ابتعاد السعودية يعكس مخاوف من انجذاب أميركا لسحر إيران

الجمعة 2013/10/25
لقاء سعود الفيصل بجون كيري في باريس لم يخفف حدة الضغط بين الجانبين

علاقة التحالف التي تربط الرياض بواشنطن قد تشهد تراجعا إلى أدنى مستوياته في ظل مشاعر الاستياء من سياسات الرئيس باراك أوباما بشأن سوريا وإيران.

مصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية كثيرة تربط بين المملكة العربية السعودية والولايات المتّحدة، تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي ثمّ تطوّرت شيئا فشيئا وفق الأحداث التي عاش على وقعها العالم من ثورة في عالم الاقتصاد والنفط وصولا إلى الحرب العالمية الثانية فالحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتية وما تلى ذلك من متغيّرات.

على امتداد هذه العقود ربط بين السعودية وأميركا تحالف إستراتيجي متين شهد مدّا وجزرا إلا أنه لم ينقطع أبدا: لكن اليوم يبدو أن هناك مواقف وسياسات، من الجانبين، تهدّد هذا التحالف؛ فأميركا، التي تهدّد منذ مدّة بأنها تبحث عن بدائل للطاقة رغم أنها لا تستطيع الاستغناء عن نفط السعودية، بدأت رياحها تهبّ ناحية إيران، التي لطالما كانت الغريم المشترك للطرفين.

وقبل إيران، بدأت بوادر انشقاق الحليفين تظهر منذ الانتفاضات الشعبية التي شهدتها بلدان ما أصبح يعرف بـ»الربيع العربي»، حيث انتهجت أميركا سياسة مخالفة لسياسة السعودية، فبينما دعمت الأولى تيار الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين عارضت الرياض ذلك وأعلنت صراحة وقوفها إلى جانب المعارضين للإسلاميين.

وأبرز دليل على هذا التعارض في السياسات بين واشنطن والرياض، الملف المصري، والثورة على نظام الإخوان ودعم الفريق عبد الفتاح السياسي من قبل السعوديين.

ثم جاء الموقف من سوريا، ليكبر الصدع أكثر مع الخلاف حول تسليح المعارضة والتدخّل الخارجي في سوريا لإسقاط نظام الأسد، الحليف الرئيسي لإيران.

أما النقطة الفاصلة والتي أخرجت هذا الخلاف إلى الملأ فكانت المكالمة الهاتفية التي كسرت جمود ثلاثة عقود من العلاقات الأميركية الإيرانية. وهي المكالمة التي جرت بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس الإيراني حسن روحاني.

وحمّلت صحيفة «واشنطن بوست» إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، مسؤولية ما وصفته بـ «الضرر الكبير» الحاصل بين أميركا والسعودية، الحليف الأبرز والأقدم لها. وشنّت الصحيفة انتقادا حادا لسياسة أوباما مشيرة إلى أنه منذ عامين وعلاقة أميركا بالسعودية تسير إلى الهاوية ببطء في ظل تراخي إدارة أوباما، وعدم التنبه إلى هذا الأمر.

وسياسة أوباما المختلفة عن حلفائه الوثيقين، وفق «واشنطن بوست»، لم تغضب السعودية فحسب، بل أغضبت أربعة حلفاء في المنطقة، فواشنطن دعمت الاحتجاجات في البحرين، ودعمت نظام الإخوان المسلمين في مصر وفرضت عقوبات عسكرية عليها حين ثار شعبها ضدّهم، وتركت ملف سوريا لروسيا، وفتحت ذراعيها لإيران.

هذه السياسات دفعت السعودية إلى التحذير من أنها ستحد من علاقاتها مع الولايات المتحدة. وعبّرت المملكة على مخاوفها من أن يكون الرئيس الأميركي يفتقر إلى الهمة والحنكة في مواجهة خصم مشترك ومن ثم يعطيه ميزة إستراتيجية.

وتخوض الرياض ما تعتبره معركة محورية لمصير الشرق الأوسط مع خصمها اللدود إيران التي تتدخل في شؤون حلفاء المملكة، وتشكّل تهديدا إقليميا، وتسعى إلى امتلاك قنبلة نووية وهي اتهامات تنفيها طهران.

