. حتى المتسولون يتسولون برُقي، إذ يستعينون غالبا ببراعة العزف على القيثارة، ما يجعل الإحسان يرقى إلى مستوى التذوق الفني.

ورغم زحف التمدّن إلا أن سحر الطبيعة لم يتوار عن الأنظار، فبدءا من وسط العاصمة الصناعية وحتى آخر جزيرة سياحية، فإنّ قطع شجرة واحدة يكلف صاحبه السجن، حتى ولو نفّذ «الجريمة» داخل حديقة بيته.

التقدّم، النهضة، التنمية، التمدّن، التحديث، قل ما شئت، لكن لا تنس أنّ البدء لا يكون بغير إصلاح التعليم. وإصلاح التعليم ليس مجرّد خطبة يلقيها الزّعيم ويُرددها الصحابة، ثم يفسرها التابعون، إنّما إصلاح التعليم معادلة واضحة تقوم على عنصرين: الإرادة السياسية زائد الغلاف المالي. دون هذا تصبح مشاريع الإصلاح مجرّد كومة من الأوراق، كما يحدث في بلادنا هناك.

الإرادة السياسية متوفرة منذ الاستقلال، فقد كان البلد ينطلق من الصفر؛ إذ كل المستعمرين الذين احتلوه أرادوه مجرد منتجع بدائي للراحة والاستجمام. وعبر مخطط تعلمي من خمس مراحل دقيقة، بدأت بالصناعة الفلاحية وانتهت أخيرا إلى الصناعات الثقيلة، كان التعليم رافدة التنمية الأندونيسية. واليوم، تُدرس المواد العلمية باحترافية عالية وباللغة الوطنية الأم، تُدرس الجماليات الفنية في شتى مجالاتها، ويَضمن التلميذ الاستعمال المجاني لوسائل النقل العمومي لمجرّد أن يرتدي وزرة الدراسة، هنا أيضا تحتضن أهم المدن أرقى المعاهد العليا في معظم التخصصات، وهنا اتفق المسؤولون منذ البدء وبدون ثرثرة على جعل الإنكليزية لغة ثانية في التعليم وبمسافة كافية عن اللغة الوطنية، علما أن الإنكليزية ليست ضمن لغات الدول التي سبق أن استعمرت البلد (البرتغال، هولاندا، واليابان).

أمّا الغلاف المالي فليس عرضة لمزاج أو حسابات أي طرف أو جهة. وإليكم المؤشر الأهم: في الدستور الإندونيسي بند (المادة 31) يحدد ميزانية التعليم فيما لا يقل عن عشرين في المئة من ميزانية الدولة والأقاليم. هذا مدوّن في الدستور، يعني أنه جُعِل ثابتاً من الثوابت الوطنية، ولم يبق عرضة للتقلبات الانتخابية. هكذا تُبنى الثوابت يا أنصار الثوابت. كفّوا إذن عن الثرثرة، وتعلموا الدّرس من أندونيسيا قبل فوات الأوان.

هنا تعمل النساء بحيوية فائقة، وأحيانا بطموح يفوق طموح الرّجل. ومن ثمّ غالباً ما تكون المرأة هي المتحكم في مصروف البيت. وليس من المبالغة في شيء أن نقول إنّ للمرأة فضل كبير في الطفرة التنموية التي تشهدها البلاد. والدّولة نفسها حريصة أيّما حرص على حماية حق المرأة في الكرامة الاقتصادية حتى داخل البوادي والقرى، ولذاك سنّت قانونا يحتم على مزارع الشاي أن لا توظف غير النساء. وهذا ليس خوفاً من التحرّش كما قد يتصوّر عقل «البداوة»، لكن لأجل حفظ الكرامة الاقتصادية للمرأة القرويّة لاسيما وأن الأمر هنا يتعلق بنشاط زراعي «ناعم».

هذه ليست القاهرة ولا الدار البيضاء ولا الرياض، هنا المرأة لا تتعرض لأي شكل من أشكال المعاكسة أو التحرّش. أحيانا تعود الآنسة نين أو الآنسة لالا إلى البيت بعد منتصف الليل، وعلى مسافة ساعة كاملة من المشي على الأقدام لا تتعرضان لأي عنف كلامي أو تحرش جنسي.

فقط انتبه قد تتعرض لموقف كهذا: إذا أرادتك امرأة فلن تخجل من البوح بإرادتها، ستعلنها على الملأ: أنا أريد هذا الرّجل.. إيه والله إيه، قد تتحرك فيك دماء البداوة العروبية، لكن لا تنس الدّرس: هؤلاء النساء هنّ الأكثر مدعاة للاحترام.

في الشارع، في الحافلة، في المصعد، تستطيع أن تُكلم الناس بيُسر، وسيُكلمونك بيُسر، وسترى أن ابتسامة مشرقة لا تفارق كلماتهم الرطبة. تلك الابتسامة المسترسلة ليست من الكماليات، بل هي من ضروريات التواصل عند شعب حباه الله بالقدرة على الفرح. وإذا أنت لم تبادل الناس، رجالا كانوا أم نساء، نفس الابتسامة فستبدو شخصا غير سوي أو قليل الأدب. لكنك ستتعلم مع مرور الوقت أن تلك الابتسامة الأندونيسية كانت وستبقى حاجزا طبيعيا وسدّاً منيعاً في وجه الفكر العبوس.


* كاتب مغربي

8