ابتكار

الجمعة 2017/10/06

لا نكاد نتقدم خطوة في عالم التحديث والتنمية، حتى تبرز أمام العقل العربي ظواهر تعيده إلى قعر البئر من جديد. وحين تُطرح الأفكار قلما يجرؤ مبتكر عربي على البوح بما يدور في رأسه، فالفكرة إما أنها ستسرق، أو ستهمل، أو سيعاقب عليها صاحبها بالتهميش الدائم خشية الإتيان بمثل هذه المبتدعات الخطرة ثانية.

لكن بعض الابتكارات العربية طريفة في الحقيقة، ولا يمكن للمرء أن يتماسك إزاءها أو يكتم استغرابه. وقد التقيت قبل أيام بصديق مبتكر، كان قد تقدم بفكرة، قبل سنوات، حملت اسم “مشروع الأمن الاقتصادي التنموي” وكانت تنص على نشر مراوح هوائية عملاقة على امتداد السواحل الشرقية للمتوسط، مما يؤمن الكهرباء النظيفة التي ستوفر المياه للسقاية والري في مساحات شاسعة ترفع مستوى الزراعة وتشغل المصانع وتحافظ على الثروات الطبيعية وتحفظ ماء الوجه بدلا من تسوّل الطاقة من هذه الدولة أو تلك.

كل هذا جيد، ولكن لماذا الأمن؟ أجاب الرجل: من الذي سيقرر الموافقة في النهاية، وكيف سنمرّر المشروع؟ فقلت هؤلاء آخر من سيهتم بهذا الجانب؟ قال: ولكن هذا ضروري فحين تقول لهم إن حقولا ضخمة من المراوح العملاقة على مد النظر يمكنها أن تمنع الإنزال الجوي العسكري المعادي في حال حدوث غزو خارجي لا شك أنهم سيتحمسون.

فكرة غير عادية، ويمكنك أن تتخيل العدو وهو يحار في نفسه كيف سيقوم بإنزال قواته فوق المراوح التي تدور ويمكنها أن تفرم المظليين الغزاة وطائرات الأباتشي والله أعلم. وهكذا كان.

حمل المبتكر مشروعه من مكتب إلى مكتب إلى أعلى سلطة في البلاد، لكن الجميع تجاهل المشروع واعتبره نوعا من السخافة وتخفيف الدم، مع أنه مكون من مئات الصفحات من الدراسات الجادة. فهموا أن فيه ازدراء لعقولهم، فهل يعقل أن يكون أمن البلاد بحاجة إلى تطوير أو خبراء أو كهرباء أو أي شيء من هذا الكلام الفارغ؟

أما نحن فلا خيار لنا سوى الذهاب بسرعة إلى التنمية التي قد يظن البعض أنها تقتصر على الجانب الاقتصادي، لكن هذا فقط جزء من فضائها الرحب، فهناك التنمية السياسية والاجتماعية والتنمية الصناعيّة والتنمية الزراعية، أما الأمم المتحدة فقد وصفتها في العام 1956 بأنها “العمليات التي بمقتضاها تُوجّه الجهود لكلٍّ من الأهالي والحكومة بتحسين الأحوال الاقتصاديّة والاجتماعية والثقافية في المجتمعات المحليّة”.

كل هذا لن يحصل ما دام رجالنا يسخرون حتى من القرار السعودي بتمكين المرأة من قيادة السيارات، وهي خطوة ممتازة باتجاه “المساواة” لن تتوقف على السياقة وحدها، خطوة تأخرت كثيرا، ولكنها وصلت أخيرا.

24