ابتكار الحب من جديد

الاثنين 2015/05/11

لا شيء كالحبّ يظلّ دائم الحضور في كل تفاصيل الحياة ومناحيها، في الفلسفة والأدب والدراما والمسرح والسياسة الاقتصاد والدعاية والعالم الافتراضي، وهو يتخلل كل الأشياء والأفعال، ويختبرها، ويضفي عليها وجوداً معيناً مختلفاً.

يظلّ الحبّ محرّك البشريّة، بالتوازي مع الكره، بحيث أنّه لم يبقَ أحد لم يدلِ بدلوه في مفهوم الحبّ، ودوره وتأثيره، وكلّ واحد يحيله إلى الجانب الذي يؤثّر فيه، وما يراه حضوراً كلّياً له، فالفلاسفة يربطون بين الفلسفة والحبّ كقول أفلاطون: “إن الشخص الذي لا يتخذ الحب نقطة بداية له لن يعرف أبداً ما هي الفلسفة”. والأدباء والشعراء والدعاة وجميع البشر يضعونه في أولوية القوى الدافعة والمحرّكة للإبداع في هذا المجال أو ذاك.

مع التطور المتسارع الذي نعيشه في عالمنا، تظهر طرق دعائية تسليعية تسعى إلى تصوير الحب أو تقديمه على أنه وجبة سريعة يمكن الحصول عليها في أي وقت، وتجريده من جانب السموّ والجمال والدفء والألفة والحميمية، بحيث يكون تجريده من ذلك من باب إدخاله في حيّز آخر، يعرضه كأيّ منتوج متوافر، حسب الطلب، وحين الحاجة.

الحبّ بهذا المفهوم يتعرّض لتهديدات تنسف معناه وقيمته، ويكون الترويج لحالات تفريغه من جوهره عبر تسليعه قلباً لمعادلة الأمان والثقة والطمأنينة، وحتى الجنون نفسه الذي يلازم المحبين.

هل يحتاج الحبّ إلى مَن يدافع عنه..؟ يبدو أنّه يحتاج إلى مَن يعيد التذكير بتأثيره بعيداً عن سطوة وسائل الدعاية والمتاجرة، وهذا ما سعى إليه الفرنسي آلان باديو في كتابه “في مدح الحب”. إذ اعتبر أن مهمة الفلسفة، كما هي مهمة الحقول المعرفية الأخرى، قبل أي شيء آخر، أن تدافع عن الحب. ويعتقد أنه هنا يأتي قول الشاعر رامبو “إن الحب يحتاج إلى أن يُبتكر من جديد”. ويجد أنه لا يمكن أن يكون محض فعل دفاعي ببساطة للحفاظ على الوضع الراهن. وبأن العالم مليء بما هو جديد، ويجب أن يكتسب الحب هذا التجديد، على قاعدة أنه يجب أن نبتكر من جديد المخاطرة والمغامرة في مواجهة الأمان والراحة.

اعتقد باديو أن الحبّ هو أسلوب اختبار العالم على أساس الاختلاف. ووصف الحبّ كذلك بأنه دائماً هو إمكانية المساعدة على ولادة العالم.. ورأى أنّ الحبّ ليس ببساطة عن لقاء شخصين وعلاقتهما الداخلية، بل وصفه أنه بناء، حياة تُصنَع، لم تعد من منظور تلك اللحظة، بل من منظور اثنين. ولفت الانتباه إلى اهتمامه بقضيتي الاستمرارية والسيرورة، وليس قضايا البداية فقط.

كاتب من سوريا

15