وأبلغ رئيس المخابرات السعودية الأمير بندر بن سلطان دبلوماسيين أوروبيين بأن الرياض تفكر في «تغيير كبير» في علاقاتها مع الولايات المتحدة احتجاجا على عدم تحركها بشكل فعال فيما يخص الحرب السورية ومبادرتها للتقارب مع إيران.

وقالت مصادر دبلوماسية في الخليج إن هذه الرسالة لا تعكس فقط آراء الأمير بندر، المعروف بتشدده في قضايا الشرق الأوسط، وهو السفير السابق البارز لدى واشنطن بل أيضا آراء العاهل السعودي الملك عبد الله وبقية القيادات السعودية.

وتضيف المصادر أن خيبة أمل الرياض في واشنطن حقيقية وتدفعها لتفقد بدائل لاعتمادها منذ أكثر من 70 عاما على هذا التحالف الاستراتيجي ومع ذلك لا يعتقد أحد حقيقة أن التعاون السعودي مع واشنطن سيتوقف.

وأميركا هي المورد الرئيسي لمعظم الاحتياجات العسكرية السعودية بدءا من المقاتلات اف-15 وحتى أنظمة القيادة والتحكم التي قدرت قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات في السنوات الأخيرة. كما يفوز متعهدون أميركيون بصفقات كبرى في قطاع الطاقة بالمملكة.

وارتبطت السعودية -أكبر مصدر للنفط في العالم- وأميركا -أكبر مستهلك له- بعلاقات اقتصادية وثيقة على مدى عقود أسست خلالها شركات أميركية معظم البنية التحتية للدولة السعودية الحديثة بعد طفرتها النفطية في سبعينات القرن الماضي.

وتجلى غضب السعودية الأسبوع الماضي في رفضها مقعدا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة احتجاجا على ما أسمته الفشل الدولي في وقف الحرب السورية وإقامة دولة فلسطينية.

ويرجع قلقها إلى مخاوف من أن تكون حليفتها الكبرى فشلت في اتخاذ موقف قوي من المسألة السورية ومن أنها قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة في أية مفاوضات تجريها مع إيران الخصم الرئيسي للسعودية في الشرق الأوسط.

وقال محلل سعودي مقرب من أسلوب التفكير الرسمي «السعوديون يمارسون ضغوطا حتى لا يتصرف الأميركيون بهذا الضعف.» وأضاف «هذه الرسالة مفادها: أنتم تحتاجون إلينا. ونحن لن نلعب الكرة معكم إلى أن تفيقوا».


الهيمنة الإيرانية


تختلف إيران الشيعية مع السعودية السنية في أغلب الصراعات الكبيرة الدائرة في المنطقة ومنها الصراعات في لبنان والعراق والبحرين واليمن. وفي سوريا تساند إيران الرئيس بشار الأسد في حين تدعم السعودية معارضين يسعون إلى الإطاحة به.

وراقب أمراء السعودية باستياء الشهر الماضي تودد أوباما للرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني وسعيه إلى إحياء المفاوضات لحسم الشكوك الدولية بشأن برنامج إيران النووي. ورغم تصريحات روحاني بأنه يسعى إلى علاقات أفضل مع العالم الخارجي لا يزال الملك عبد الله وغيره من كبار القادة السعوديين يتشككون بشدة في نوايا إيران وما إذا كان رئيسها الجديد يمكنه تحقيق أي تغيير.

وبالنسبة إلى الرياض تثير إمكانية توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق مع إيران احتمالات عديدة غير مستساغة، منها استمرار هيمنة إيران على دول عربية كبيرة مجاورة مثل سوريا والعراق، بالإضافة إلى احتمال نشوب حرب بين إسرائيل وإيران تجد دول الخليج نفسها محاصرة وسطها.

وقال المحلل المقرب من أسلوب التفكير الرسمي «المشكلة تكمن في قدرة الأميركيين على إدارة الوضع. هذا إلى حد ما يشبه الوضع وقت جيمي كارتر.» وخلال فترة رئاسة كارتر لم تتمكن الولايات المتحدة من وقف انهيار حكم شاه إيران الموالي للغرب في مواجهة الثورة الإسلامية التي أوصلت إلى السلطة رجال دين شيعة لا تثق فيهم الرياض.

