ابتكارات المبدعين اللغوية بين اللبق والبذيء

في مصر، تجرأ كتاب أمثال نعمان عاشور، ويوسف إدريس، وعماد الديب، وإبراهيم أصلان، وسعيد الكفراوي وآخرون على استعمال اللغة اليومية ليفلحوا في ذلك إلى حد كبير، نازعين عن اللغة الكلاسيكية قداستها، وهيبتها.
الثلاثاء 2019/08/06
الأدب لا يمكن أن يكون مغلقا على ذاته (لوحة للفنان تمام عزام)

من أهمّ الخصائص التي يتميز بها كبار المبدعين، في جميع حقب التاريخ، وفي مختلف آداب الأمم، هي ابتكاراتهم اللغوية، وقدرتهم الخارقة على نحت لغة خاصة بهم وحدهم. هكذا كان حال هوميروس في أدب الإغريق، والجاحظ والتوحيدي والأصفهاني ومؤلف أو مؤلفي “ألف ليلة وليلة”، والحريري في مقاماته، في الأدب العربي على سبيل المثال لا الحصر. ومن مختلف لهجات المقاطعات الإيطالية، ابتكر دانتي تلك اللغة المشرقة والبديعة التي بها كتب عمله العظيم “الكوميديا الإلهية”. ومن وحي الديمقراطية الأميركية الناشئة، ولّد والت ويتمن لغة جديدة نضرة ومشرقة بها كتب ملحمته الشعرية البديعة “أوراق العشب”.

وفي القرن العشرين، تعددت الابتكارات اللغوية في مختلف آداب الأمم.. ففي بعض الفصول من  رائعته “أوليسيس”، لم يتردد جيمس جويس في ابتكار لغة مستوحاة مباشرة من لغة السوقة، والبحارة الذين يحلو لهم ترديد العبارات والكلمات الفاحشة والبذيئة وهم يسكرون في الحانات الدبقة، أو يرتادون بيوت الدعارة. وهذا ما لم يرق لفيرجينا وولف. لذا وصفت “أوليسيس” بـ”ركام من الفحش والبذاءة”.

وبفضل شقاء الطفولة، والتجارب المريرة التي كابدها في السجن، تحوّل الفرنسي ألفونس بودار إلى كاتب مرموق تماما مثلما هو الحال بالنسبة لجان جينيه. ومن وحي سيرته المعذبة، أصدر العديد من الروايات التي حصلت على جوائز هامة، وترجمت إلى جل لغات العالم.

وكان ألفونس بودار قد قرأ في السجن رائعة لوي فارديناند سيلين “سفرة إلى آخر الليل”. وفي نفس اللحظة التي أنهى فيها هذه الرواية التي رسمت صورة مرعبة لمصير الإنسانية بعد الحرب العالمية الأولى، شعر أن الأدب لا يمكن أن يكون “مغلقا على ذاته” بأيّ حال من الأحوال، مُعَاينا في ذات الوقت أن لغة سيلين تختلف عن لغة كل الكتب التي قرأها حتى ذلك الحين. وهي لغة لم تكن مألوفة من قبل، إذ أنها تستمدّ قوتها وشاعريّتها من لغة الشوارع والأسواق والأماكن الخلفية في المدن الكبيرة.

وكان الكتاب الفرنسيون الكبار يتحاشون استعمالها باعتبارها لغة “العوام” و”السوقة”، لذا نحن لا نعثر على أي عبارة أو مفردة من هذه اللغة في مؤلفات معاصري سيلين أمثال جان بول سارتر، وأندريه جيد، وفرانسوا مورياك، وألبير كامو وغيرهم. وحده لوي فارديناند سيلين خاض المغامرة بالكثير من الجرأة والتحدي، مُحققا نجاحا هائلا، وكاشفا عن نضارة اللغة اليومية، وشاعريتها، وجاعلا منها لغة “خضراء” بحسب تعبير ألفونس بودار.

