ابحث عمن تحبه ودعه يقتلك

الخميس 2016/05/19

رأسها على الأرض وهي تتطلع إلى السقف، ألم شديد في جنبها من أثر اصطدامها بالكنبة قبل الوقوع على الأرض، وضعت يدها وتلمست مكان الألم، بدا لها شيء لزج بين أصابعها، تخيلت دما ينزف منها، قربت أصابعها من مستوى وجهها ونظرت إليها فلم تجد شيئا، حركت أصابعها للتأكد من أن أعصابها تشتغل بشكل جيد، ثم أعادت يدها إلى موضع الألم.

عادت تبحث بعينيها عن نقوش السقف، حافته ناعمة، مدورة قليلا، ونتوءات صغيرة في شكل وردة تلتف على بعضها البعض في وسط الدائرة، بين الوردة والوردة خيوط ملتوية وتعرجات مرسومة بدقة، تخيلت لو أنهم وضعوا بدل الورود أسماكا، قالت، كتلك التي في غرفة نوم أمها، أربع سمكات منقوشة بشكل رديء جدا ومن دون مراعاة المسافات بينها، تسبح في سقف الغرفة، بشكل نافر غير جذاب‫. لا بد أنها من اجتهاد أحد الصباغين الرديئين الذين كان والدها يستعين بهم أحيانا، فكرت‫.

حركت يديها فوق موضع الضربة وذهبت في ما يشبه الغيبوبة اللذيذة‫.

كانت ترى طرفا من قدميه، وهو يجلس في صمت على الكنبة ممسكا بهاتفه متصفحا حسابه على فيسبوك، لم يكن بوسعها أن تخمن شعوره في تلك اللحظة، فهو يبدو هادئا، صامتا، لا مباليا، لكنه في الوقت نفسه، محبا، متألما، وغارقا في عزلة موحشة‫. طلبت منه أن يأتيها بغطاء فقد كان برد الأرضية قد بدأ يتسرب إلى جسمها وعظامها ويجمد أطرافها‫، فنهض ليجلب الغطاء وكأس ماء ويساعدها على رفع رأسها.

منذ أحبت هذا الرجل عرفت أنه سيقتلها، بل ربما اختارته لهذا السبب تحديدا. كانت كثيرا ما تمزح معنا، نحن أصدقاءها، قائلة “وماذا لو قتلني؟، أليس ذلك أفضل من الموت تحت عجلات سيارة أو معلقة في حبل؟ وكثيرا ما استشهدت بمقولة معروفة لبوكفسكي، “ابحث عما تحبه ودعه يقتلك”، وهي على قناعة تامة بما جاء فيها، إذ ما المانع من أن نموت على يد من أحببنا؟ هي تجدها على العكس من ذلك ميتة مذهلة، تليق بها أكثر من أي موت آخر، بل إنها تمنتها بينها وبين نفسها، فهذه هي ميتتها الأجمل، كانت ترى رقبتها بين يديه وعينيها شاخصتين تنظران باتجاهه، وتحرضانه على الضغط أكثر، وابتسامة خفيفة على شفتيها تقول له “أحبك يا قاتلي”.

أثناء زيارتي الأخيرة لتونس للمشاركة في مهرجان أدبي بمدينة القيروان العريقة سألت عن صديقتي هذه، راوية القصة، فقيل لي إنها في المستشفى تعاني من كسور حادة، ورضوض وجروح في كامل جسدها، ولأول مرة لا أجد الرغبة في زيارتها، لكنني رددت في داخلي بارتياح واستسلام غريب “الحمد لله أنها لا تزال حية”.

كاتبة من تونس مقيمة بهولندا

21