وقال المصدر الدبلوماسي إن السعوديين يخشون من الاستعداد الكبير الذي تبديه الإدارة الأميركية لأن تولي ثقتها لروحاني في تعهده بتحسين العلاقات والتعامل بشفافية أكبر فيما يتعلق ببرنامج إيران النووي.

وقال «إنهم يخشون أن يخدع الأميركيون» وأضاف أن واشنطن ستسمح لإيران «بأن تصبح على أعتاب أن تكون قوة نووية» بالسماح لها بالاحتفاظ بقدرات تكنولوجية يمكن تحويلها فيما بعد إلى الاستخدام العسكري.

ومن الاحتمالات المقلقة بشكل خاص بالنسبة إلى دول الخليج أن توجه إسرائيل ضربة منفردة إلى مواقع نووية إيرانية إذا لم تتعامل الولايات المتحدة مع طهران. وقال المحلل «هذا يضع السعودية ودول الخليج في موقف سيئ للغاية… فهي لا يمكنها أن تكون مؤيدة لإسرائيل سياسيا ولا يمكنها أن تقبل امتلاك إيران سلاحا نوويا».


الملف السوري


حثّ حلفاء المملكة الغربيون ومنهم واشنطن السعودية على إعادة النظر في رفضها مقعدا في مجلس الأمن لمدة عامين قائلين إنها إن قبلته ستكون في وضع أفضل يمكنها من التأثير على الأحداث من داخل المجلس.

وقال روبرت غوردون، الذي شغل منصب السفير الأميركي لدى الرياض في ما بين 2001 و2003 «من الصعب توقع ما الذي يمكنها أن تحققه من ذلك. إنه إعلان مبدأ. لكنه قد يضعف قدرتها على الدخول في تحالفات وتوجيه مساعدات الحلفاء لتحقيق أهداف». ومن المجالات التي يمكن أن يظهر فيها بسرعة أثر تهديد الأمير بندر بالابتعاد عن الولايات المتحدة المساعدات السعودية للمعارضة السورية.

وقال خالد الدخيل، أستاذ العلوم السياسية السعودي «ما أعتقد أنه يحير الرياض هو الموقف الأميركي من سوريا. فالأميركيون لا يرون سوريا بشكل يقترب حتى من نظرة السعوديين لها. فهي لا تمثل لهم أولوية».

وبالنسبة إلى الرياض ستحدّد نتيجة الصراع الدائر في سوريا ما إذا كان يمكن لإيران أن تتمتع بنفوذ أكبر في العالم العربي. وتساند المملكة جماعات تعتقد أنها معتدلة فتقدم لها السلاح والتدريب والمال والدعم اللوجستي وسعت دون جدوى إلى حمل الولايات المتحدة على المشاركة في هذه الجهود.

ويشعر أوباما بالقلق من أن يؤدي تدفق السلاح، حتى لو كان لجماعات معتدلة، إلى مساعدة فصائل متشددة تقود الآن القتال ضد الأسد، وحث الرياض على توخي الحذر.

وقد يتغير الآن استعداد السعودية لتقبل هذه النصيحة وتوخي الحذر وإن كانت ستواصل تجنب مساندة الجماعات المتشددة. وحاربت السعودية بالفعل تمردا قاده إسلاميون متشددون عادوا من الجهاد في أفغانستان والعراق وهي ملتزمة بمحاربة تنظيم القاعدة.

وقال مصدر دبلوماسي في الخليج «المعارضة تملك معدات مناسبة، لكن ما تفتقر إليه هو التدريب. والسعوديون لديهم الإمكانيات للمساعدة في ذلك» إلى جانب حلفاء مثل فرنسا والإمارات العربية المتحدة.

وقال المحلل إن الرياض أصبحت أكثر استعدادا للدفع بمصالحها الخاصة في سوريا مثلما فعلت في مصر الصيف الماضي عندما ساندت – متحدية واشنطن – الجيش الذي أطاح بحكومة إسلامية بعد مظاهرات حاشدة تطالب بإقالتها. وأضاف «سنفعل ما نريده بأنفسنا. لن ننسق مع الولايات المتحدة. لن نستمع… حين يقولون (لا يمكنكم تقديم السلاح لسوريا)».

7