وكان جان جينيه الذي أمضى سنوات طويلة في السجون، مُختلطا بعتاة المجرمين واللصوص، قد تجنب في رواياته، كما في مسرحياته، استعمال مفردات وتعابير اللغة اليومية. وكان يبرّرُ ذلك قائلا بأنه اختار الكتابة بلغة كلاسيكية رفيعة لكي يثبت لـ”العدو” الذي سجنه وعذبه استنادا إلى قوانينه ومؤسساته الرسمية، أنه قادر على إتقان لغته الراقية التي يخفي وراءها قبحه ورياءه ونفاقه. وكان جان جينيه يردد دائما بأنه يحبّ أن “يحارب العدو بسلاحه”.

وفي مصر، تجرأ كتاب أمثال نعمان عاشور، ويوسف إدريس، وعماد الديب، وإبراهيم أصلان، وسعيد الكفراوي وآخرون على استعمال اللغة اليومية ليفلحوا في ذلك إلى حد كبير، نازعين عن اللغة الكلاسيكية قداستها، وهيبتها.

أما نجيب محفوظ فقد حافظ على استعمال اللغة الكلاسيكية حتى في الحوارات لكي يكون، بحسب تعبيره، “مفهوما من قبل كل القراء العرب”. وفي مصر أيضا أحرز شعراء يكتبون بالعامية مثل عبدالرحمان الأبنودي، وصلاح جاهين، وفؤاد حداد، وفؤاد نجم وآخرون على شهرة تعلو أحيانا على شهرة كبار شعراء بلادهم المتمسكين بالفصحى.

وفي روايتيه البديعتين “عرس الزين” و”بندر شاه” جعل الطيب صالح من اللغة السودانية اليومية لغة “خضراء”، مشرقة بالشعر، وبأنغام الحياة في انسيابها البديع. وخلال سهرة معه في مطعم إيطالي بميونيخ الذي كان يزورها لتقديم رائعته “موسم الهجرة إلى الشمال” بعد أن تمّ نقلها إلى لغة غوته، فاجأني الطيب صالح، إذ أنه راح ينشدني أشعارا شعبية سودانية، مُفسّرا لي معانيها، ومقارنا إياها بروائع من الشعر العربي القديم، ومن الشعر الإنكليزي في الزمن الرومانسي.

وفي آخر السهرة قال لي “أظن أن اللغة العربية بحاجة إلى لهجات كل بلد عربي لكي تجدّد نفسها بنفسها، وتتحرّر من البلاغيين الذين يرغبون في حبْسها داخل قواميسهم ونواميسهم لكي تموت مختنقة في النهاية”.

وفي تونس، خيّرَ محمود المسعدي الكتابة بلغة كلاسيكية لا تكاد تختلف عن لغة المتصوفة، وأبي حيان التوحيدي، وابن المقفع. وبذلك أعاد لتلك اللغة إشراقتها التي كانت قد فقدتها، بحيث لم تعد قادرة لا على تسمية الأشياء بأسمائها، ولا على ملامسة الواقع بعد أن “حنّطَها” فقهاء وبلاغيو عصور الانحطاط.

وربما فعل المسعدي ذلك تحديا للاستعمار الفرنسي الذي كان يعتبر اللغة العربية لغة “ميتة” تماما مثلما هو حال اللغة اللاتينية. ولعله فعل ذلك أيضا لكي يثبت للتونسيين الذين بدأوا يشككون في قدرتها على مواكبة العصر، أن اللغة العربية لا تزال تتمتع بنضارتها وإشراقتها القديمة.

ومع ذلك، لم تمنع بلاغة المسعدي بعض الأدباء المعاصرين له مثل علي الدوعاجي من استعمال الدارجة التونسية في قصصه وأزجاله بهدف “تطعيم” اللغة الكلاسيكية بمفردات وتعابير جديدة توثّقُ صلتها بالواقع وبالعصر. وكذا فعل الروائي الكبير البشير خريف في جلّ أعماله الروائية والقصصية، مؤكدا بأن اللغة اليومية لا تقل قيمة وقوة ونضارة عن لغة الضاد.

وراهنا أصبح العديد من الكتاب العرب مشرقا ومغربا يقبلون على استعمال تعابير ومفردات اللهجات الدارجة. وظني أن هذا إثراء للغة العربية وليس اعتداء عليها كما يزعم حرّاس البلاغة الركيكة والجامدة.

14